آلاف المعتصمين فى ميدان التحرير يوم الثامن من فبراير

1
الأيض أو الميتوبوليزم هي إحدى العمليات الحيوية داخل جسم الكائن الحي، وهي حركة مستمرة بين الهدم والبناء، هدم المواد الغذائية التي تم هضمها ثم تحويلها إلى أشكال الطاقة المختلفة عبر مجموعة من التفاعلات الكيميائية، كما يتم من خلالها بناء الخلايا والأنسجة ثم هدمها.

2
بحسب توماس هوبز فإن الإنسان الأول كان يعيش مرحلة من -الأنا- على قدر عالٍ من الانحلال وعدم الالتزام، وكان لابد إذًا من إنشاء "المجتمع" حتى يستطيع تخطي ذلك، ويختلف جون لوك مع رؤية هوبز للإنسان الأول واصفًا المرحلة التي سبقت العقد الاجتماعي بأنها كانت تسودها القوانين، وليست على هذا القدر من الانحلال، وأن اللجوء إلى العقد الاجتماعي لم يكن إلا على سبيل تطوير الحقوق والحريات، ويتفق مع ذلك جان جاك روسو في أن الحالة الأصلية للإنسان حظيت بقدر لا بأس به من القيم والأخلاق، كما يعزو الحاجة في نشأة المجتمع ومن ثم العقد الاجتماعي إلى التطور التقني والاقتصادي، أما فيما يتعلق بإنشاء الحكومة، فإنها ما كانت لتكون لولا ظهور الملكية الفردية.

كيف يمكن للحضارة التي ألهمت العالم بأهراماتها أن تبدع لهذا الحد في قلب هرم التقدم والهزء به؟

وإذ ذاك، فثمة رغبة غريزية تحكم ترقي الشعوب من مرحلة فوضوية إلى أخرى تمتاز بالتحضر، ونحو مصلحة تنظيم الجماعة بحيث تتخلى بإرادتها عن القلق الدائم الناجم عن ترقبها للأحداث التي ظلت باستمرار سابقة ومفاجئة لها، من دون الاستعداد لها وتوقعها.

ظهر العقد الاجتماعي كفكرة نتيجة لذلك كله، باعتباره الفلسفة التي بنت عليها الجماعة أسس تنظيم الحياة فيما بينها، وكشأن كل الأفكار، احتاجت فكرة العقد الاجتماعي إلى أن تسوى على مهل نتيجة لارتباطها وعدم انفصالها عن الجماعة، في عملية بناء لا تتوقف طالما الإنسان كذلك.

رسمت هذه الفكرة في طورها الأول المحددات الأولى لفكرة العقد الاجتماعي، قبل أن تستقر كما هي الآن، فأسندت له فكرة تنظيم حياة الجماعات بحيث تتماهى فى مفهوم أعمق كـ "شعب/سلطة" إلا أنها أجبرت فكرة العقد الاجتماعي على الإبقاء على التميز لصالح شيوخ القبيلة، مع إلزام هؤلاء -عرفًا- بالحديث باسم الجماعة ومن ثم تحمل تبعاتها ما أمكن ذلك، دون أن ترقى -كفكرة- إلى أهم أدوار العقد الاجتماعي، وهو نشوء الدولة والسلطة نتيجة اتفاق هذه الجماعة بقصد تيسير حياتها والتصرف باسمها في فض النزاعات بينهم أو في حمايتها من الأخطار في الداخل كانت أو في الخارج.

اقرأ/ي أيضًا: الفريضة الغائبة في الثورة المصرية

وإذا احتضنت الجغرافيا شعبًا ما، فإذن لم ينقصه سوى مجموعة من الأسس التي ينبغي أن تحظى بقدر كافٍ من الاتفاق عليها، ليشكل بها نظامًا سياسيًا، ونكون أمام دولة بالمعنى الحديث -ليس جدًا- ومن ثم تدخل الدولة وفق هذا المفهوم في طور أرقى يكون بمقتضاه العقد الاجتماعي في صورة وثيقة مكتوبة يمكن الرجوع إليها، تضمن للشعب الحق في تكليف السلطة بإدارة شؤونه بالطريقة التي يراها، وطريقة اختياره لهذه السلطة وأدوارها وكيفية مراجعتها، كما توضح على وجه التحديد الحدود التي يتم فيها اللجوء إلى العنف وتعتبر هذه الوثيقة هي الإطار العام الذي تنضوي داخله السلطة والشعب في ترتيب يجعل من السلطة القاعدة التي يقف عليها الشعب دائمًا وأبدًا وإلا نكون أمام هرم مقلوب، بيد أن افتراض الهرم المقلوب قد يصبح رفاهية إذا ما تغولت السلطة على الشعب خارج حدود ومحددات وثيقة العقد الاجتماعي.

