الإخفاء القسري في سوريا.. جريمة معمّمة بالمجان

الإخفاء القسري في سوريا.. جريمة معمّمة بالمجان

أكثر من 85 ألف مدني سوري تعرضوا للإخفاء القسري خلال فترة الحرب (ألترا صوت)

تقدر مؤسسات حقوقية شاركت في توثيق الانتهاكات على مرّ السنوات الماضية، اختفاء عشرات الآلاف من السوريين قسريًا. وتشير كافة التقارير الموثّقة لقضية الإخفاء القسري، إلى مسؤولية مختلف الأطراف المسلحة المشتركة في الصراع السوري الراهن، إلا أن المسؤولية المباشرة توجه في المرتبة الأولى للنظام السوري الذي حملّته المنظمات مسؤولية إخفاء ما يزيد عن 76 ألف مدني قسريًا.

يتحمل النظام السوري النصيب الأكبر من جريمة الإخفاء القسري في سوريا، فهو المسؤول عن إخفاء أكثر من 76 ألف مدنيّ قسريًا

الإخفاء القسري.. رحلة السوريين المجهولة

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد سُجّل اختفاء أكثر من 85 ألف مدني خلال الفترة ما بين آذار/مارس 2011 وآب/أغسطس 2017،  بينهم 1527 طفلًا، و4810 امرأة. وتشير الشبكة لمسؤولية النظام السوري عن اختفاء 76656 مدنيًا، كما وثّقت إخفاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهيئة تحرير الشام (هتش) لـ5819، إضافة لتحمّل فصائل المعارضة مسؤولية اختفاء 1418 مدني، وأخيرًا 1143 على يد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمادها الأساسي.

اقرأ/ي أيضًا: حصاد الحرب السورية في 2017.. فاجعة مستمرة ضحيتها آلاف المدنيين

ووفق الموقع الرسمي للأمم المتحدة، فقد ورد في المادة الثالثة للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري، أن المقصود بهذا الوصف (الإخفاء القسري): "الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها".

ورغم توثيق إخفاء ما يزيد عن 85 ألف مدني في سوريا، فإن هذه الأعداد قابلة للمضاعفة أكثر من مرة، كون عملية التوثيق يشوبها تعقيدات مختلفة، من بينها لأولئك الذين لا يزالون يقيمون في المناطق الخاضعة لنفوذ النظام السوري، بينما كان يستحيل توثيق كافة المختفين قسريًا داخل سجون داعش بسبب فرضه رقابًة صارمة على المجتمع المحلي بتقييده حرية التواصل للسكان مع المقيمين خارج مناطق سيطرته.

لا إحصائية دقيقة للمختفين قسريًا

الإحصائيات التي تقدمها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ليس أكيدة، والأعداد في ازدياد. ويؤكد المحامي ميشال شماس أنه "لا توجد إحصائية دقيقة"  لعدد المختفين قسريًا في سجون النظام وأقبيته، مرجعًا ذلك "للأعداد الهائلة التي تعرضت للإخفاء القسري، ولم تستطع المنظمات المحلية توثيقها"، موضحًا أن "عمل المنظمات المدنية في هذا المجال شابه التسرع والفردية، ولم يكن موثقًا بشكل جيد لأن عملية التوثيق تحتاج لقدرات وموارد كبيرة  وهذا ما لم يتوفر حتى الآن".

وأشار ميشال شماس في حديثه لـ"ألترا صوت" إلى أن المطالبات لا تزال مستمرة  لكشف مصير كافة المختفين قسريًا والمفقودين، وأنها بتعبيره "لم تتوقف يوميًا لدى كافة المحافل الدولية". وشماس واحد من المحامين القلائل الذين تابعوا مئات الملفات لمعتقلي الرأي في سجون النظام السوري خلال السنوات الماضية.

وبسؤالنا له عن المختفين قسريًا داخل سجون النظام منذ الثمانينات، أجاب ميشال شماس: "هناك مطالبات بالكشف عن مصيرهم، لكنها ليست بالزخم الخاص بمطالب الكشف عن مصائر الذين تعرضوا للإخفاء القسري خلال السنوات السبع الأخيرة".

وفيما يخص إمكانية إدانة النظام السوري بمسؤوليته المباشرة عن قضية إخفاء عشرات الآلاف قسريًا، أوضح قائلًا إن "النظام ما زال يتهرب من مسألة الكشف عن المفقودين والمختفين قسريًا، لأنه ببساطة لا يوجد ضغط حقيقي وكافٍ من المجتمع عليه"، كما أن مسألة ملاحقة القيادات المسؤولة عن ذلك "تتوقف على مدى وكيفية تطور الأحداث في  سوريا، ومدى قدرة السوريين في النجاح بالضغط على المجتمع الدولي لإجبار النظام على الكشف عن كل ما لديه من مفقودين ومختفين قسريًا".

