الإخفاء القسري في مصر.. جريمة ممنهجة في سراديب أمن الدولة

الإخفاء القسري في مصر.. جريمة ممنهجة في سراديب أمن الدولة

شهدت الأعوام الأخيرة زيادة كبيرة في معدلات ارتكاب السلطات المصرية لجريمة الإخفاء القسري (ألتراصوت)

بينما تصر الرواية الرسمية في مصر، على أنه لا يوجد اعتقال سياسي فضلًا عن إخفاء قسري وتعذيب في السجون، بل يذهب بعض المؤيدين للنظام إلى درجة الادعاء بأن هناك تطورًا في ملف حقوق الإنسان، وأنّ كلمة "إخفاء قسري"، ما هي إلا "اختراع بردعي" ابتدعه محمد البرادعي، وردده الناس من بعده؛ تؤكد تقارير دولية عديدة، بل ومصرية مستقلة، على مؤشرات خطيرة تتعلق بملف الإخفاء القسري في مصر، إلى جانب تقارير نشرتها صحف أجنبية عن حالات الإخفاء القسري في مصر، موثقة بالإحصائيات الدولية، حتى جاءت في النهاية قصة الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، الذي أخفي قسريًا عدة أيام قبل أن يُعثر على جثته، مشوهة تمامًا من أثر تعذيب وحشي تعرض له، إلى الحد الذي جعل والدته تصف جثته بأنها "تحمل آثار الشر في هذا العالم".

تُمعن السلطات المصرية في ممارسة جريمة الإخفاء القسري رغم تشديد الدستور والقانون المصري على تجريمها حتى في حالة الطوارئ

هل يجرم القانون المصري الإخفاء القسري؟

ما قد تعد مفاجأة سيكتشفها الباحث في نصوص الدستور المصري، وخاصة في البنود التي تجرم الإخفاء القسري، هي أن مواد دستور ما قبل 2011  (دستور1971) ومواد الدستور المعدل في 2014، اشتملت على بنود عديدة تجرم الإخفاء القسري، والاعتقال التعسفي، وتشدد على ضرورة إعطاء الحق في أن يتصل المُعتقل بذويه، وأن يُخبر بالقضية المتهم فيها، هذا فضلًا عن أن الاعتقال يكون بإذن قضائي، ليس خلاف ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: حقوق الإنسان فى مصر.. مأسسة الانتهاكات

على سبيل المثال ، في دستور 1971 الذي تم تعديله لاحقًا، يُشير أحمد عبد اللاه المراغي، في كتابه "جرائم التعذيب و الاعتقال.. دراسة مقارنة"، إلى أن المادة 41 من هذا الدستور كانت تنص على أنّ "الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة، وفيما عدا التلبس، لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل، إلا بأمرتستلزمه إجراءات التحقيق وصيانة  أمن المجتمع. ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص، أو النيابة العامة ،وفقًا لأحكام القانون".

 أما المادة 71 من نفس الدستور، فتنص على أنّه "يُبلّغ كل من يُقبض عليه أو يُعتقل  بأسباب القبض عليه واعتقاله فورًا، ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع عليه، أو الاستعانة به على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه. وله ولغيره، التظلم أمام القضاء من الإجراء الذي قيّد حريته الشخصية. ويُنظم القانون حق التظلم بما يكفل الفصل فيه، خلال مدة محددة، وإلا وجب الإفراج حتمًا".

أما في الدستور المعدل الصادر في 18 كانون الثاني/يناير 2014 ، فإن المادتين 42 و43 من الإجراءات الجنائية، تلقيان على عاتق النيابة العامة المسؤولية المختصة بالتأكد من "عدم وجود أشخاص معتقلين بصفة غير قانونية، أو في أماكن غير مخصصة للحبس".

استخدمت السلطات المصرية، الحبس الاحتياطي كمدخل "قانوني" في جزء منه في ظل حالة الطوارئ، للتنكيل بالمعتقلين

ورغم أنّ حالة الطوارئ استأثرت على فترة طويلة من عهد ما قبل الثورة، وعادت مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلا أنّها محكومة بقانون، تعطي المادة الثالثة منه، المقبوض عليه، حق أن "يُبلّغ فورًا وكتابةً بأسباب القبض عليه أو اعتقاله. ويكون له الحق في الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع، والاستعانة بمحامٍ، ويُعامل معاملة المعتقل المحبوس احتياطيًا".

