الإبادة التي تُنسى تتكرر: نحو مقاومة مَحو الذاكرة
24 ديسمبر 2025
ليست الإبادة الجماعية حدثًا عابرًا يُختزل في لحظة القصف أو في عدد الضحايا الذين يسقطون، بل هو، في جوهره، مسار ممتد وبنية متكاملة تتجاوز الفعل المادي المباشر لتغدو نظامًا كاملًا من التنظيم، والإقصاء، والمحو. فالقصف لا يمثل البداية الحقيقية، كما أن توقفه لا يعني نهاية الجريمة. ما نطلق عليه اسم "الإبادة الجماعية" لا يتحقق دفعة واحدة، بل يتشكل عبر زمن طويل يبدأ بإعادة تعريف الإنسان، وينتهي بإعادة تعريف الجريمة ذاتها. إنها ليست واقعة تُطوى في أرشيف التاريخ، بل بنية مرنة قابلة لإعادة الإنتاج كلما نجح مُرتكبها في محو الضحية من الذاكرة الذاتية والعامة، أو في إعادة صياغة الحدث بلغة محايدة تُفرغها من معناها الأخلاقي والسياسي/التاريخي.
في هذا السياق، يمكن قراءة الإبادة التي حدثت بغزة بوصفها الشكل الأقصى لما تحدثت عنه حنّة آرنت حين ربطت العنف بالبنى الإدارية والأطر البيروقراطية التي تسمح بارتكاب الجرائم من دون شعور مباشر بالذنب. فالإبادة، لا تقوم فقط على القتل، بل على تحويل القتل إلى إجراء، وإلى ضرورة، وإلى فعل "طبيعي" في مسار الدولة أو الأمة. هنا، لا يعود العنف انفجارًا استثنائيًا، بل يصبح جزءًا من بنيوية النظام، وامتدادًا منطقيًا له.
ومن هذا المنظور، تلتقي الإبادة مع ما سماه فالتر بنيامين "العنف المؤسِّس"، أي ذلك العنف الذي لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يسعى إلى تأسيس نظام جديد للمعنى، يعيد ترتيب القيم، ويعيد كتابة التاريخ، ويحدد من يملك الحق في الوجود ومن يُدفع إلى الهامش أو إلى العدم. فالإبادة ليست قتل الأجساد فحسب، بل إعادة هندسة المجال الرمزي ذاته. وعندما يُعاد توصيف المجازر بوصفها "نزاعًا معقدًا" أو "حربًا دفاعية"، فإن العنف لا يتراجع، بل يغيّر شكله، من عنف مادي مباشر إلى عنف لغوي وأخلاقي، حيث تصبح اللغة، وفق منطق بيير بورديو، أداة سلطة قادرة على شرعنة ما لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيًا.
تلتقي الإبادة مع ما سماه فالتر بنيامين "العنف المؤسِّس"، أي ذلك العنف الذي لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يسعى إلى تأسيس نظام جديد للمعنى، يعيد ترتيب القيم، ويعيد كتابة التاريخ، ويحدد من يملك الحق في الوجود ومن يُدفع إلى الهامش أو إلى العدم
لفهم هذه العملية، لا بد من النظر إلى الإبادة كبنية متراكبة، أشبه بـ دمى "الماتريوشكا"، حيث يحتوي كل طور على ما يليه ويمهد له. تبدأ الإبادة، دائمًا، بعملية تصنيف لغوي ورمزي، تُعاد فيها هندسة المجتمع وفق ثنائية "نحن" و"هم"، أو "حيوانات بشرية" كما قال وزير الأمن الإسرائيلي حينذاك يوآف غالانت، أو أعداء الحضارة والإنسانية بوصف مُجرم الحرب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. هنا، تعمل ما وصفه ميشيل فوكو بـ"تقنيات التصنيف" التي تُحوّل الاختلاف السياسي أو الثقافي، أو حق مقاومة الاحتلال، إلى خطر وجودي. فلا يُقتل الآخر في هذه المرحلة، بل يُعاد تعريفه بوصفه تهديدًا، أو مرضًا، أو عنصرًا طفيليًا يجب التخلص منه من أجل سلامة الجسد القومي، كما في الحالة الصهيونية.
هذا ما التقطه زيغمونت باومان، في عمله التحليلي الدقيق حول "الحداثة والهولوكوست"، حين ربط الإبادة بالحداثة الإدارية، حيث يتحول الإنسان إلى مشكلة يجب حلها، لا إلى ذات أخلاقية لها حق أصيل في الحياة، ومقاومة الاحتلال. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبدأ الانزلاق من السياسة إلى الإبادة، لأن الآخر لم يعد يُرى كإنسان، بل كعائق أمام مشروع أكبر. هذا التحول هو ما يسمح بانتقال الإنسان إلى ما سماه جورجيو أغامبين "الحياة العارية"، أي الكائن، المُستباح/الحرام الذي يمكن قتله من دون أن يُعد قتله جريمة كاملة، لأنه وُضع خارج إطار الحماية القانونية والأخلاقية، إطار الاستثناء.
هنا، تتجلى المفارقة المركزية، فالإنكار لا يأتي بعد الجريمة، بل يولد معها. إنه ليس محاولة لاحقة لتبرير ما حدث، بل شرط مسبق لإمكان حدوثه، إذ يسمح للفاعل بالتخلي عن مسؤوليته الأخلاقية، ويمنح المجتمع المحيط به سردية مريحة تتيح له النوم بسلام. يصبح القتل ضرورة، والمحو فعلًا تأسيسيًا، والضحايا مجرد "خسائر جانبية" في مسار التاريخ.
