الإذاعة التي صارت محكمة في غزة

الإذاعة التي صارت محكمة في غزة

مطلًا على دمار غزة

طرقت باب إذاعة من تلك العاملة في قطاع غزة المحاصر متطوعًا، بعد أربع سنوات من الدراسة في كلية الإعلام، تعلمت فيها أن الرسالة الإعلامية إنسانية أولًا، والوسيلة الإعلامية ما هي إلا لطرح حلول للأزمات، على مختلف الجوانب. 

في غزة، تحول ميكرفون الإذاعة إلى قاعدة بيانات للمشكلات والشكاوى غير المنتهية

معاناة قطاع غزة مع أقلام الكتاب وحناجر المذيعين حكاية شرحها يطول، وأكتفي بالقول بأنه قد جفّت الأقلام وبُحت الحناجر وما من مجيب. لم تتأخر الإذاعة في الرد على طلب تطوعي، تم قبولي لإدراكهم معاناة الخريجين الباحثين عن فرصة تطوع بعدما فاقت الأعداد التوقعات، وأصبحت فرصة توفير العمل من خارج الأولوية الرسمية.

اقرأ/ي أيضًا: صحيفة عكاظ.. تجهيل وتشهير ضد الإعلام الديمقراطي

في اليوم الأول في الإذاعة، سمعت صوت أم مكلومة تنادي تستغيث بمن يسمع صوتها، أسرعت نحو الصوت فرأيتها تهم برمي ابنها الصغير من نافذة الطابق السابع لعدم استطاعتها توفير أي شيء. وقد اختارت المكان الذي يتعلق به كل غريق، أثير الإذاعة، ثوان قليلة وكان طاقم الإذاعة قد تحولوا من إعلاميين إلى مسعفين. أُدخلت المرأة إلى المقر وراحت تشكو همها وما حل بها وبزوجها بسبب الأوضاع المأساوية.

شعرتُ للحظة أنني متطوع في مؤسسة شؤون اجتماعية، تحل قضايا ومشاكل الناس. لم تكذّب الأيام مشاعري إذ فعلًا وجدت نفسي متطوعًا في مؤسسة اجتماعية، حيث يأتي من ظلمته البلدية، ومن خالفته الشرطة، ومن تأخر إعمار بيته، ومن تعرض للنصب. تأتي الثكالى والمكلومون والعجائز والمرضى، يأتي المظاليم والمديونون والذين تعرضوا لبلاغ كيدي... إلخ. تحول ميكرفون الإذاعة إلى قاعدة بيانات للمشكلات والأزمات غير المنتهية. وصارت لدينا ملفات وبيانات لشكاوى المرور، وأخرى لشكاوى الأعمال، وثالثة للأنروا... وهكذا دواليك. 

وقد وصلت الأمور إلى درجة أن أحد البائعين المتجولين استنجد بمراسل صحفي ليحميه من ملاحقة البلدية له. يبدو أنّ الوسيلة الإعلامية في قطاع غزة هي السبيل الوحيد أمام الشعب المضطهد بالحصار والانقسام. 

اقرأ/ي أيضًا: حين صار الموت خدمة إلزامية

تزداد المآسي وتتراكم الآلام كلما ضاق السجن وكلما اتسعت فجوة الانقسام في غزة

لكن للحديث وجه آخر، أراه يوميًا في دأب أولئك الجنود المجهولين، على مدار الساعة، للبحث عن حل لمشاكل الناس، وإيجاد فرصة عمل في بعض الأحيان، واسترجاع حقوق الناس، وسماع آراء المختلفين في قضية ما من طرفي الادعاء، لكن ما لا يعلمه البعض هو حجم الضغوط النفسية التي تقع على كاهل المسؤول عن ملفات الشكاوى، وكم هي الصعوبة التى يواجها هذا المنسق الإعلامي الاجتماعي في البحث وإيجاد الحلول، وكم ضاقت نفوس البعض بسبب المعاناة التي لا تنتهي إلا بزوال الانقسام الذي ناءت بحمله ظهورنا.

تزداد المآسي وتتراكم الآلام كلما ضاق السجن واتسعت فجوة الانقسام. لا نريد تجميع المزيد من هذه الشكاوى والتفرّغ للعمل على أرشفتها، نريد أن يقف كل طرف أمام مسؤوليته، بدون التباهي بامتلاك الشرعية، فوحدهم هؤلاء المتألمون الذين يدفعون حيواتهم ثمنًا لكل ما يجري يمثلون الشرعية.

اقرأ/ي أيضًا: 

الإسلاميون في الجزائر...المجد الضائع

يعلون وليبرمان.. العملة بوجهيها