اقرأ/ي أيضًا: الحبس الاحتياطي في مصر.. مئات المعتقلين على ذمة تجاوز القانون ومزاج القضاء

ولعل مدخل "الحبس الاحتياطي" هو المستخدم من قبل السلطات المصرية للتنكيل بمن يُقبض عليه أو يُعتقل، دون توجيه تهم معينة له. إلا أنّها بالمخالفة للقانون، غالبًا ما تتراوح مدة الحبس الاحتياطي لتصل لشهور وربما أعوام.

وإن كان الحبس الاحتياطي مدخلًا "قانونيًا" في جزء منه، تحت ظل قانون الطوارئ الاستثنائي؛ للتنكيل بالمعتقل، إلا أنّه لا شك في كون الإخفاء القسري جريمة مُخالفة لنصوص الدستور والقانون.

التقارير الدولية عن الإخفاء القسري في مصر

توثق المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا انتهاكات جسيمة وقعت فيما يخص حقوق الإنسان بمصر منذ تموز/يوليو 2013 . وتؤكد تقارير المنظمة، أن الإخفاء القسري بات "إجراءً روتينيًا"، حيث لا يعرف المقبوض عليه أو المعتقل مكان اعتقاله، ولا التهمة الموجهة إليه، ولا يُسمح له بزيارة عائلته أو محاميه إلا بعد فترة من الزمن، قد تمتد شهورًا.

وهناك من اختفى أثره تمامًا، وحُسب في عداد المفقودين. وقد أشارت المنظمة إلى 129 حالة إخفاء قسري، خلال عام واحد، من تموز/يوليو 2013، وحتى تموز/يوليو 2014.

ونشرت هيومن رايتس مونيتور تقريرًا عن حالات الإخفاء القسري في النصف الأول من عام 2015، أكّد على ما بات إستراتيجية تستند إليها السلطات المصرية، وهي "القبض على مواطنيها وتعريضهم للإخفاء القسري. ليس ذلك فقط، بل تقوم أيضًا بتعذيبهم خلال فترة الإخفاء، ولا تقوم بإظهارهم إلا وقد اعترفوا بتهم لم يرتكبوها تحت وطأة التعذيب، ما يعد مخالفًا للقانون، وللمادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللتين تنصان على عدم جواز تعرض أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وكذلك المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تُجرّم إكراه أي شخص على الشهادة ضد نفسه والاعتراف بذنب لم يرتكبه".

ورصدت المنظمة 582 حالة إخفاء قسري في مصر، خلال النصف الأول من 2015، بينهم 378 رجلًا، و23 امرأة، و56 قاصرًا، و128 طالبًا أو طالبة. ومن هؤلاء الذين أُخفوا قسريًا خلال تلك الفترة، من تعرض للتصفية، كحالة الطالب إسلام عطيتو.

وخلال الفترة ما بين آب/أغسطس 2015 وآب/أغسطس 2016، وثقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، 912 حالة إخفاء قسري، لم تظهر 52 حالة منهم حتى وقت صدور تقرير المفوضية في آب/أغسطس 2017.

رصدت منظمة حقوقية، 582 حالة إخفاء قسري في مصر، خلال فترة ستة أشهر فقط، بينهم 56 قاصرًا، وتعرض بعضهم للتصفية

وأضاف تقرير المفوضية أنّ ضباط الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا)، أمعنوا في تعذيب المخفيين قسريًا، وهذا ما قاله 433 ممن كانوا مخفيين قسريًا، وفقًا لمركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، الذي تُؤكد إحصائياته الارتفاع الملحوظ في جريمة الإخفاء القسري في مصر خلال السنوات الأخيرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاختفاء القسري "للورد الي فتح في جناين مصر"!

حصاد مصر في 2017.. قمعٌ وقتل ومنعٌ وحجب