"الأمم المحترَمة" ونُخبها غير المحترَمة
17 مارس 2026
لم يكن مستغربًا أن يطلق رئيس الاتّحاد الأميركيّ المحافظ، مات شلاب، تعليقًا فجًّا على مقتل العشرات في قصف مدرسة للبنات في إيران، إذ اعتبر أنّ "الموت خير لهنّ من ارتداء البرقع". فتطبيع شلاب وأمثاله مع سفك الدّماء - سواء بلغ حدّ الإبادة أو جريمة الحرب أو الجريمة ضدّ الإنسانيّة - من جهة، وتجريد "الآخر" من إنسانيّته، من جهة أخرى، أصبحا السّمة الغالبة لدى شريحة معتبرة من النّخب الغربيّة.
ولعلّ حرب الإبادة الإسرائيليّة في قطاع غزّة - المستمرّة، بالمناسبة - تُوفّر لنا مدوّنة هائلة من السّقطات الأخلاقيّة الّتي لا تختلف عن الفظائع الّتي يرتكبها حامل السّلاح، وهو ما دفع بالمقرّرة الدّولية، فرناشيسكا ألبانيزي، الأسبوع الماضي، إلى إطلاق دعوة لمساعدتها على تجميع أكبر قدر ممكن من الموادّ الّتي تُدين وسائل إعلام في التّحريض على الفلسطينيّين ونشر خطاب العنف والكراهيّة، ناهيك عن استهداف الصّحفيّين في القطاع.
ويأتي موقف يورغن هابرماس من الحرب على غزّة مطابقًا لأمثلة المحتوى الّذي تسعى ألبانيزي إلى توثيقها. فالفيلسوف الألمانيّ الّذي رحل عن عالمنا، السّبت، لم يشأ إلّا أن يُخلّد اسمه، كمعظم المثقّفين الألمان، في سجلّ العار، إذ وقّع، في تشرين الثّاني/ نوفمبر 2023، مع زميله، رينر فوريست، وأستاذ العلوم السّياسيّة، نيكولا ديتلهوف، وآخرين على "مبادئ التّضامن"، وهو نصّ يقطر عُنصريّة وتفوّقا عرقيّا، شدّد فيه أصحابه على أنّ "هناك بعض المبادئ الّتي يجب ألّا تكون محلّ خلاف، وهي مبادئ تشكّل أساسًا لتضامن مُفَكَّرٍ فيه ومُتَعَقَّلٍ مع إسرائيل واليهود واليهوديّات في ألمانيا".
تطبيع شلاب وأمثاله مع سفك الدّماء - سواء بلغ حدّ الإبادة أو جريمة الحرب أو الجريمة ضدّ الإنسانيّة - من جهة، وتجريد "الآخر" من إنسانيّته، من جهة أخرى، أصبحا السّمة الغالبة لدى شريحة معتبرة من النّخب الغربيّة
وشكّلت هذه الجمل الرّكيكة مقدّمة لموقف واضح وصريح حمله بيان "مبادئ التّضامن"، إذ نقرأ: "لقد دُفعت إسرائيل إلى الانتقام بهجوم مضادّ"! واختزل الموقّعون على البيان، ومن بينهم هابرماس الّذي بنى مشروعه الفلسفيّ على فكرة العقل التّواصليّ والبحث عن العدالة عبر الحوار، طريقة الخوض في السّلوك السّياسيّ الإسرائيليّ والجرائم الّتي ارتكبها جيش الاحتلال في كونها مجرّد "وجهات نظر متعارضة" يجب ألّا تنسي أنّ "الرّوح الدّيمقراطيّة لجمهورية ألمانيا الاتّحاديّة، والّتي تقوم على أساس الاعتراف بالكرامة الإنسانيّة، ترتبط بثقافة سياسيّة تعتبر الحياة اليهوديّة وحقّ إسرائيل في الوجود عنصرين أساسييّن يستحقّان حماية خاصّة، مع استحضار الجرائم الجماعيّة الّتي ارتكبت سابقًا في الحقبة النّازيّة". هكذا، بكلّ بساطة واستخفاف!