إزاء دولة الضباط نحن أمام مفهوم اتخذ من الاوليجاركية قاعدة له

3
كيف يمكن للحضارة التي ألهمت العالم بأهراماتها أن تبدع لهذا الحد في قلب هرم التقدم والهزء به؟ في الانقلاب على دستور 1923 أول وثيقة عقد اجتماعي مكتوبة عرفتها الدولة في قرنها الأخير، بداية لتغول السلطة وافتياتها على الترتيب الهرمي الذي يجعلها تجيء تحت إرادة الشعب في سلم التطور، كما أن الاتكاء على ما أنجزته حركة الضباط في انقلابها على النظام الملكي في يوليو 52 والاكتفاء بها كمظلة لكل خروج عن أطر العقد الاجتماعي دون تقديم بديل متماسك يمكنه إقناعنا بأن الهرم باقٍ على هيئته وأن بوصلته لا تزال في اتجاهها الصحيح، يعتبر نوعًا من الاستهزاء لا بالشعب وحده بل بالدولة نفسها كمفهوم، فإذا كانت الحرية هي الراية التي رفرفت فوق حركة الضباط الأحرار وبررت بحد زعمهم للانقلاب على الدستور كخطوة لازمة في طريق التخلص من الملكية، فإن البوصلة التي تمسك بها دولة الضباط منذ ذلك الوقت هي بوصلة موجهة، تعمل في اتجاه واحد لا سبيل إلى تغيره.

وإزاء دولة الضباط نحن أمام مفهوم خاص للدولة، لا باعتبارها نتيجة لحركة التطور التي بدأت بفكرة العقد الاجتماعي ثم الدولة الحديثة كمنظومة عمل سياسية واقتصادية نتيجة لذلك، بل مفهوم اتخذ من الاوليجاركية قاعدة له، مفهوم لم يكتفِ بعدم التقيد بتراتبية السلطة داخل هرم التطور كرافعة للشعب والجماعة نحو الأرقى، بل مفهوم لم يجد لزومًا للبناء الهرمي من الأساس لذا كان طبيعيًا أن تنتج نظامًا دكتاتوريًا وتوتاليتاريًا وفاشيًا وخليطًا من ذلك كله. باختصار فإن الانقلاب على الإطار الهرمي كان انقلابًا على الإطار بشكل عام، فكل شيء في وضعه الأفقي متاح وغير لازم في آن.

إذا كان الشعب قد تمرد أخيرًا على تهميشه وثار ضد أحد مظاهر -برافانات- نظام يوليو إلا أنه لم يكن بالوعي الذي يجعله يدرك أهمية عملية الأيض في بناء جسمه الاجتماعي

اقرأ/ي أيضًا: عن سيادة القانون في مصر

4
عندما تنتج الشعوب السلطة، فذلك لأنها تحتاج إلى وكيل ينوب عنها في إدارة مقدراتها، وبلورة رؤاها عن مشاكلها الآنية وعن المستقبل إلى سياسات كخطوة نحو تنفيذها، وفي حالة إخلال السلطة بمهامها الموكلة إليها تكون الحرية للشعب في تقويمها أو استبدالها أو معاقبتها إذا لزم الأمر، ويكون ذلك ترجمة للعقد الاجتماعي، لكن إذا كنا إزاء حالة تغول للسلطة انتفت معها فكرة الوكالة من أساسها، فهل التمسك بالعقد الاجتماعي لازم بعد أن وضعته السلطة تحت أقدامها؟ عندما تغلق السلطة القنوات الشرعية أمام الشعب فإنها تعطي الضوء الأخضر للثورة، وبغض النظر عن حدوث الثورة من عدمه، فإن الحديث عن إصلاحات لتجنب الحدث الثوري هو تحصيل حاصل، ومن ثم فإننا أمام قرار بعدم صلاحية العقد الاجتماعي للتعبير عن إرادة الشعب، ويكون على الشعب إذًا، إعادة اللحظة الأولى مرة أخرى لبناء عقده الجديد واختيار سلطته التي تناسبه، الثورات إذا هي ديالكتيك الشعوب والسلطة، وهي قوام عملية الأيض في حالة تقاعس السلطة عن القيام بدور الرافعة أو افتياتها على الشعب كمصدر للقوة المحركة له.

