الإخفاء القسري في الإمارات.. مساواة في التنكيل ضد الجميع!

الإخفاء القسري في الإمارات.. مساواة في التنكيل ضد الجميع!

تعرف الإمارات مساواة في ظلم الجميع؛ رجال ونساءً ومواطنين وأجانب (ألترا صوت)

خادعة تلك الإمارات ذات المباني الشاهقة، والتي يسعى حكامها لرسم مظاهر التحضر والحداثة على البنايات الخرسانية وفي المشروعات المقتبسة من الغرب دون حتى تعريب لها. خادعة تلك المظاهر والأموال التي يستغلها حكام الدولة لإنفاقها على وكالات الدعاية والعلاقات العامة وبعض اللوبيهات حول العالم، لصنع دعاية براقة في العلن، وفي الخفاء تمتد الأذرع الأمنية إلى منازل المواطنين، وربما الأجانب، فتعتقل البعض أو تختطفه وتخفيه قسريًا، وسراديب الأمن والسجون سيئة السمعة، هي المصير بلا تفرقة.

أشكال التنكيل بالمعارضين والنشطاء الحقوقيين في الإمارات متعددة، ووفقًا لتقارير حقوقية فإن من أبرزها الإخفاء القسري والتعذيب

في الإمارات نظام حكم مخادع، يردد شعارات الحكم الرشيد إذا ما كان السياق التدليل على كم أنها دولة مُغرّبة. بل لا يتورع عن التغني بـ"العلمانية" وغيرها من الاستخدامات الدعائية لاصطلاحات سياسية عدة. لكن واقع الأمر هو الحكم بالحديد والنار، وإذا ما استلزم الأمر، فسيصرح أحد رجال النظام بأنّ "حرية الصحافة والتعبير ليست لنا"!

اقرأ/ي أيضًا: الإمارات تتصدر العالم في الاعتقالات السياسية.. والحجة "مكافحة الإرهاب"!

أشكال التنكيل بالمعارضين والنشطاء الحقوقيين والسياسيين وذويهم بمن فيهم النساء والقُصّر، متعددة في دولة الإمارات، ووفقًا لتقارير حقوقية يعدّ من أبرزها الإخفاء القسري، وكذلك التعذيب داخل السجون والمعتقلات. وقد أصدرت عديد المنظمات الحقوقية المستقلة والأممية، تقارير حول تدهور الوضع الحقوقي في الإمارات، والذي يتجه نحو الانحدار بوتيرة سريعة منذ تقديم نشطاء وحقوقين وسياسيين عريضة الإصلاح التي حملت عددًا من مطالب التغيير، للقصر الحاكم، في 2012. وعلى إثر هذه الحملة، انطلقت حملة اعتقالات للموقعين على العريضة ومن حولهم، فيما عرف بقضية الإمارات 94. ومذ ذاك الحين، أصبح الجميع في الإمارات عرضة للانتهاكات، بلا تفرقة بين رجل أو امرأة، مواطن أو أجنبي، فقد تعرضت نساء للإخفاء القسري لشهور، قبل ظهورهن أمام محاكم القضاء المُسيّس ويُحكم عليهن بالسجن سنوات، بقوانين مُعابة. 

الإخفاء القسري في السعودية

التنكيل بالقانون والقضاء

في كانون الثاني/يناير من العام الجاري، أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، عن "قلقها" من الوضع الحقوقي في الإمارات، وعلى وجه الخصوص قمع حرية التعبير، وتعذيب السجناء. واستنكرت المفوضية توقيف الأشخاص خارج الإطار القانوني وإخفائهم قسريًا، ونقلهم إلى سجون سرية، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. 

وأشار التقرير إلى تكرار حالات الإيقاف والاعتقال التعسفي دون إصدار أمر قضائي، وغالبًا ما تتعلق تلك الحالات بـ"جرائم أمن الدولة". ويؤكد التقرير أن كثيرًا من هؤلاء قد تعرضوا للتعذيب، وأن من بينهم نساء وقُصّرًا. كما انتقد التقرير محاكم الإمارات، واصفةً إياها بالبعيدة عن الاستقلالية.

