الأوسكار مرآة هوليود: متعددة الزوايا والحسابات
23 يناير 2026
لم يُطرح الأوسكار يومًا كمعادلٍ موضوعيّ لمهرجاناتٍ مثل كان، برلين أو فينيسيا، كونه منذ نشأته لم يُبنَ على فكرة الفضاء السينمائي الداعي إلى الاكتشافات الجمالية والمغامرات الفنيّة، بل قام منذ البداية على فكرة "الجائزة" التي تنحو صوب اعتراف مهني تمنحه الصناعة لنفسها.
فالأوسكار، في جوهره، جائزةٌ توزّعها أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، وهي مؤسسةٌ مهنية وُلدت من رحم الاستوديوهات الكبرى، لا من رحم الفنّ والذائقة الخالصين. تعود جذور هذه المؤسسة إلى عام 1927، حين بادر لويس بي. ماير، أحد كبار صنّاع هوليوود ومؤسسي شركة "MGM"، إلى تأسيس الأكاديمية لتكون مظلّةً تجمع فروع العمل السينمائي وتُحكم العلاقة بين الاستوديوهات والعاملين ضمن منظومة الإنتاج الكبرى. وبعد عامين فقط من إنشاء الأكاديمية، أُقيم أول حفل للأوسكار في السادس عشر من أيار/مايو عام 1929 لتكريم أفلام موسم 1927–1928.
مهرجانات للأفلام، وأخرى للصناعة
بينما تقوم المهرجانات السينمائية الصغرى والكبرى على لجان تحكيم محدودة العدد ومتغيّرة التكوين، تملك نزوعًا إلى مكافأة المختلف والمفاجئ، يقوم الأوسكار على تصويتٍ واسع داخل بنية مهنية مترامية الأطراف. تجعل هذه البنية القرار والمكافأة والربح والخسارة محكومًا بتوازنات الذوق العام، واعتبارات السوق، وصورة المؤسسة وما تريد من تكريسه أو نفيه. لذلك تُقرأ ترشيحات الأوسكار تاريخيًا بوصفها المرآة الأصدق لهوليوود.
بالرغم من محاولاته، لم يستطع الأوسكار النأي بنفسه عن عواصف السياسة. منذ تحوّله إلى الحدث التلفزيوني الأكثر حضورًا وتغطية في العالم
في هذا السياق، تأتي جاذبية الأوسكار من الهيمنة الإعلامية الهائلة التي ترافق الموسم برمّته. يتحوّل الاحتفال السنوي إلى حدثٍ كوني تصنعه الحملات واللوبيات التي تعمل "مع" الأفلام و"ضدّها"، لا الأعمال وحدها. تصنعه أيضًا الاتجاهات التي تمثلها تلك الأفلام والخطوط المولّدة التي تدفع الصناعة نحو مسارات توحي بقيمةٍ ما، ليست بالضرورة قيمة رمزية متراكمة تاريخيًا. قد تكون قيمة سوقية مرتبطة بالمال وبمفهوم “البزنس” سيء السمعة. فالأوسكار يحمل ختمًا ثقافيًا متوّجًا، وهذا حقيقي ومفروغ منه، ويحمل أيضًا جيوبًا داخلية ممتلئة بالدولارات وحسابات القيمة المغايرة. يشير إلى الفيلم عالميًا ويمنحه "حقّ البقاء".
الأوسكار وبحر السياسة المتلاطم
بالرغم من محاولاته، لم يستطع الأوسكار النأي بنفسه عن عواصف السياسة. منذ تحوّله إلى الحدث التلفزيوني الأكثر حضورًا وتغطية في العالم، لم تستطع السياسة إلا أن تتسرّب إليه، مهما حاول التهرّب وإدارة ظهره لما يجري في ساحات الكون من خراب.
حين فاز مارلون براندو بأوسكار أفضل ممثل عن "العرّاب"، لم يصعد لتسلّم الجائزة. أرسل بدلًا منه الناشطة من السكان الأصليين ساشين ليتلفيذر لترفض التتويج علنًا، احتجاجًا على الطريقة التي صوّرت بها هوليوود الأميركيين الأصليين.
في عام 1978، ألقت فانيسا ريدغريف خطاب قبولها أوسكار أفضل ممثلة مساعدة عن فيلم "جوليا". في الخلفية كان فيلمها الوثائقي "الفلسطيني" حديث الصحافة والاحتجاجات. أصبح خطابها عن فلسطين صدعًا في ما يُسمّى "الحياد الأميركي" المفترض، حيث تداخل التصفيق في القاعة مع الاستهجان من بعض الحضور الداعمين لإسرائيل. تحوّلت لحظة التكريم إلى نزاع حول من يملك الأحقية في الحكاية، والأحقية في أن يسمّي الظلم والظالم باسمِه.
