ultracheck
  1. قول

الألمان يكرهون البطّيخ

18 مايو 2026
التضامن مع فلسطين
راية على شكل بطيخ في مظاهرة داعمة لفلسطين (Getty)
بسام بونني بسام بونني

لا يحتاج اللّوبيّ الصّهيونيّ لعناء كبير لاستدراج السّواد الأعظم من النّخب السّياسيّة والفكريّة والإعلاميّة في ألمانيا حتّى ينحاز لإسرائيل، إذ ثمّة استعداد فطريّ لدعم الكيان في جرائمه وسرديّاته  بشكل مطلق.

وهو ما دفع بأستاذ الثّقافة التّلموديّة الإسرائيليّ، دانييل بويارين، إلى التّحذير من توظيف "الذّنب الألمانيّ إزاء اليهود" لإضفاء شرعيّة على مساندة برلين اللّامشروطة لإسرائيل.

وقضيّة "الذّنب الألمانيّ إزاء اليهود" ورقة تلعبها إسرائيل بشكل مُتقن، من حيث الشّكل والمضمون والتّوقيت. فغداة السّابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، استغلّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، زيارة المستشار الألمانيّ، أولاف شولتز، ليقول له إنّ "شعبنا شهد، قبل ثمانين عامًا، أسوأ وحشيّة في تاريخ الإنسانيّة مع الجرائم النّازيّة ضدّ الشّعب اليهوديّ على أراضي ألمانيا وأوروبّا. (...) يجب أن أخبرك، يا صديقي، أنّ الوحشيّة الّتي شهدناها، والّتي ارتكبها قتلة حماس الخارجون من غزّة، كانت أسوأ الجرائم المرتكَبة ضدّ اليهود منذ المحرقة".

بيد أنّ نتنياهو وشولتز لا يجهلان أنّه لا علاقة بين النّازيّة وحماس من جهة، ولا بين ما عاناه اليهود في المحرقة والفلسطينيّين. إنّما هي سياسة القوّة – الإسرائيليّة - في أقذر تمظهراتها، وديبلوماسيّة الخضوع الألمانيّ لإسرائيل في أحقر أشكالها، ناهيك عن التّلاعب بالتّاريخ والكلمة كمقدّمة لإبادة مكتملة المعالم والعناصر جدّت – ولا تزال – في قطاع غزّة.

قضيّة "الذّنب الألمانيّ إزاء اليهود" ورقة تلعبها إسرائيل بشكل مُتقن، من حيث الشّكل والمضمون والتّوقيت

ومن المفارقات أنّ ديفيد بن غوريون، أوّل رئيس وزراء إسرائيليّ، أسرّ بذلك، في لقاء جمعه برئيس المؤتمر اليهوديّ العالميّ، ناحوم غولدمان، فأوضح: "لو كنت زعيمًا عربيًّا، لما عقدتُ أيّ اتّفاق مع إسرائيل أبدًا. وهذا أمر طبيعيّ: لقد افتككنا منهم بلادهم. لقد جئنا من إسرائيل، ولكن منذ ألفي عام، فماذا يعني ذلك بالنّسبة لهم؟ كانت هناك معاداة للسّاميّة والنّازيّون وهتلر وأوشفيتز. لكن، هل كان ذلك خطأهم؟ إنّهم لا يرون إلّا شيئًا واحدًا: لقد جئنا إلى هنا وسرقنا منهم بلادهم. لماذا عليهم أن يقبلوا بذلك؟"

لكنّ ألمانيا لا تكتفي بدعم إسرائيل بشكل يجعلها شريكًا أصليًّا في كلّ ما ترتكبه من جرائم في حقّ الفلسطينيّين، بل تُقدم، في كثير من الأحيان، على خطواتٍ لم تجل بخاطر أشدّ الأصوات الإسرائيليّة تطرّفًا. ففي عام 2019، أصبح البرلمان الألمانيّ أوّل مجلس تشريعيّ أوروبّيّ يُجرّم الحركات الدّاعية لمقاطعة إسرائيل بنصّ صيغ بشكلٍ مُناف للمنطق والتّاريخ، لما تضمّنه من مغالطات وتضليل. ونقرأ في سطور هذا القرار، على سبيل الذّكر لا الحصر: "تُذكّرنا ملصقات "لا تشتروا" الّتي تُطلقها حركة مقاطعة المنتجات الإسرائيليّة بالدّعوة النّازيّة "لا تشتروا من اليهود" وغيرها من الكتابات على الجدران وواجهات المتاجر".
ومع شنّ إسرائيل حملة الإبادة على غزّة، بدايةً من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، لم تتوان ألمانيا في الدّوس بأقدامها على كلّ الخطوط الأخلاقيّة الحمراء، فسارعت إلى تسليح جيش الاحتلال، حتّى أصبحت ثاني مُزوّد له بالعتاد الحربيّ بعد الولايات المتّحدة وأمعنت في التّنكيل بأيّ صوت فلسطينيّ أو داعم لفلسطين، بدءًا بمنع الجرّاح الفلسطينيّ البريطانيّ، غسّان أبو ستّة، من المشاركة في مؤتمر ببرلين، بل وإخضاعه لساعات من التّحقيقات قبل ترحيله إلى المملكة المتّحدة، إلى الضّغط على نادي ماينز ليفسخ عقد لاعبه الهولنديّ من أصل مغربيّ، أنور الغازي، على خلفيّة منشورات عبّر فيها عن تضامنه مع ضحايا حرب الإبادة الإسرائيليّة على غزّة.