وكما قدمت، فإن السلطة المستمرة منذ حركة الضباط الأحرار لم تقدم صيغة تضمن أحقية الشعب في تقرير مصيره بعد انقلابها على عقد 1923، وهي من اختارت طريقة البناء الجديدة للعقد الاجتماعي، فأعطت الضوء الأخضر أمام الشعوب للتحرك ضدها بعد أن سدت أمامه كل القنوات المشروعة للترقي الآمن، وفي ثورات الربيع العربي قودت الشعوب أركان النظام العسكري المستبد الذي بدا متغطرسًا على الشعب في أول الأمر، بعد أن ادعى تحريره ثم عمل على تفريغ مكون الدولة، بعد أن أعاد التميز الطبقي وقام باستبدال اجتماعيات الباشاوات الملكية بامتياز الرتبة العسكرية، وجعل الهوة بين الطبقتين "البرجوازية\البروليتارية" تتسع حتى ابتلعت الطبقة الوسطى تمامًا ليختل ميزان الدولة الاجتماعي ويصبح قسمة بين أقلية تكتنز وتهيمن وتسيطر على كل المقدرات تقريبًا فيما تستقر أكثرية ساحقة تحت حد الكفاف.

اقرأ/ي أيضًا: مذكرات عسكري غلبان 2: تعبئة عامة

ولكن وعلى الرغم من أن الثورة جاءت عازمة على العودة داخل الإطار العام ومصممة على إخضاع الجميع سلطة/شعب لضرورة الاحتكام إلى وثيقة جديدة، تعبر عن إرادة الشعب وتعمل على صيانة حقوقه واحترامها، ولكن ولأسباب ترجع إلى حالة التجريف التي تسببت فيها حركة الضباط الأحرار الحاكمة حتى استطاعت أن تفقد الشعب نفسه القدرة على استيعاب أهمية لحظته الفارقة، وإذا كان الشعب قد تمرد أخيرًا على تهميشه وثار ضد أحد مظاهر -برافانات- نظام يوليو إلا أنه لم يكن بالوعي الذي يجعله يدرك أهمية عملية الأيض في بناء جسمه الاجتماعي، وإذا كان عدم إدراك الشعب هو السبب في تراجع ثورته خطوة وربما خطوات إلى الوراء فهل استفاد نظام يوليو من هذا الخطأ؟

إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نظام يوليو هو الحاكم حتى الآن فيمكننا أن نجيب بنعم، لكننا إذا تأملناه قليلًا لوجدناه يعود مرة أخرى إلى ما قبل ثورة يناير 2011، ويتوجب هنا التساؤل مرة أخرى هل نحن أمام لحظة تجلٍّ ثوري مشابهة ليناير، قد تكون الإجابة السريعة بنعم أيضًا إذا نظرنا إلى السلطة وهي تضرب العقد الاجتماعي عرض الحائط، لكن الثورات لا يمكن التنبؤ بها وهذه النتيجة قاطعة، لكن الأهم من ذلك كله هو توقف عملية الأيض تمامًا عند مرحلة الهدم دون تجاوزها ولو في أي اتجاه، فلا الشعب استطاع استثمار القوة الهائلة للثورة في الالتفاف حول وثيقة اجتماعية ملزمة بلا أسقف من أي نوع، ولا نظام يوليو استثمر تراجع الإدراك الشعبي وخفوت المحرك الثوري لديه -الشعب- في خلق صيغة جديدة على قدر من التوازن لاستيعاب -على الأقل- المطالب الرئيسية للثوار وامتصاص قوتهم، في النهاية نحن أمام توازن ضعف، وحالة هدم ليس في المقدور تجاوزها مع نظام يختبئ تحت صوت سجانه وثورة تلتقط أنفاسها بالكاد.

اقرأ/ي أيضًا:

30 يونيو.. فشل الإخوان وغضب الشعب واستغلال العسكر

مصر.. وقائع عبثية لنهايات كارثية