الإسفلت الأخضر: نفايات بلاستيكية تعزز متانة واستدامة الطرق مستقبلًا
24 فبراير 2026
تواجه شبكات الطرق تحديًا متزايدًا يتمثل في التشققات وفقدان التماسك في الطبقات الإسفلتية، في ظل تسارع موجات الحر وارتفاع متوسطات درجات الحرارة عالميًا.
ومع تزايد كلفة الصيانة، يتجه الباحثون إلى حلول مادية مبتكرة، أبرزها تعزيز الخلطات الإسفلتية بالبلاستيك المعاد تدويره، بهدف تحسين متانته ومقاومته للحرارة، وإطالة العمر التشغيلي للطريق، وفي الوقت نفسه الاستفادة من المخلفات البلاستيكية التي تمثل عبئًا بيئيًا عالميًا.
من عبء بيئي إلى مورد إنشائي
يمثّل البلاستيك أحد أكبر تحديات التلوث عالميًا، إذ ارتفع إنتاج البلاستيك العالمي بشكل هائل في العقود الأخيرة، ليصل إلى نحو 400 مليون طن سنويًا، لا يُعاد تدوير سوى 9% منه، فيما يتم التخلص من معظمه في مكبات النفايات أو إطلاقه في البيئة، بما في ذلك المحيطات، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
تعتمد فكرة الإسفلت المدعّم، على دمج أنواع معينة من البلاستيك المعاد تدويره ضمن الخلطة الإسفلتية
وبالإضافة إلى غزارة إنتاجه ومحدودية إعادة تدويره، واعتماد تصنيعه على الوقود الأحفوري، تكمن الخطورة الأساسية في أن البلاستيك لا يتحلل بيولوجيًا بسهولة، بل يتفتت إلى جزيئات دقيقة تستمر لعقود أو قرون في التربة والمياه والهواء، وتتسلل إلى السلسلة الغذائية وصولًا إلى جسم الإنسان، ومع تسرب ملايين الأطنان إلى البحار سنويًا، تتضرر النظم البيئية البحرية والبرية على حد سواء، ما يجعل القضية عابرة للحدود ومركّبة بيئيًا وصحيًا واقتصاديًا.
وقد يحقق تحويل جزء من هذه الكميات إلى مكوّن إنشائي فائدة مزدوجة تتمثل بتقليل النفايات وخفض استهلاك المواد الخام في مشاريع البنية التحتية.
إسفلت أكثر صلابة في مواجهة الحر
تعتمد فكرة الإسفلت المدعّم، على دمج أنواع معينة من البلاستيك المعاد تدويره (مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين) ضمن الخلطة الإسفلتية، إما عبر إضافتها إلى البيتومين (القير) مباشرة أو بخلطها مع الركام قبل الرصف.
يعدّ البيتومين المكون الأساسي الذي يجمع مكونات الإسفلت، وهو مادة لزجة مرنة من الهيدركربونات، يتم الحصول عليه كبقايا في عملية تقطير البترول الخام، لكنه يتأثر بشدة بالحرارة، فمع ارتفاعها يلين البيتومين ويزداد خطر التخدد (الانضغاط)، ومع البرودة يزداد خطر التشقق الحراري.
يؤدي إدخال بعض أنواع البلاستيك المذاب مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، المعاد تدويره من أشياء يومية، مثل الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد والزجاجات البلاستيكية، إلى رفع درجة مقاومة الإسفلت للتشوه الناتج عن الحرارة العالية، وتقليل معدلات التشقق والانكماش، وإطالة العمر الافتراضي للطريق مقارنة بالخلطات التقليدية، وتحسين مقاومة الإسفلت للتخدد عند درجات حرارة عالية، وجعله أكثر صلابة وثباتًا تحت الأحمال الثقيلة.
أظهرت إحدى الدراسات، أن إضافة 7 % من البولي إيثيلين منخفض الكثافة (LDPE) أدى إلى خفض عمق التخدد بنسبة تصل إلى 33% مقارنة بالإسفلت التقليدي تحت اختبارات العجلة الدوارة، مما يشير إلى مقاومة أعلى للتشوه الدائم في درجات الحرارة العالية، وقدرة أكبر على تحمل حركة المرور الثقيلة دون تشوه.
كما بينت دراسة أخرى أن البلاستيك المعاد تدويره يمكن أن يزيد من مرونة الخلطة عند درجات منخفضة نسبيًا ويحسّن قوة الانحناء، ما يخفّض احتمالات التشقق الحراري ومقاومة التآكل مقارنةً بالخلائط التقليدية.
