الإرباك الليلي.. المقاومة كخيار ثابت

الإرباك الليلي.. المقاومة كخيار ثابت

من شبان "الإرباك الليلي" (الجزيرة)

"المقاومة جدوى مستمرة" العبارة التي أطلقها الشهيد باسل الأعرج، صارت نهجًا يسير عليه الجيل الفلسطيني الحالي الذي لا يستكين، ويعمل بكل طافته لتحقيق إرادته الشعبية. هذا جيل الانتفاضة والمقاومة المستمرة إلى حين تحقيق النصر في وجه قوة محتلة تحاول أن تصادر منه كل مقومات الحياة، وتعتمد مختلف الأساليب الاجرامية لمواصلة عدوانها عليه.

لا يعدم الفلسطيني الوسيلة حيث باتت كل الخيارات أمامه مفتوحة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقد أثبت أنه لا يقبل الترويض أو التراجع عن حقوقه الوطنية والتاريخية الراسخة والمتجذرة، وأنه يراكم تجارب المقاومة السابقة ليبني عليها ويستمر في نضاله لتحقيق حقه في الحرية والاستقلال.

تهدف فعاليات "الإرباك الليلي" إلى خلق قاعدة جماهرية واسعة تنخرط في المقاومة الشعبية وتجعل حالة الاشتباك مع جنود الاحتلال ومستوطنيه قائمة ومستمرة

تعددت وسائل المقاومة، ولكل محطة طوّر وسائل مقاومته القديمة أو استحدث وسائل مقاومة جديدة، ويعد "الإرباك الليلي" أحد أدوات النضال المُبتكرة التي تطورت مع تصاعد المقاومة الشعبية، إذ أصبح أحد أبرز أساليبها وأكثرها فاعلية.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: الهبّة الشعبية الفلسطينية.. خلفياتها، وأسبابها، وسماتها

الفعاليات التي بدأت من حدود قطاع غزة، ما يعرف بمستوطنات غلاف غزة، أيام مسيرات العودة والتي انتقلت إلى بلدات بالضفة الفلسطينية، تعد غير مكلفة نسبيًا إلا أن آثارها تأتي بالتراكم ولا يمكن بحال من الأحوال الاستهانة بها، سواء على الصعيد الفلسطيني حيث أعطت دفعًا قويًا للاستمرار بالمقاومة وجعل الشارع الفلسطيني يبدع في وسائل مقاومته، لتثبيت فكرة أن لا شيء مستحيل لتحقيق أهدافه وتطلعاته لنيل حريته، أو على الصعيد الإسرائيلي حيث أصبحت وسيلة ضغط مستمرة على جنود الاحتلال وعلى المستوطنين، والتي قلبت حياتهم إلى جحيم وسط البؤر الاستيطانية التي أقاموها فوق أراضي مدن وبلدات الضفة الفلسطينية المحتلة.

تهدف فعاليات "الإرباك الليلي" إلى خلق قاعدة جماهرية واسعة تنخرط في المقاومة الشعبية وتجعل حالة الاشتباك مع جنود الاحتلال ومستوطنيه قائمة ومستمرة، وتخلق حالة استنفار دائم على خطوط المواجهة ما يجعل حالة الضغط وعدم استقرار تنعكس عليهم وتدفع إلى إنهاكهم وجعل تلك البؤر الاستيطانية عبئًا عليهم.

يمكن البناء على هذا النموذج من النضال الوطني الفلسطيني وتعميمه في كل المدن والبلدات الفلسطينية على خط المواجهة، بوصفه أسلوب مقاومة ناجعًا، فالمعروف أن المقاومة الشعبية تبنى على استراتيجية تجعل الاحتلال يستنفد كل إمكانياته وطاقاته لحماية وتأمين هؤلاء المستوطنين، فتصبح العملية مكلفة وخاسرة وتخلق حالة إرباك في صفوفه، تجعله يتخبط إما على صعيد خطط حماية تلك التجمعات الاستيطانية أو سبل المواجهة مع الفلسطينيين المستمرة.

قرية بيتا محطة من محطات النضال ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه في خط مواجهة المشتعل من القدس إلى قطاع غزة، مرورا بمدن وقرى الخط الأخضر، تلك الحالة الفلسطينية المقاومة المستجدة والتي أثبتت أن خيار المقاومة موجود ما وجد الاحتلال.

باتت قرية "بيتا" الفلسطينية الواقعة بمحافظة نابلس شمال الضفة الفلسطينية علامة بارزة في مواجهة مشاريع الاستيطان والمستوطنين

باتت قرية بيتا الفلسطينية الواقعة بمحافظة نابلس شمال الضفة الفلسطينية علامة بارزة في مواجهة مشاريع الاستيطان والمستوطنين، الذين شرعوا مؤخرًا بإقامة بؤرة استيطانية تحت مسمى "أفيتار" في جبل صبيح، وتستلهم هذه الفعاليات أسلوب "الإرباك الليلي" الذي استخدمه نشطاء المقاومة الشعبية في قطاع غزة ضد جنود الاحتلال والمستوطنات المقامة على الشريط الحدودي والمعروفة باسم غلاف غزة أيام مسيرات العودة. واعتمد أهالي بيتا الأسلوب ذاته وطوروه لإشعار المستوطنين بعدم الأمان ودفعهم إلى الرحيل.