انتقاد القضاء لم يكن الأول، ففي عام 2015، وفي تقرير سابق للأمم المتحدة أعدته المقرّرة الأممية غابرييلا نول، حول ضمانات استقلال القضاء،تضمّن انتقادات لدولة الإمارات لعدم توافر استقلالية حقيقية للسلطة القضائية دستوريًا وعمليًا. وأشار التقرير إلى أن الدستور الإماراتي لا يعترف بمبدأ الفصل بين السلطات، وهو ما يفقد الاستقلالية القضائية الاستناد الدستوري. وفنيًا، انتقد التقرير الخلط بين القضاء المحلي والاتحادي، الذي يؤدي لتعسف في تطبيق القانون. ووفقًا لمركز الإمارات للدراسات والإعلام، فقد عبّر التقرير عن قلق المنظمة من الضغوط التي تمارسها السلطات التنفيذية، والنيابة العامة، وجهاز أمن الدولة، على القضاة.وقد منعت معدة التقرير، المقررة الأممية، غابرييلا نول، من زيارة أيّ من السجون ومقار الاحتجاز التي طلبت معاينتها. 

ومن جملة الانتقادات للسجل الحقوقي بدولة الإمارات، انتقدت الأمم المتحدة التهم المتعلقة بـ"جرائم مكافحة الإرهاب"، والتي من خلالها تقنن الدولة انتهاكاتها وتنفيذ عقوبات صارمة تصل للإعدام. ووفقًا لتقرير لهيومن رايتس ووتش صادر عام 2017، فإن أيّا من سكان الإمارات مواطنين أو أجانب، إذا عرف أن أحدهم تحدث إلى منظمات حقوقية دولية، فإنه يتعرض للاعتقال التعسفي. وتحت دعاوى مكافحة الإرهاب، تنتهج السلطات الإماراتية ارتكاب جريمة الإخفاء القسري. وفي تصريحات سابقة، قال جو ستورك نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، إنه "يتعين على سلطات الإمارات التوقف عن استخدام الإخفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لمضايقة منتقديها وتخويفهم. وعلى سلطات الإمارات الكشف فورًا عن مكان أي شخص تحتجزه".

 واتهم المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان في آب/أغسطس الماضي -منظمة حقوقية مقرها جنيف- جهاز أمن الدولة الإماراتي، بتعمد مداهمة منازل البعض دون الحصول على إذن قضائي واقتيادهم معصوبي الأعين إلى مقار احتجاز سريّة، والتكتم على احتجازهم، وهذه تحديدًا الممارسات التي تُسمى بـ"الإخفاء القسري". وقد أشار بيان المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان، بعنوان "أوقفوا الاختفاء القسري في الإمارات"، إلى أن الإخفاء القسري في الإمارات يزيد من مخاطر تعرض المختفين للتعذيب. 

وبحسب بيان صادر عام 2013 عن ثلاث منظمات دولية هي منظمة العفو الدولية ومنظمة الكرامة وهيومن رايتس ووتش، فإن التعذيب في السجون الإماراتية "يعد أمرًا شائعًا"، مُؤكدًا أن التعذيب يمارس بشكل ممنهج. وقد طالبت المنظمات الثلاث، السلطات الإماراتية بالتحقيق في شهادات معتقلين تعرضوا للتعذيب، لكن الحكومة الإماراتية تجاهلت المطلب وغيره من المطالب الخاصة بالوضعية الحقوقية في البلاد. 

