الأكثرية على حق هذه المرة

الأكثرية على حق هذه المرة

عامل طباعة عام 1935 (Getty)

كنا، أواخر الثمانينات، طلابًا من كلية الصحافة نتدرب على صياغة الأخبار في صحيفة يومية. كان عقد المعسكر الاشتراكي قد انفرط، والأنباء تتوالى من موسكو معلنة اقتراب النعي الرسمي للاتحاد السوفييتي. أما المحرر المدرب الواقف فوق رؤوسنا فقد بدا مخبولًا، وبتكشيرته التي بلا أسنان كان يقرعنا بأوامر ونواه غليظة:

ـــ اشطبوا كل ما يشير إلى انشقاق في الحزب الشيوعي، تجاهلوا إسقاط تماثيل لينين.. كل هذا يسيء إلى صداقتنا مع السوفييت..

ـــ ولكن الأخبار هذه واردة من وكالة أنباء سوفييتية؟

هكذا سألناه ببراءة.

ـــ وليكن. هم أحرار.. ليقولوا ما يريدون، أما نحن فلا نقول.

ما هي إلا سنوات قليلة حتى غدونا زملاء لمدربنا هذا، فأدركنا أنه لم يكن وحيدًا في مفهومه الغريب عن الصحافة، لقد كان ببساطة مجرد مثال نموذجي عن الالتزام الصحفي السائد وقتئذ، والذي كان يقوم على قاعدة ذهبية بسيطة: أن لا نقول شيئًا يغضب أحدًا. ما يعني: أن لا نقول شيئًا يعني أحدًاا!

الحروب أطاحت بما تبقى من هيبة الكلمة؛ سيادة الإنترنت سرقت القراء النادرين أصلًا؛ وأخيرًا كورونا أطلقت عليها رصاصة الرحمة

كنا خضرًا بقلوب ساذجة وعقول حارة، فأردنا تغيير هذا، وحلمنا بصحافة تنزل إلى الشارع، وتكون مرآة لآمال الناس وآلامهم. حلمنا بطوابير أمام أكشاك بيع الصحف تشبه تلك الجاثمة أمام الأفران والمؤسسات الاستهلاكية..

اقرأ/ي أيضًا: عندما تطفئ الصحيفة أنوارها

وقد توجب، حتى ندرك هشاشة حلمنا، أن نعيش المحن المتتالية: الحروب الشرسة التي أطاحت بما تبقى من هيبة الكلمة؛ سيادة الإنترنت وما أعقبها من ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي سرقت القراء النادرين أصلًا؛ وأخيرًا كورونا التي أطلقت رصاصة الرحمة..  

والآن بتنا نعلم أن المشكلة لم تعد في أننا لا نقدم الصحافة التي يحتاجها الناس، بل في أن الناس لم يعودوا بحاجة إلى صحافة أصلًا.

تستطيع صحف ومجلات عربية كثيرة (بل وكثيرة جدًا) أن تعلن احتجابها الدائم ودون حاجة إلى أي تنويه مسبق، وبالتأكيد لن يجد أصحابها ما يندمون عليه، ذلك أن شيئًا لن يتغير في الحياة العامة. لن يخرج القراء في مظاهرات إلى الشارع، ولن يضرب أي منهم عن الطعام. ببساطة: لن يشعر أحد بغيابها لأن أحداً لم يكن يشعر، في الأصل، بوجودها..

والغريب أن جميع الذين يقومون بمشاريع صحفية يعرفون هذه الحقيقة البدهية، أي عدم وجود قراء للصحف، غير أن استجابتهم تكون دومًا في الاتجاه المعاكس، إذ سرعان ما يفعلون كل ما من شأنه تأكيد صواب الرأي العام في موقفه الصقيعي من الصحافة.

 لم تعد في أننا لا نقدم الصحافة التي يحتاجها الناس، بل في أن الناس لم يعودوا بحاجة إلى صحافة أصلًا

أحد هؤلاء جلس إلى طاولة في مقهى ليعلن، ببالغ الأسى، قرار إفلاس مشروعه الصحفي، متفننًا في وصف يأسه من "هؤلاء الناس الذين لا يريدون القراءة مهما فعلنا من أجلهم"، والواقع أن الرجل قد وصل إلى حكمته الحزينة هذه إثر عشرة أعداد من جريدته التي دأبت على مواكبة هموم المجتمع وقضاياه الملحة: طقوس الموت عند الفراعنة؛ الطبيعة في الشعر العربي؛ مضار تدخين النارجيلة على الحوامل!

اقرأ/ي أيضًا: الصحافة وكوفيد 19.. كرنتينا على رأس الصنعة

صاحبة مطبوعة أخرى عبرت عن استهجانها الشديد من إدمان الناس على الفيسبوك، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، وتجاهلهم لكل ما هو جاد وعميق. ولاستجلاء مفهوم السيدة عن الجدية والعمق يكفي استعراض قائمة "الأكثر قراءة" في الموقع الالكتروني لمجلتها: ظاهرة البكاء عند الرضع.. الأسباب والحلول؛ الطلاق وأثره النفسي على الأطفال؛ الخيانة هل هي هروب من رتابة الحياة الزوجية..!

الأكثرية ليست دائمًا على حق، ولكنها على حق تمامًا هذه المرة، وستبقى كذلك حتى نقدم لها ما يجبرها على إعادة النظر في حكم الإعدام الذي اتخذته بحقنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الرجل الذي شوّه الصحافة

4 وقفات في أرشيف الصحافة