وعلى المستوى القانوني، تتخذ الإبادة شكلًا أكثر برودة، لكنها لا تقل فتكًا. فشرط "النية" في المواثيق الدولية، الذي يُفترض أن يحمي العدالة، يتحول عمليًا إلى ثغرة منظمة تسمح للدول بالإفلات من المحاسبة. هذا الجمود القانوني ليس عرضيًا، بل يعكس انتقادا حادا حيال الليبرالية القانونية، حيث تتحول السيادة إلى سلطة تقرير الاستثناء، من يُعد إنسانًا كامل الحقوق، ومن يُدفع إلى المنطقة الرمادية التي لا تنطبق عليها الحماية القانونية الكاملة.
في هذا الفراغ، يقف المجتمع الدولي متفرجًا، متذرعًا بغياب "الدليل القاطع" أو "اكتمال الشروط القانونية"، بينما تُستكمل الإبادة على الأرض. ويصبح استخدام مصطلحات مخففة مثل "التطهير العراقي" أو "الاضطرابات الأهلية" فعلًا سياسيًا واعيًا، لا مجرد اختيار لغوي. فالتسمية هنا ليست وصفًا محايدًا، بل قرارًا سياديًا يحدد ما إذا كانت الجريمة تستوجب التدخل أم يمكن تركها تمضي حتى نهايتها.
ويتكامل هذا الانسحاب القانوني مع تواطؤ إعلامي متزايد، خصوصًا في عصر المنصات الرقمية. ففي زمن البث المباشر، لا تحدث الإبادة في الظلام، بل أمام أعين الجميع. غير أن هذا الانكشاف لا يؤدي بالضرورة إلى المحاسبة، بل كثيرًا ما ينتج أثرًا معاكسًا. هنا، يتجلى ما وصفته سوزان سونتاغ بـ"إرهاق التعاطف"، فالتكرار المفرط لصور العنف لا يوقظ الحس الأخلاقي، بل يميّته. تتحول الضحية إلى رقم، والجريمة إلى خبر عابر، ضمن دورة إعلامية سريعة. أو مثلا، في إطار ما سماه غي ديبور "مجتمع الاستعراض"، تصبح الحقيقة خاضعة لمنطق التداول بشكل أساسي، ومن ثم يأتي أو لا يأتي منطق العدالة.
على المستوى القانوني، تتخذ الإبادة شكلًا أكثر برودة، لكنها لا تقل فتكًا. فشرط "النية" في المواثيق الدولية، الذي يُفترض أن يحمي العدالة، يتحول عمليًا إلى ثغرة منظمة تسمح للدول بالإفلات من المحاسبة
غير أن الذروة الأكثر قسوة للإبادة لا تستهدف الجسد، بل الذاكرة. ما يُعرف أكاديميا بـ"الميموسيد" أو إبادة الذاكرة يمثل المرحلة التي يُراد فيها قتل الأثر والمعنى معًا. تدمير الأرشيفات، طمس المقابر، إعادة تسمية الأماكن، وكتابة تاريخ رسمي يُمجد المنتصر، كلها ممارسات تهدف إلى مصادرة الحق في التاريخ ذاته، فالعنف ضد الذاكرة لا يقل خطورة عن العنف الجسدي، لأنه يحرم الضحية من حقها في الشهادة.
في هذه اللحظة، لا يعود الضحية غائبًا عن الحياة فقط، بل عن الحقيقة أيضًا. ويُجبر الناجون على خوض معركة استنزاف معرفية لإثبات أنهم قُتلوا فعلًا، وأنهم يقاومون مُحتلًا فعلًا. هنا، تبلغ السادية السياسية ذروتها، حيث تكون الضحية مطالبة بإثبات فجيعتها أمام عالم يشكك في وجودها. وتتكامل هذه الآلية مع "سياسة الأرقام"، حيث يُختزل البشر إلى إحصائيات، ويُناقش ما إذا كان عدد القتلى قد بلغ العتبة المطلوبة للاعتراف بالإبادة. هذا الهوس العددي يفرغ المأساة من بعدها الإنساني، ويستبدل الوجه الإنساني، كما حذر إيمانويل ليفيناس، بمعادلة باردة لا ترى في الآخر سوى رقم.
وأيضًا، تستمر الإبادة عبر سيكولوجية التعود، حين يتحول العنف إلى روتين، وتُعاد كتابة المناهج التعليمية لتبرير الماضي أو محوه. إنها الهيمنة الثقافية، حيث يُفرض سرد المنتصر بوصفه الوعي الطبيعي للأجيال اللاحقة، وللتاريخ والمستقبل. هنا، لا يكون الإنكار كذبة عن الماضي فقط، بل وعدًا بتكرار الجريمة في المستقبل. لذا، مواجهة الإبادة لا تبدأ من المحاكم وحدها، بل من معركة الذاكرة. فالذاكرة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل فعل مقاومة سياسي. تفكيك الإبادة يمر عبر تفكيك لغتها، وقوانينها، وسردياتها الإعلامية، وحماية الشهادة بوصفها السد الأخير أمام المحو الشامل.
نهايةً، الإبادة ليست زلزالًا عابرًا، بل بنية تحتية تُبنى بالكلمات، وبالصمت، وبالاستثناء القانوني، قبل أن تُبنى بالرصاص والقصف والمتفجرات. والإنكار هو الوقود الذي يُبقي هذه البنية عاملة. كسر هذه الدائرة يبدأ بالاعتراف بأن الحياد تواطؤ، وأن تسمية الجريمة شرط لمنع تكرارها، فالذاكرة ليست مجرد واجب أخلاقي، بل شرط سياسي للحياة. وفي تثبيت الحقيقة وحده يمكن إنقاذ شعار "لن يتكرر أبدًا" من التحول إلى مرثية تُتلى فوق مقابر جديدة.