فوائد اقتصادية حذرة
تؤدي زيادة متانة الطرق وقدرتها على مقاومة آثار الحرارة والتآكل، إلى خفض تكاليف الصيانة الدورية على المدى الطويل، ما يجعل هذه التقنية واعدة من منظور اقتصادي وهندسي.
ويفتح هذا التوجه بابًا واسعًا لتقليل تكاليف دورة الحياة عبر خفض مصاريف الصيانة واستثمار النفايات البلاستيكية منخفضة القيمة ضمن إطار الاقتصاد الدائري، إضافة إلى تقليل الاعتماد على البوليمرات الخام المرتبطة بأسواق بتروكيماوية متقلبة.
كما تقلل هذه العمليات الأعباء الاقتصادية المرتبطة بإدارة النفايات بتخفيض كلفة طمر أو حرق النفايات البلاستيكية، وخلق سوق محلية للبلاستيك منخفض القيمة الذي يصعب تدويره تقليديًا، ودعم الفعاليات المحلية لإعادة التدوير.
غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب منظومة إعادة تدوير فعالة، ومواصفات فنية دقيقة، ورقابة جودة صارمة، فضلاً عن تقييم شامل لدورة الحياة والانبعاثات المحتملة، بما في ذلك المخاطر البيئية غير المرئية لضمان أن الفائدة الإنشائية والمالية لا تقابلها أعباء بيئية مؤجلة.
المايكروبلاستيك - أبرز التحديات البيئية المحتملة
بينما يحسّن البلاستيك المعدّل خواص الإسفلت، فإن التحلل الميكانيكي لسطح الطريق مع مرور الزمن، خاصة تحت الحركة المرورية والاحتكاك، يمكن أن يؤدي إلى إطلاق جسيمات بلاستيكية دقيقة (مايكروبلاستيك) في البيئة، وهو الخطر الذي لا يزال غير مفهوم بالكامل، ويحتاج أبحاثًا ميدانية طويلة الأجل لتقييم أثره على التربة والهواء والمياه.
ناقشت دراسة متخصصة احتمالية مساهمة مواد الرصف، إلى جانب إطارات المركبات، في انبعاث الجسيمات الدقيقة إلى البيئة، وسلوك المادة تحت ظروف الإجهاد المناخي المتكرر، واحتمالية تسرب مكونات بلاستيكية إلى التربة أو المياه السطحية.
تبيّن الدراسة أن استخدام البلاستيك المعاد تدويره في خلطات الإسفلت لا يزيد بشكل كبير من انبعاثات الجسيمات البلاستيكية الدقيقة مقارنة بالمواد البوليمرية المعدّلة المستخدمة بالفعل في الصناعة، ما يشير إلى أن مخاطر إطلاق البلاستيك الدقيق من الإسفلت المعدّل تبقى ضمن نطاق مماثل لما هو موجود في الخلطات المعدّلة التقليدية، وفي الوقت ذاته، لوحظ أن إنتاج خلطات الإسفلت عند درجات الحرارة العالية مع محتوى أعلى من البلاستيك يقلل من الانبعاثات الغازية بنسبة تصل إلى نحو 21 % مقارنة بالخلطات التقليدية، ما يدلّ على بعض الفوائد البيئية في مرحلة التصنيع.
رغم ذلك، تظل الحاجة قائمة لتقييم شامل وطويل الأمد للآثار البيئية المحتملة على المدى الطويل، خصوصًا فيما يتعلق بانبعاثات المواد الدقيقة أثناء فترة خدمة الطريق، لضمان أن الفوائد المقاسة في التصنيع لا تُقابَل بتحديات بيئية غير محسوبة لاحقًا.
في المقابل، يحذر خبراء الاقتصاد الدائري من المبالغة باعتبار هذه التقنية حلاً سحريًا لأزمة البلاستيك، إذ يؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن تقليل الإنتاج وإعادة التصميم يظلان أولوية استراتيجية.
وتجمع الآراء على أن تعميم التقنية يتطلب وضع مواصفات قياسية دقيقة لنوعية البلاستيك المقبول، ثم إجراء اختبارات أداء حراري وديناميكي، مع تقييم دورة حياة شاملة قبل اعتمادها على نطاق واسع، وإجراء اختبارات طويلة الأمد لرصد انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة أثناء الرصف، ومراقبة الأداء الميداني لسنوات عدة قبل إدراجها في المواصفات الوطنية.