خطاب شلاب عن الإيرانيّات وموقف هابرماس من الإبادة في غزّة، على بشاعتهما، يبعثان بوهم سبق الرّؤية. ولعلّ الفيلسوف والسيّاسيّ الفرنسيّ، جول فيري، أحد أبرز الشّخوص الّذين سمعناهم ونسمعهم وسنسمعهم، وقد نصّب نفسه – واستحقّ اللّقب بجدارة - مهندسًا لـ"الامبراطوريّة الاستعماريّة الفرنسيّة" وصنع لنفسه مجدًا خَطابيًّا، في مرحلة مفصليّة لا تزال ارتداداتها قائمة، سواء في سلوك معظم صنّاع القرار الغربيّين، أو في القدرة اللّافتة للنّخب الثٌقافيّة الغربيّة على تبرير ما لا يُمكن تبريره.
فيري الّذي تقلّد، نهاية القرن التّاسع عشر، مناصب هامّة في فرنسا، كرئاسة مجلس الشّيوخ والحكومة ووزارة الخارجيّة، كان مقتنعًا دون أدنى تأنيب ضمير بأنّ "الحكم دون الانخراط في شؤون العالم – ويقصد الاستعمار، بطبيعة الحال – هو بمثابة التّخلّي عن السّلطة، وفي وقت أقصر ممّا تتخيّل".
والعالم بالنّسبة لفيري يتكوّن من أعراق عليا متفوّقة على أخرى دنيا متخلّفة، والأمر محسوم لديه، إذ يقول إنّ "واجبنا تحضيرهم"، وهي العبارة الملطّفة لـ"استعمارهم".
ولعلّ المسألة حتميّة في جينات آل فيري، إذ ذكر الفيلسوف ووزير التّربية الفرنسيّ السّابق، لوك فيري، وهو ينتمي للعائلة الموسّعة – وإن بشكل غير مباشر - لجول أنّ القانون الدّوليّ يجب ألّا يطبّق سوى على "الدّول المحترمة"، في تعليقه على الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران، بل ويضيف أنّه "مع المارقين والمجرمين، فهو – أي القانون الدّوليّ - ليس مجرّد أمر مضحك، بل محض عبث".
ومن الصّعب أن يعترضك هذا التّصريح دون أن يعيد أمامك مشهد النّقاشات الّتي أثارها قصف فرنسا الوحشيّ لدمشق، إبّان الثّورة السّوريّة، قبل مائة عام. إذ لم تقتصر ردود الفعل على الاستهجان، سواء في المنطقة العربّية أو أمام عُصبة الأمم، بل امتدّت إلى شرعنة ما حصل، على دمويّته. ولعلّ أعنف ردود الفعل في هذا الصّدد ما كتبه الضّابط الأمريكيّ، الدريدج كولبي، في المجلّة الأمريكيّة للقانون الدّوليّ، سنة 1927: "من الجّيد مراعاة مبادئ القانون الدّوليّ. لكن، من المؤكّد أنّه في مواجهة الشّعوب غير المتحضّرة الّتي تجهل القانون الدّوليّ ولا تلتزم به، بل وتستغلّ من يلتزم به، لا بد من وجود حلّ آخر." ونصّ المقال عنيف، إلى درجة تجعلك تقتنع بأنّ كولبي قد تخلّص من كلّ قيود نفسيّة أو محاذير اجتماعيّة أو اعتبارات إنسانيّة تحول دون تصريحه بالمكبوت الكامن في صدره، إذ يقول، بكلّ أريحيّة، إنّه يسعى إلى مخرج "قانونيّ" يجعل "أيّ عمل لا إنسانيّ عملًا إنسانيّا".
وفي الوقت الّذي تُواصل فيه أصوات غربيّة - ومن بينها الأمينة العامّة لمنظّمة العفو الدّوليّة، أنييس كالامار - التّحذير من مخاطر انهيار المنظومة القانونيّة الدّوليّة، على هشاشتها وحدود فاعليّتها، تُطلّ علينا رئيسة المفوّضيّة الأوروبيّة، أورسولا فون دير لاين، لتقول إنّنا "سنظلّ دائمًا نُدافع عن النّظام القائم على القواعد الّذي ساعدنا في بنائه مع حلفائنا ونحافظ عليه، لكنّنا لم نعد نستطيع الاعتماد عليه باعتباره السّبيل الوحيد للدّفاع عن مصالحنا أو افتراض أنّ قواعده ستحمينا من التّهديدات المعقّدة الّتي نواجهها". ولم يفت فون دير لاين أن تشير إلى ضرورة أن يستعدّ الاتّحاد الأوروبّيّ "لإظهار قوّته بشكل أكثر حزمًا".
ومن نافلة القول إنّ أخطر أشكال العنف تبدأ، في معظم الأحيان، بكلمات مثل كلمات المسؤولة الأوروبيّة – غير المسؤولة - قبل أن يطغى أزيز الرّصاص.