الإخفاء والاعتقال القسري

من أبرز الأسماء التي تعرضت للإخفاء القسري في الإمارات، الأكاديمي الإماراتي ناصر بن غيث، الذي اختطف في آب/أغسطس 2015، وظل مختفيًا لمدة تصل لنحو تسعة أشهر، وانتهى الأمر بظهوره في المحكمة، التي أكد أمامها تعرضه للتعذيب، والتي قضت في 2017 بسجن ناصر بن غيث 10 سنوات، بسبب انتقادات كتبها على تويتر للسلطات المصرية والإماراتية. 

النساء في الإمارات مستهدفات بالانتهاكات هن أيضًا، وأصبح تعرضهن للإخفاء والاعتقال القسري ظاهرة وليس مجرد حالات فردية

وهناك أيضًا محمد الركن المحامي الحقوقي الإماراتي المشارك في عريضة الإصلاح، ففي تموز/يوليو 2012، اختطف محمد الركن وظل قيد الإخفاء القسري نحو ثمانية أشهر. وتعرض محمد الركن لسوء المعاملة التي ترقى للتعذيب. ثم حكم عليه بالسجن 10 سنوات، ووضعه تحت المراقبة لثلاث سنوات إضافية، وتجريده من رخصة ممارسة المحاماة. وفي 2017، نال محمد الركن جائزة "لودوفيك تراريو" لحقوق الإنسان.

اقرأ/ي أيضًا: حكومة أبوظبي لقهر النساء.. قصة علياء عبدالنور وأخريات

وممن تعرضوا للإخفاء القسري أيضًا، الناشط الحقوقي الإماراتي أحمد منصور، وهو من أبرز النشطاء في الإمارات. واعتقلته قوات الأمن في آذار/مارس الماضي، ورفضت السلطات إعلان اعتقاله في البداية. هذا بعد الفضيحة المدوية بالتنصت عليه وعلى اتصالاته وهواتف جملة واسعة من النشطاء الحقوقيين في البلاد.

وتحدثت تقارير حقوقية عن آخرين تعرضوا للإخفاء القسري في الإمارات، بينهم المدون صالح بن محمد بن صالح والذي حكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، لنشره تغريدات على حسابه الخاص، وذلك في شهر شباط /فبراير 2016. 

نساء الإمارات في دوامة الإخفاء القسري

النساء في الإمارات مستهدفات هن أيضًا من قبل الدولة وأجهزتها الأمنية، وتعرضت العديد منهن للإخفاء القسري، قبل أن يظهرن في المحاكم بعد شهور.

وقد تحوّل الإخفاء والاعتقال القسري في الإمارات للنساء، لظاهرة، وليست مجرد حالات فردية. ومن أبرز من تعرضن لذلك، ثلاث شقيقات، بنات الحقوقي الإماراتي خليفة السويدي. ففي منتصف شباط/فبراير 2015، استدعت السلطات الأمنية الشقيقات الثلاث، وعقب توجهن لمركز الشرطة انقطعت أخبارهن حتى أفرج عنهن بعد ثلاثة أشهر من الإخفاء القسري، في أيار/مايو من نفس العام، وكل جريمة الشقيقات الثلاثة التغريد على موقع تويتر رفضًا لاعتقال أخيهن. 

وفي كانون الثاني/يناير 2014  كانت الإمارات على موعد مع حادثة هي الأولى من نوعها في البلد الخليجي، حيث اختطفت أمام نقطة حدودية بين الإمارات وعُمان، السيدة عائشة الزعابي وطفلها الرضيع، واختفت دون إعلان لسبب أو مكان الاختفاء، لنحو خمسة أيام.

وعائشة هي زوجة محمد بن صقر الزعابي، وهو ناشط وصاحب موقف حقوقي رافض لاعتقالات قضية "الإمارات 94". وكان خارج الإمارات في تلك الفترة، وحاولت الدولة الضغط علي زوجها للعودة للإمارات وتسليم نفسه، وبفضل بعض الضغوط وحملة الرفض، استجابت الإمارات في النهاية، وأخلي سبيلها بعد خمسة أيام.