اقرأ/ي أيضًا: قراءة لإستراتيجيات المواجهة في الداخل الفلسطيني

هذه التجربة تسعى لتعزيز المواجهة وقد لاقت تجاوبًا كبيرًا، خاصة في أوساط الشباب الذين يملكون الجرأة والشجاعة على الإقدام والاقتراب لمسافات قريبة جدًا من بيوت المستوطنين ومواقع قوات الاحتلال، فتم تشكيل مجموعات عمل وتقسيم الأدوار ولكل مجموعة مهمة لا تقل أهميتها في العمل عن أي مجموعة أخرى.

مجموعة الرصد التي تحمل مناظير مهمّتها الأساسية مراقبة البؤرة الاستيطانية وتحركات المستوطنين وجنود الاحتلال قربها، بهدف معرفة المحيط واحتمالات قيام جنود الاحتلال بنصب كمائن للشبان المقتربين من محيط البؤرة، يأتي بعدها عمل مجموعة يطلق عليها الدعم اللوجستي للإرباك، وهي تعمل على تقديم الطعام والمياه والمشروبات للشباب المشارك في فعاليات الإرباك، وعمل هذه المجموعة لا يقتصر عليها فهو يمر بعدة مراحل، تشارك فيه نساء البلدة بإعداد الطعام ويتكفل شباب المجموعة بإيصاله إلى نقاط المواجهة، مجموعة تعمل على تشغيل مكبرات الصوت في المساجد لبثّ القرآن، في حين تستخدم مجموعة أخرى مكبرات الصوت لإطلاق التكبيرات الجماعية والهتافات المصحوبة بالصراخ، بالإضافة لاستعمال اللغة العبرية في توجيه رسائل للمستوطنين لتشتيتهم وإشعارهم بعدم الأمان ليغادروا المنطقة، مجموعة التفجير وهي المختصّة بتجهيز قنابل صوتية لتفجيرها قرب المستوطنة، فينبعث اللهب والنار مع صوت قوي عند التفجير ما يبث الرعب في أوساط جنود الاحتلال والمستوطنين.

أما المجموعة التي تحمل على عاتقها المواجهة المباشرة فقد قدمت عدد من الشهداء والجرحى فهي تقترب أكثر من بيوت المستوطنين، ويتسلل أفرادها بين الأشجار ويصعدون بهدوء تام لعدم لفت أنظار جنود الاحتلال المنتشرين بكثافة في محيط البؤرة من كلّ الاتجاهات، وعندما يصلون إلى نقطة قريبة جدًا من البيوت، يشعلون النار في الأعشاب هناك لتعلو ألسنة اللهب في حين تعمد مجموعات أخرى إلى قطع أسلاك الكهرباء ليحل الظلام في البؤرة، ويقوم الشباب بتسليط أشعة الليزر على البيوت لتشتيت انتباه الجنود والمستوطنين ليبقى عمل باقي المجموعات التي تعمد إلى قطع الطرق الفرعية المؤدية الى المستوطنة بالسواتر الترابية وإشعال الإطارات في أكثر من منطقة حول البؤرة الاستيطانية.

هناك نقلة نوعية في أساليب المقاومة الشعبية، وبالتالي أصبح العمل ضروريًا على تعميم أفكار المبدعة لهذه المقاومة وتطوير أساليبها

واضح للمتابع للمشهد الفلسطيني بعد معركة ضارية ومقاومة أسطورية في غزة، وصمود وثبات وتحدٍّ في مناطق 48 والقدس والشيخ جراح وباب العامود، أن نقلة نوعية في أساليب المقاومة الشعبية والنتائج تحققت بفعاليات الإرباك الليلي، في بيتا وجبل صبيح، وبالتالي أصبح العمل على تعميم فكرة المقاومة وتطوير أساليبها ضرورة، حتى تمتد إلى باقي نقاط المواجهة مع المحتل في الضفة الفلسطينية، وباقي المدن الفلسطينية، في مواجهة البؤر الاستيطانية الجديدة المقامة أو التي ستقام مستقبلًا.

اقرأ/ي أيضًا: عماد عقل.. المشتبك من المسافة صفر

يبدع الشعب الفلسطيني بطرق النضال ويخلق حالة فلسطينية مقاومة نفخر بها، تؤمن بأن تحرير فلسطين ليس بالمستحيل إن وجدت الإرادة في مقابل خيار سياسي بائس انتهجته السلطة الفلسطينية، أفرز نتائج متدنية بشكل كارثي يثير الاستغراب والاستهجان في نفس الوقت، وأقل ما يمكن أن يقال عن هذا الخيار أنه خلق كيانًا بات أداة في يد الاحتلال، وهو بعيد كل البعد عن تطلعات الشعب الفلسطيني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| لورنسو فرتشيني: قانون القومية مؤشر على أزمة إسرائيل الاستعمارية

كتاب "الفن الفلسطيني المعاصر".. نشأته وتطور ممارساته المعاصرة