أمام حرب العراق، لم تنجُ القاعة من ذات الانقسام. في عام 2003، اعتلى مايكل مور المنصة بعد فوزه بالأوسكار عن "بولينغ فور كولومباين"، ولم يكتفِ بخطاب شكر، بل وجّه هجومًا مباشرًا على الرئيس جورج بوش والحرب التي كانت قد بدأت لتوّها.
صوت لهند رجب ولأصوات ثانية
لا يمكن لترشيح "صوت هند رجب" للأوسكار أن يُقرأ إلا من بوابة السياسة. يراهن الفيلم على مقاربة شبه توثيقية تُحسن إدارة الزمن والانتظار، حيث تُقيم سرديته كاملة على الوثيقة.
دلالة الترشيح تتجاوز الفيلم، لأن الأوسكار ليس منصة محايدة فلسطينيًا. مجرد قبول عمل عن غزة ضمن هذا السقف العالمي الواسع يعني إدخال مادة شديدة الحساسية إلى مركز اعتاد أن يُصفّي السياسة عبر صيغ معدّلة جينيًا، محفوفة بالزوايا، طيعة ولينة.
قد يُدخل الترشيح سؤالًا سياسيًا عبر مأساة فردية موثّقة، تُروى ببرود فني وانضباط إنساني، ما يجعل الفيلم ليس مجرد عمل سينمائي، بل منصة للنقاش حول الحقيقة والعدالة في سياق عالمي حساس.
لا يمكن لترشيح "صوت هند رجب" للأوسكار أن يُقرأ إلا من بوابة السياسة. يراهن الفيلم على مقاربة شبه توثيقية تُحسن إدارة الزمن والانتظار، حيث تُقيم سرديته كاملة على الوثيقة
الأوسكار وأفلام العام
تميّزت دورة الأوسكار هذا العام بأنها بدت، أكثر من غيرها، مرآة لصناعة تسعى لجمع كل شيء دفعة واحدة: المتعة، العظمة، الهيبة، التقنية، والحضور العالمي. في قلب الموسم، تصدّر فيلم "Sinners" الترشيحات بعدد قياسي بلغ ستة عشر ترشيحًا، في إشارة واضحة إلى أن الأكاديمية باتت أكثر استعدادًا لتكريم أفلام "الجانرا" حين تُنجَز بحرفية عالية. كما جاء "One Battle After Another" في مركز منافسة ثقيلة، بترشيحات عديدة جعلت السباق مع فيلم "الخطأة" يبدو ثنائيًا تقريبًا.
إلى جانب ذلك، شهدت الدورة حدثًا مؤسسيًا لافتًا بإضافة فئة جديدة لأول مرة هي "Best Casting"، وهو اعتراف رسمي بأن اختيار الممثلين يشكّل عنصرًا حاسمًا في نجاح الفيلم ومعناه. أما لائحة أفضل فيلم فجاءت مختلطة، هجينة حتى، إذ ترشحت أعمال كبيرة شعبية إلى جانب أفلام أدبية وتاريخية، بالإضافة إلى أفلام "عالمية" صُنعت بفنيات عالية ونالت سابقًا حظوظها في مهرجانات أخرى. تحاول الأكاديمية، كعادتها، مصالحة السوق مع الفن، ومنح أسئلة "العالم" الجمالية والسياسية مساحة داخل اهتماماتها.
كما زاد الجدل لأن الترشيحات حملت ما يسميه النقاد " Snubs " أي "الاستبعادات"، لأسماء وأفلام كان متوقعًا لها أن تُرشّح، مثل " Wicked: For Good "، وتجاهل بعض الممثلين الذين تداولت توقعات الموسم أسماءهم طويلًا مثل بول ميسكال (Paul Mescal)، بالإضافة إلى استبعادات لافتة في فئات رئيسية كالإخراج والتمثيل لأعمال كانت تبدو "مضمونة" ضمن قوائم الترشيحات.
في النهاية، لم ولن تُختصر ترشيحات الأوسكار بين أفلام رابحة وأخرى خاسرة، كونها، وفي جوهرها، إعلان سنوي عن شكل العالم الذي تقبله هوليوود، بل وتسمح له بالظهور داخل منظومتها، ضمن مطاحن ومكانيكية الصناعة ككل. لهذا، تراقب الأكاديمية وتقيم وتقرأ، وتسكب الترشيحات ذات الحمولة السياسية في خزان أرشيفي، كما لو أنها حبر الخرائط السرية، الذي سيصبح جزءًا من قراءة أوسع، باعتباره قراءة صناعة تريد أن تبدو كونية دون أن تتخلى عن قواعدها الأميركية الصارمة. نحن نعي أن الأوسكار سيظل احتفالًا بالسينما، لكنه امتحان دائم أيضًا لحدودها.