صحيح أن النظام السوري المسؤول الأول عن الإخفاء القسري، إلا أن كافة الفصائل المسلحة متورطة في ارتكاب هذه الجريمة

ولفت ميشال شماس لوجود محاولات تجري الآن في عدد من الدول "لملاحقة عدد من مسؤولي النظام السوري عن عمليات التعذيب والإخفاء القسري"، مشيرًا إلى رفع العديد من القضايا في ألمانيا وفرنسا، وأنه تجري اتصالات مع دول أخرى  للسماح للسوريين برفع دعاوى بذات الشأن، هدفها "محاصرة النظام والضغط عليه وإرسال رسالة  له ولغيره أنه لا يمكن الإفلات من العقاب مهما امتد الزمن".

الجميع متورط

وإن كان ضياء الدين عبسي، وهو ناشط مدني، يتفق مع ميشال شماس في مسألة عدم وجود إحصائية دقيقة توثق أعداد المختفين قسريًا، فإنه يؤكد في منحى آخر على عدم وجود "أية جهة حقوقية أو إنسانية تعمل على إحصاء المختفين قسريًا"، منوهًا لوجود بعض الحالات الموثقة، إلا أن أغلبها قام بها نشطاء مدنيون، وهي "حالات فردية من أصدقاء ومعارف المعتقلين".

اقرأ/ي أيضًا: هل تشبه الحرب السورية..الحرب الأهلية الإسبانية؟

وفيما يتعلق بوجود فصائل مسلحة معينة مسؤولة عن حوادث الإخفاء القسري، يقول ضياء الدين عبسي لـ"ألترا صوت"، إن "أغلب الفصائل متورطة بشكل أو بآخر في عمليات الإخفاء القسري، وحتى في عمليات التصفية"، موضحًا أن أغلب هذه الحوادث تكون بسبب "الدافع المادي لطلب الفدية مقابل إطلاق سراح المعتقل، أو المختطف"، مشيرًا إلى أن مثل هذه العمليات تضمنت "اختطاف بعض المسؤولين في المنظمات أو الناشطين الأجانب وخاصة الأوروبيين، أو بعض الأغنياء والتجار".

وعن الحالات الأخرى لحوادث الإخفاء القسري يقول ضياء الدين عبسي إن "أغلب ضحاياها لم يُعرف مصيرهم"، لافتًا إلى أن مثل هذه القضايا يكون المختفين فيها "معارضين للفصيل الخاطف، ومنهجيته في التعامل مع المدنيين"، مضيفًا أنّ "أغلب هذه الشريحة هم من الناشطين المعارضين أساسًا لنظام الأسد، ولكنهم لا يصمتون إزاء أي انتهاك آخر، وخاصة إذا كان صادرًا من فصائل معارضة إسلامية أو معتدلة أو تحت أي تصنيف آخر".

ويختم عبسي حديثه مع "ألترا صوت" منوهًا إلى أن "الشريحة الأخيرة من المغيبين قسريًا، هم عناصر من فصائل معارضة مختلفون مع فصائل أخرى يتم اختطافهم لتنحيتهم بسبب الخلافات، أو لتتم مبادلتهم كأسرى مع الفصيل الذي يختلفون معه، ولديه أسرى أيضًا".

مختطفو داعش.. مصير مجهول بعد الهزيمة

وفي ذات سياق القضية فإن داعش يعتبر مسؤولًا عن إخفاء الآلاف داخل مناطق سيطرته في سوريا، اعتبارًا من بدايات تواجده في شمال سوريا عام 2013 حين كان يعرف بـ"تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، قبل أن يعلن عن قيام ما أطلق عليه "دولة الخلافة"، حيثُ شرع بتصفية غالبية النشطاء المدنيين، بالإضافة للإعلاميين والسكان المدنيين الذين كانوا يعارضونه.

عبود حداد، من الإعلاميين مجهولي المصير، المختطفين لدى داعش
عبود حداد، من الإعلاميين مجهولي المصير، المختطفين لدى داعش

وكان أهالي الإعلاميين المختطفين لدى داعش، قد أطلقوا في أيلول/سبتمبر الماضي حملةً تطالب فصائل المعارضة الدخول في مفاوضات مع التنظيم لإطلاق سراح الإعلاميين المختطفين مقابل إطلاق المعارضة لسراح أسرى التنظيم لديها، لكن الحملة فشلت لأسباب متعددة.

يأتي داعش ثانيًا بعد النظام في ارتكاب الإخفاء القسري، فهو مسؤول عن إخفاء آلاف المدنيين منذ بدايات تواجده على الأراضي السورية في 2013

وتعد قضية الإعلاميين المحتطفين لدى التنظيم واحدة من عشرات القضايا مجهولة المصير بعد أن خسر التنظيم أكثر من 95% من المساحات التي كان يسيطر عليها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإعلاميون المختطفون لدى داعش.. مصير مجهول وتجاهل مريب من المعارضة المسلحة

"مرحبًا في النسخة الجديدة من سوريا".. تواصل الحرب بصيغة مختلفة