الأعمال القصصية الكاملة لأنيس الرّافعي.. رهان التّكثيف

الأعمال القصصية الكاملة لأنيس الرّافعي.. رهان التّكثيف

غلاف الأعمال القصصية

بات من النّادر، في المشهد الأدبي العربي، أن نجد قاصًّا بقي وفيًّا للمراهنة على القصّة، من غير "خيانتها" بالانتقال إلى جنسٍ أدبيٍّ آخر، خاصّة الرّواية، التي باتت تستقطب حتّى الشّعراء، ناهيك عن كتّاب القصّة، بما يشبه نزوحًا جماعيًّا ارتقى إلى الجدارة بالانتباه والدّراسة، من طرف مخابر علمية كثيرة، بعيدًا عن الارتجال والأحكام الجاهزة.

بات من النّادر، في المشهد الأدبي العربي، أن نجد قاصًّا بقي وفيًّا للمراهنة على القصّة

يأتي القاصّ المغربي أنيس الرّافعي (1976) ضمن النّخبة العربية القاصّة، التي أعلنت، منذ البداية، أنّ مشروعها الإبداعيّ قصصيّ إلى النّهاية، وبقيت وفيّة لهذا الرّهان، رغم أنّ صاحب "اعتقال الغابة في زجاجة" قارئ وناقد جيّد للمتون الرّوائية العربية والغربية، وله في ذلك أوراق منشورة في مختلف المنابر.

اقرأ/ي أيضًا: أنيس الرّافعي.. الكتابة بالعين

يتجاوز مفهوم أنيس الرّافعي للقصّة القصيرة كونها جنسًا أدبيًّا ذا مواصفات معيّنة، وقد تمرّد على كثير منها مقترحًا، في إطار روح التّجريب التي تهيمن على قلمه، تجارب جديدة ومختلفة ومتجاوزة، فهو يكتب بمنطق التّجربة لا بمنطق النصّ/ القطعة، على مستوى اللغة والمعمار والمناخات، إلى كون القصّة القصيرة رؤية للوجود والموت والحياة والإنسان، فهي عنده من بين الأجناس الأدبية "بيت الكينونة"، كما هي اللغة عند الفيلسوف مارتن هايدغر.

لم يتخلّف سليل مراكش وساكن الدّار البيضاء، وللمدينتين حضور خاصّ في وجدانه وطقوس الكتابة لديه، في تجاربه القصصية، من مجموعته "أشياء تمرّ دون أن تحدث فعلًا" إلى "السّيد ريباخا" فـ"البرشمان" و"علبة البنادورا" و"ثقل الفراشة فوق سطح الجرس" و"اعتقال الغابة في زجاجة" و"الشّركة المغربية لنقل الأموات" و"أريج البستان في تصاريف العميان" إلى "مصحّة الدّمى"، فـ"خيّاط الهيئات"، عن ممارسة فعل الكتابة بصفته حفرًا لا تمسيدًا للتّراب، وهو يحفر لا ندري ما الذي يخرجه لنا في كلّ مرة. ولعلّ ارتباط الكتابة لديه بالمفاجأة هو ما جعل المنصّة الأكاديمية المقولبة تتهيّب الاقتراب من تجربته إلا في حالات قليلة.

إذا كانت القصّة القصيرة جنسًا أدبيًّا نخبويًّا، فإنّ أنيس الرّافعيّ يضاعف هذه النّخبوية، من خلال برمجة متونه على تجريبٍ حادٍّ، من خلال تلقيحها بعوالم موازية تحتاج حسًّا وبحثًا خاصّين، مثل الصّوت والموسيقى والسّينما والفوتوغرافيا والتشكيل وعلم الكونيات وطقوس العبور وفنون السّحر. وهو بهذا لا يهتمّ بقارئ موجود شكّلته سياقات تلقٍّ معيّنة، عادة ما تقوم على الطمأنينة وتؤدّي إليها في الوقت نفسه، بقدر اهتمامه بقارئ يخرج من تجربته نفسها، ليكون جديرًا بصفة "الشّريك".

يخوض أنيس الرافعي كتابة القصة القصيرة من خلال تجريب حاد

يقول أنيس الرّافعي لـ"الترا صوت" إنّه ليس مهووسًا بتلقّي الضّوء، بقدر هوسه بصناعته، وإلا ما معنى أن يكون الكاتب مبدعًا؟ أليس المفهوم البسيط للإبداع هو الخلق على غير منوال؟ أنا لست سياسيًّا أو رجل دين حتّى أنطلق من الجاهز لأصل إلى الجاهز. إنني مطالب في كلّ جملة بأن أنطلق من شكٍّ لأصل إلى شكٍّ، في إطار ما يمكن أن نسميه جمالية المتاهة".

اقرأ/ي أيضًا: "خيّاط الهيئات" لأنيس الرّافعي.. أبعد من السّرد

اختارت دار صفصافة للثّقافة والنّشر، أن تحتفي بالتّجربة القصصيّة لأنيس الرّافعي، من خلال إصدار ثمانية كتب منها في جزئين، وفق تبويب خاصّ شمل "التمارين، التّعاقبات، الملاحظات، الأصوات، الطقوس، الدّليل، الفوتوغرام، والتحريات". مع تذييل كلّ جزء بشهادات كتّاب مغاربة وعرب رافقوا تجربة الكاتب بالكتابة عنها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

خوان غويتيسولو.. "الطائر المنعزل" يودّع مراكش

القصّة القصيرة.. سلطة الهامش