وانتشرت تسجيلات لقمع قوّات الأمن الألمانيّ لعشرات التّظاهرات الدّاعمة للحقّ الفلسطينيّ، في أكثر المظاهر وحشيّة على سياسة ممنهجة لاحتواء مبدأ التّضامن. ونبّهت الكاتبة الألمانيّة الأمريكيّة من أصول يهوديّة، ديبورا فلدمان، منذ تشرين الثّاني/ نوفمبر 2023، في مقابلة مع صحيفة "زود دويتشه تسايتونج"، من خطورة الدّعم الألمانيّ غير المشروط لإسرائيل واعتبرته قمعًا للأصوات النّاقدة، بما في ذلك الأصوات اليهوديّة.

لكنّ معظم النّخب الألمانيّة مضت قُدما في سياستها العمياء، من ذلك حرمان الصّحفيّة والكاتبة الرّوسيّة الأميركيّة، ماشا جيسين، من جائزة "حنّة آرندت للتّفكير السّياسيّ" الّتي تُسندها مؤسّسة "هاينريش بل"، لكتابتها مقالًا في صحيفة "نيويوركر" قارنت فيه بين قطاع غزّة، قبيل السّابع من تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، وغيتوهات اليهود في الدّول الأوروبّيّة الخاضعة للسّلطات النّازيّة، إبّان الحرب العالميّة الثّانية. ونشرت الباحثة المتخصّصة في سيرة حنّة آرندت، سامانثا هيل، ردًّا على هذا القرار في صحيفة "الغارديان" البريطانيّة، ذكرت فيه أنّ آرندت نفسها ما كانت لتحصل على الجائزة الّتي تحمل اسمها، بسبب موقفها النّاقد لإسرائيل والصّهيونيّة.

وأوقفت معظم المنظّمات الألمانيّة تمويلها مشاريع قانونيّة وثقافيّة وسياسيّة واجتماعيّة في المنطقة العربيّة، على خلفيّة دعم قوى المجتمع المدنيّ لفلسطين، بل وشمل هذا القرار منظّمتي "ذاكرات" و"نيو بروفايل" الإسرائيليّتين، على خلفيّة عملهما من أجل وقف تسليح إسرائيل.

أمّا عن الإعلام، فحدّث ولا حرج. فقد تجاوز الألمان أكثر الصّحف الإسرائيليّة تشدّدًا في تجريد الفلسطينيّين من إنسانيّّتهم، وقد نحتاج إلى مُجلّدات للوقوف عند كلّ الحالات، من بينها، مقال صدر، الصّيف الماضي، صحيفة "دي تسايت" يُبرّر قتل العرب بل ويُحرّض عليه، جاء فيه بالخصوص: "ذهب إسرائيليّ إلى الطّبيب، وقال له: "دكتور، لقد أمضيتُ للتّوّ أربعين يومًا مع فرقتي العسكريّة في غزّة، وقد سئمتُ من إطلاق النّار على العرب. ماذا أفعل؟" أجاب الطّبيب: "بالطبع، يمكنك التّوقّف فورًا إن شئت، لكنّني لا أنصحك بذلك. حتّى بعد جلسات العلاج."

وبلغ الأمر بالصّفحة الرّسميّة الصّفحة الرّسميّة لقناة "دويتشه فيله"، وهي مؤسّسة إعلاميّة تُموّلها الدّولة عبر ميزانيّة مخصّصة من البرلمان الفيدراليّ، إلى النّقل عن رئيس ألمانيا، فرانك فالتر شتاينماير، قوله إنّ الهجمات الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران تُشكّل انتهاكًا للقانون الدّوليّ، قبل أن تستدرك: "الرّئيس في ألمانيا يضطلع بدور شرفيّ إلى حدّ كبير ولا يُمثّل موقف الحكومة". ولسان حالها يقول لشتاينماير: "إلّا إسرائيل".

