20-فبراير-2019

الأمير خالد الجزائري

لم تكن الصدمة موجعة عندما تلقيت الإجابة من المكتبي، سألته عن كتب مرجعية عن حياة الأمير خالد، فقد أجابني أنه ليس في المكتبة كتب عن السعودية وأمرائها. إجابة جاءت لتكشف جهل الكثير منا لشخصيات تاريخية جزائرية لعبت أدوارًا هامة في التاريخ القديم والحديث، ونادرًا ما نحصل على دراسات تتناول تلك الشخصيات أبعادها التاريخية والسياسية، أبحاث تعمل على تأسيس ذاكرة مجتمعية جماعية، ما عدا بعض المقالات الإعلامية أو البحوث الموجزة.

شهد العالم بعد الحرب العالمية الأولى تحولات على مستوى جغرافيا الحدود، وصعود التيارات الوطنية والحركات التحريرية والنشاط النقابي

شهد العالم بعد فترة الحرب العالمية الأولى تحولات على مستوى جغرافيا الحدود، وعرفت صعود التيارات الوطنية والحركات التحريرية والنشاط النقابي. الجزائر جزء من ذلك المحيط العالمي تحولات كثير عرفتها على مستوى البنية السكانية الاستيطانية ووضعية الأهالي وسكانيها.

اقرأ/ي أيضًا: سطوة السّيف على القلم في الجزائر

خلال الفترة الاحتفاليات المئوية للتواجد الفرنسي، شكّل صعود الكولون كمكون سياسي استيطاني واجتماعي جديد انعكست سيطرته على كامل المسؤوليات الإدارية والسياسية والاقتصادية، والمطالبة بالاستقلال المالي والنيابي عن الميتروبول الفرنسي، بعد مرحلة قبضة باريس في إدارة مستعمرة الجزائر.

في المقابل عرف المجتمع الجزائري تفككًا كليًّا في تركيبته المجتمعية القائمة على العشيرة والقبيلة والمؤسسات الدينية كالزوايا والمرابط، في سياق متصل شكل مصادرة الأراضي الفلاحية والزراعية وتفريغ وتهجير القرى والأرياف سبّب في تشتيت الروابط الأسرية وتفريق العائلات الجزائرية.

يضاف إلى هذا، حملة هجرة اليد العاملة الجزائرية إلى فرنسا، رغم معارضة الكولون معربة عن تخوفها من انعكاسات الهجرة على الاستقرار المالي والاقتصادي ونضج الوعي الحقوقي والتعليمي للأهالي.

بعد انكسار مسار حركات المقاومة والانتفاضات الشعبية، كان الوضع الذهني والنفسي للأهالي منهارًا وصعبًا، سادت الجزائر مشاهد الفقر والبؤس. المتسولون في كامل المعمورة، الأطفال حفاة عراة متشردون دون مأوى، وأمهات تائهات يتصارعن مع قطيع من الكلاب على قمامة من الزبالة أمام البنايات الأوروبية.

كانت حركة الشباب الجزائري أول حركة كتنظيم سياسي يتبنى المطالب الحقوقية التي تناضل على تحسين الظروف المعيشة. كان انضمام الأمير خالد الجزائري إلى هذا التنظيم إضافة نوعية، على مستوى الخطاب والنضال والرؤية المستقبلية، خلال محاضرة ألقاها الأمير خالد في مدينة تلمسان، يصفه مصالي الحاج: "شخصية معتبرة وعظيمة وهيبة زعيم عربي مهيب. كان يوحي بالثقة بالمستقبل لمجرد أن تراه أو تستمع إليه".

اتسمت شخصية الأمير خالد بمواصفات متعددة بين التكوين الديني بحكم انتمائه إلى الطريقة القادرية، والرصيد العائلي المقاوماتي الممتد إلى جده الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الحديثة، كان مشبعًا بروح المسؤولية والتماسك والاتزان ومزدوج الثقافة واللغة.

نشأ الأمير خالد وترعرع في دمشق 1875، وهو خريج المدرسة الحربية الفرنسية سان سير. أمضى 23 عامًا في الخدمة العسكرية وشارك في حرب المغرب الأقصى بين 1906 و1908، كما خاض الحرب العالمية الأولى ضد القوات الألمانية، ونال رتبة النقيب وألقابًا أخرى، رفض التجنيس مقابل الترقية العسكرية، عرف عنه خلال التجنيد العسكري المطالبة بالتساوي في الحقوق والواجبات مع الجنود الفرنسين، وتحريض جنود المسلمين على المطالبة بحقوقهم.