  

هنالك كذلك علياء عبد النور التي في تموز/يوليو 2015، اقتحمت قوة أمنية محل إقامتها، وقادتها لمكان مجهول لمدة أربعة أشهر دون السماح لها بالتواصل مع أسرتها. ثم قدمت للجهات القضائية، وحكم عليها بالسجن لنحو 10 سنوات بتهمة "تمويل الإرهاب والتعامل مع إرهابيين خارج البلاد". ولم تراع السلطات الإماراتية الحالة الصحية لعلياء عبد النور (40 عامًا)، فهي مصابة بمرض السرطان، وسبق أن سافرت إلى ألمانيا للعلاج عام 2008.

للأجانب نصيب!

لا يقتصر القمع والتعدي على الحقوق الإنسانية في الإمارات على مواطنيها فقط، فللأجانب نصيب من تنكيل دولة الإمارات، ولعل من أبرز تلك الحالات الصحفي الأردني المقيم في الإمارات تيسير النجار الذي اختطف في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2015، وظل مكان احتجازه غير معروف لعائلته حتى آذار/مارس 2016.

وحتى بعد الإعلان عن اعتقاله، ظل محتجزًا لنحو عام دون توجيه اتهام واضح إليه، ثم بعد ذلك اتهم بانتقاد موقف الإمارات المساند للحكومة المصرية في هدم الأنفاق بين رفح المصرية والفلسطينية، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في 2014.

ولم يسلم البريطاني ديفيد هاي -المدير الإداري السابق لنادي ليدز يونايتد الإنجليزي- من التعذيب في سجون الإمارات. وتوجه ديفيد هاي من بريطانيا لدبي في 2014، في رحلة يفترض بها أنها لمقابلة ملاك النادي الإماراتيين لحل مشاكل تجارية. لكنه عندما وصل اختطف وتعرض للتعذيب الذي قال إن من صنوفه الاغتصاب والصعق بالكهرباء، حتى أنه احتجز في المستشفى لسبعة أشهر بعد إطلاق سراحه، للعلاج.

ديفيد هاي، بريطاني تعرض للاختطاف والتعذيب في الإمارات
ديفيد هاي، بريطاني تعرض للاختطاف والتعذيب في الإمارات

وفقًا لهيومن رايتس ووتش انتقدت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة الحقوقيين، بمن فيهم المقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، ورئيس الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، الاحتجاز التعسفي لخمسة مواطنين ليبيين محتجزين منذ 2014.

وفي أيار/مايو 2016، برأت المحكمة الاتحادية العليا الرجال من صلتهم بجماعات مسلحة في ليبيا. وصدر تصريح من المقرر الخاص المعني بالتعذيب إنه تلقى معلومات موثوقة تفيد بتعرض الرجال الخمسة للتعذيب.

في الإمارات، لا فرق بين رجل وامرأة، أو مواطن وأجنبي، في التعرض للانتهاكات والتنكيل، فهي دولة يتساوى فيها الجميع في الظلم!

هناك كذلك مصعب عبد العزيز نجل أحمد عبد العزيز أحد مستشاري الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، والذي قيل إنه تعرض للإخفاء قسريًا 16 يومًا، قبل أن تسلمه أبوظبي للقاهرة. في انتهاك صريح للوائح الدولية التي تنص على جرم التسليم إن كان سيؤدي لانتهاكات بحق الشخص المعرض للتسليم. وقالت تقارير حقوقية إن مصعب عبد العزيز تعرض للتعذيب، وهو ما يتفق مع روايات العديد من المعتقلين في الإمارات منذ 2012.

وغير هؤلاء آخرون أجانب، تعرضوا للانتهاكات في دولة الإمارات، سواءً بالإخفاء القسري أو الاعتقال القسري، وما يترتب عليه في أغلب الحالات من تعذيب وانتهاكات جسدية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التجارة غطاء للتعذيب.. هكذا تمرر أبوظبي بعض جرائمها

ليست مجرد ناطحات سحاب لامعة.. إنها إمارات الظلام