الأغلبية بالمغرب تُودّع ولايتها بضربة موجعة لجيوب المواطنين
23 يونيو 2026
اختارت الأغلبية الحكومية بمجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) أن تُسدل الستار على ولايتها الانتدابية بإسقاط مقترحي قانونين يتعلقان بملفين شديدي الحساسية بالنسبة للمغاربة: الأول يرمي إلى تنظيم أسعار المحروقات والحد من تقلباتها، والثاني يقضي بتفويت أصول شركة "سامير"، المصفاة الوحيدة لتكرير البترول بالمملكة، لفائدة الدولة المغربية.
ولم تتردد فرق الأغلبية (أحزاب الأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة) في حشد 29 مستشارًا برلمانيًا لإسقاط المقترحين خلال الجلسة العامة، مقابل 10 أصوات فقط من المعارضة، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن أسعار المحروقات، وفتحت الباب أمام اتهامات للأغلبية بتغليب اعتبارات سياسية واقتصادية على حساب مطالب اجتماعية مرتبطة بالقدرة الشرائية، قبل أسابيع فقط من الانتخابات التشريعية المرتقبة.
توجه حكومي متعمد
تعتبر المستشارة البرلمانية عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فاطمة زكاغ، أن ما جرى لم يكن مجرد تصويت عادي داخل المؤسسة التشريعية، بل يعكس "توجهًا حكوميًا متعمدًا لإغلاق ملفات ظلت عالقة طيلة الولاية الحالية".
لم تقدم أحزاب الأغلبية أجوبة مباشرة عن مطلب خفض أسعار المحروقات أو الحد من تأثيرها على القدرة الشرائية للمغاربة، بل ركزت في دفاعها على اعتبارات قانونية وتقنية واقتصادية
وقالت زكاغ لموقع "الترا صوت"، إن الحكومة، ومع اقتراب نهاية ولايتها، دفعت نحو إخراج عدد من مقترحات القوانين من الرفوف، لكنها تعاملت بشكل مختلف مع مقترحين مرتبطين بالمحروقات، رغم ارتباطهما المباشر بالقدرة الشرائية للمغاربة.
وأوضحت المتحدثة أنه بعدما "تمت مناقشة هذين المقترحين بلجنة المالية والتصويت عليهما بالأغلبية، سارعت الحكومة إلى تعبئة أغلبيتها البرلمانية من أجل إسقاطهما في الجلسة العامة التشريعية".
وترى المستشارة البرلمانية أن هذه الواقعة كشفت حقيقة مواقف بعض مكونات الأغلبية الحالية، معتبرة أن "الحكومة وأغلبيتها البرلمانية أصبحت المعبّر عن الرأسمال وعن مصالح شركة رئيسها المسيطرة على أكثر من ثلث السوق الوطنية من الغاز والمواد البترولية، ما يدل على وجود تضارب مصالح وزواج المال بالسلطة".
وأشارت زكاغ إلى أن "لوبيات قطاع المحروقات تجاوزت التحكم في قرارات السلطة التنفيذية إلى تحكمها في الأغلبية البرلمانية كذلك، وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي ببلادنا".
الاحتماء بمبررات تقنية
في المقابل، لم تقدم أحزاب الأغلبية أجوبة مباشرة عن مطلب خفض أسعار المحروقات أو الحد من تأثيرها على القدرة الشرائية للمغاربة، بل ركزت في دفاعها على اعتبارات قانونية وتقنية واقتصادية.
واعتبر القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، هشام المهاجري، خلال حلقة من برنامج "للحديث بقية" على القناة الأولى المغربية، أن تسقيف أسعار المحروقات يظل قرارًا حكوميًا صرفًا، وليس اختصاصًا تشريعيًا للبرلمان.
ودافع حزب الاستقلال عن استمرار تحرير القطاع، معتبرًا أن أسعار المحروقات تظل رهينة بتقلبات السوق الدولية، وأن أي تسقيف إداري قد ينعكس سلبًا على التوازنات المالية للدولة.
كما جدد الحزب في بيان رفضه العودة إلى أنظمة الدعم الشامل أو المقاصة، لكونها "لن تكون مجدية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية"، مفضلًا توجيه الموارد العمومية نحو برامج الدعم الاجتماعي المباشر.
غير أن هذه المبررات، التي ارتكزت على الجوانب القانونية والمالية، لم تتطرق إلى جوهر الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات ومدى استفادة المستهلك المغربي من تراجع الأسعار في السوق الدولية.
تحرير لصالح الفاعلين
يرى الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز، الحسين اليماني، أن استمرار توقف شركة "سامير" يجعل المغرب أكثر ارتهانًا لاستيراد المواد النفطية المكررة من الخارج، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز الأمن الطاقي الوطني.
ويربط اليماني في تصريحه لموقع "الترا صوت"، بين الجدل التشريعي الحالي وبين حصيلة أكثر من عشر سنوات من تحرير أسعار المحروقات بالمملكة، معتبرًا أن هذه السياسة أفضت إلى "تضخم أرباح الفاعلين في القطاع، مقابل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بفعل الارتفاع المتواصل في تكاليف النقل والإنتاج والخدمات".
ولفت الخبير في مجال المحروقات إلى أن تراجع الأسعار الدولية للنفط خلال الأسابيع الأخيرة كان يفترض أن ينعكس بشكل أكبر على السوق الوطنية، مبرزًا أن المستويات الحالية للأسعار لا تعكس بشكل كامل التطورات التي شهدتها الأسواق العالمية.
ويخلص المصدر نفسه إلى أن معالجة الاختلالات الحالية تقتضي مراجعة سياسة تحرير الأسعار، وإعادة تشغيل مصفاة سامير، وتخفيض العبء الضريبي على المحروقات، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني المنظم للقطاع.