ولئن أثبت العلم أنّ النّزول إلى القاع ينتهي في الظّروف العاديّة بالصّعود مُجدّدًا إلى السّطح، إلّا إنّ الألمان مُصرّون على الحفر. ففي تقرير صادرٍ بداية الشّهر الجاري، أحصى جهاز الاستخبارات الدّاخليّة عددًا من الرّموز "المعادية لإسرائيل والمُتداخلة أحيانًا مع معاداة السّاميّة"، من بينها حنظلة والبطّيخ وشعارا "من النّهر إلى البحر" و"إسرائيل قاتلة الأطفال". واللّافت أنّ التّقرير جاء تحت عنوان "التّطرّف العلمانيّ الدّاعم لفلسطين"، بل ويخلص إلى أنّ "التّضامن مع فلسطين أصبح مساحة تنسيق بين مجموعات يساريّة متطرّفة وإسلاميّين وناشطين قوميّين أتراك".

ولا أخال أنّ جهاز الاستخبارات الدّاخليّة يجهل بتراجع تاريخيّ لدعم الشّعب الألمانيّ لإسرائيل، إذ كشف استطلاع نشره معهد "يو غوف"، الصّيف الماضي، انخفاض نسبة التّأييد للكيان إلى 56 %، وهي أدنى نسبة منذ عام 2016. وأظهر استطلاع ثانٍ لمعهد "يوروتراك" أنّ أقلّ من 25 % فقط من الألمان يعتبرون استمرار الضّربات الإسرائيليّة في غزّة "مبرَّرة".

وبالرّغم من هذا الانقلاب الصّريح في المزاج الشّعبيّ الألمانيّ، من الواضح أنّ ألمانيا الرّسمية مُصرّة على الانزلاق أكثر نحو التّماهي مع السّياسات الإسرائيليّة التّي تجاوزت إبادة الفلسطينيّين في غزّة، لتمتدّ يدها إلى تطهير عرقيّ صارخ في الضّفّة الغربيّة.

لكن، وكما ذكر المؤرّخ الإسرئيليّ، إيلان بابيه، تبدو برلين وقد "ضلّت طريقها مُجدّدًا". فالعاصمة الّتي خرج منها شعار "أبدًا مرّةً أخرى" الشّهير، في إشارة إلى ضرورة الحيلولة دون إعادة محرقة اليهود، تقول لنا، يوميّا: "ستُعاد، وكلّ يوم"، طالما أنّ الأمر يتعلّق بالفلسطينيّين!

كلمات مفتاحية
الجيش السوري

الإدارة السورية الجديدة في مواجهة حزب الله: حدود الدور وحساباته

تتجاوز تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة دونالد ترامب حول إمكانية قيام الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، بدور في مواجهة حزب الله في لبنان حدود زلة سياسية أو تعليق عابر ارتبط بظرف ميداني مؤقت

مدينة الأبيض

عروس الرمال "الأُبَيِّض".. مسيرة مدينة سودانية مع الحروب

على الرغم من وداعتها وبساطتها، وهي تستلقي وسط تلالها الرملية التي زيّنتها عروسًا في بوادي كردفان منذ أمد طويل، إلا أن مدينة الأُبَيِّض عاشت عبر تاريخها قسوة الحرب والاقتتال والحصار أكثر من مرة

 زئيف جابوتنسكي

من "الجدار الحديدي" إلى "الجدار الدولي": تحولات العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية

هل تمثل هذه الحروب المتعددة خروجًا عن العقائد التقليدية الإسرائيلية أم أنها تعبير جديد عنها؟ مع تعدد جبهات المواجهة الإسرائيلية خلال السنة الأخيرة

بطاقة الدعم
مجتمع

مصر تعيد صياغة الدعم.. عدالة جديدة أم عبء إضافي؟

في خطوة تمس حياة ملايين المصريين اليومية، أعلنت الحكومة المصرية الاتجاه إلى الانتقال من نظام الدعم العيني إلى نظام الدعم النقدي

كأس العالم 2026
رياضة

كأس العالم والمؤثرون.. كيف تعيد السوشيال ميديا تشكيل التغطية الرياضية؟

إذا كان التلفزيون قد منح كأس العالم لعقود القدرة على الوصول إلى الجماهير، فإن المنصات الرقمية وصناع المحتوى يمنحونه اليوم شيئًا آخر لا يقل أهمية، وهو الانتباه

كأس العالم 2026
رياضة

أبناء المونديال.. ثلاثة لاعبين يحملون إرث آبائهم في كأس العالم 2026

ما يجعل قصص مصطفى شوبير وسباستيان برهالتر ولوكا زيدان مميزة هو أنها تجمع بين ثلاث قارات مختلفة وثلاث تجارب مختلفة

أشرف حكيمي
رياضة

كأس العالم 2026.. البطولة التي قد تحسم مكانة أشرف حكيمي بين عظماء أفريقيا

كأس العالم 2026 قد تكون البطولة التي تحدد بشكل نهائي مكانة أشرف حكيمي في سجل كرة القدم الأفريقية، فهو بالنسبة للكثيرين، لم يصل إلى مكانة صلاح وإيتو ودروغبا بعد