امتلك الأمير خالد روحًا جديدة في التعاطي مع الاستعمار، عبر نهجه درب الرجل السياسي العصري الذي يأخذ بشروط الموضوعية في دفع المسألة الوطنية نحو المخرج، في هذا السياق تقدم صهر الأمير عبد القادر برسالة إلى الرئيس الامريكي ولسون عرض عليه مسألة الأهلية ككيان يعاني الاحتلال والاستعمار، مستغلًا في ذلك النقاط الأربع عشرة حول السلام العالمي من طرف عصبة الأمم: "إننا نطالب بإرسال مندوبين عنا نقوم باختيارهم من أجل تقرير مصيرنا في المستقبل... يجب أن تأخذ كأرضية من أجل انعتاق الشعوب الصغيرة وتحررها دون تمييز في العرق ولا في الدين".

 استغل العمل السياسي السلمي عبر توليه مسؤوليات سياسية كمنصة لتقديم ودفاع عن المطالب والمقترحات منها:

  1. إلغاء النظام الاستثنائي والعمل بالقانون العام.
  2. إلغاء النظام الانديجان.
  3. التمثيل النيابي للأهالي المسلمين الجزائريين.
  4. اشتراك الأهالي في إدارة الشأن العام عبر التعاون، وليس صيغة الاندماج التي لا توفر أمكانيات تحقيقها.
  5. حقوق المواطنة مع الاحتفاظ بخصائص الشخصية والهوية الإسلامية والمقومات الدينية.
  6. ترقية حقوق العمالة الجزائرية.
  7. حقوق التجنيد مع باقي الجنود الفرنسيين.

شكّل خطاب الأمير خالد قفزة نوعية في استخدامه عناصر جديدة في المفردات والمصطلحات المطلبية والحقوقية، ترجمت صناعة وعي جديد لدى الجماهير المشتتة، دون قيادة تمثيلية، فكانت جريدة "الإقدام" منبرًا إعلاميًا لتناول مختلف الأحداث والمواضيع وطرح الانشغالات، صارت لسان حال كل المقهورين والمستضعفين من الطغيان الاستعماري.

كان النجم الذي سطع نوره في وسط الظلمات، التفت حوله كامل الفئات والأعمار، كانت خطاباته بحكم النشأة والتكوين بالعربية الفصحى، أو باللغة الفرنسية، لكن كلماته تجد طريق عذب إلى قلوب مستمعيه. لم يمثّل تكتلًا دينيًا أو جماعة فئوية برجوازية، لهذا تعلقت به الفئات المحرومة والمستضعفة والفقيرة، لم يشتغل على الحقل الديني كرجل إصلاحي بل كمثقف سياسي يستغل الأساليب النضالية والسياسية ويستخدم آلياتها في الدفاع عن المسألة الوطنية.

شكّل نجاح الأمير خالد سياسيًا تهديدًا للقوى الكولونيالية وحلفائها، شنت جريدة "إيكو إلجي" حملة تشويه وتلفيق واصفة إياه بالوطني الشعبوي الاستقلالي، وعدو الدولة الفرنسية وقيم الجمهورية، من جهته كان أعوان الإدارة الكولونيالية تنعته بالمتطرف والمتعصب وغير المتسامح.  

تعرض الأمير خالد إلى ضغوط إدارية ومالية، وتم تجريده من مناصبه السياسية وجميع حقوقه المدنية والمواطناتية وتقرر نفيه كأسلافه إلى مدينة الإسكندرية.

اتسمت شخصية الأمير خالد بمواصفات متعددة بين التكوين الديني بحكم انتمائه إلى الطريقة القادرية

كان قطار التحرر بدأ يأخذ سكته الصحيحة رغم بطء حركته. أصداء انتفاضة عبد الكريم الخطابي وثورة الريف سنة 1926، وحركة جيش كمال أتاتورك ضد القوات الأوروبية عام 1925 تشغل العام والخاص، يسلك القطار التحرر من بعده شخصيات وطنية أخرى مثل مصالي الحاج وفرحات عباس وابن باديس والعربي بن مهيدي وعبان رمضان.

اقرأ/ي أيضًا: صورة الجيش في المخيلة الجزائرية

خيبة مصير الأمير خالد هي خيبة كل سياسي في هذا الوطن مع سوء قدره التاريخي والسياسي. مجتهد في البحث عن صفوة ونخبة وقاعدة ترفع لواء الحرية والتقدم والنهضة، لكنه، للأسف، لم يملك لا قاعدة جهوية ولا عشائرية ولا قوة عسكرية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رجل الثّلج ينضمّ إلى المعارضة في الجزائر!

النهضة وسؤال الهوية