الأطفال في سجون "قسد".. كارثة إنسانية أم ملف يخضع للتسييس؟
29 يناير 2026
مع انسحاب "قسد" من مناطق سيطرتها في الرقة والحسكة ودير الزور، فُتحت أبواب المعتقلات ومراكز الاحتجاز، لتكشف عن واقع غاية في السوء، يتضمن احتجاز أطفال لم يتجاوزوا الثانية عشرة من العمر. وقد تحدث بعضهم لوسائل الإعلام عن سوء المعاملة، والضرب، والتجويع، وتقديم طعام فاسد، كما ظهر بعضهم دون أحذية وبملابس خفيفة في ظل البرد القارس، في مشاهد تتنافى جملةً وتفصيلًا مع ادعاءات الإدارة الذاتية بأن الاحتجاز كان يتم في ظروف إنسانية.
وبلغ عدد الأطفال المفرج عنهم من سجن الأقطان، بحسب وزارة الداخلية، 126 قاصرًا، احتُجزوا "دون مسوغات قانونية"، بتهم شملت "تسريب معلومات لجهات إرهابية، واستهداف حواجز عسكرية" تابعة لـ"قسد"، إضافة إلى المشاركة في المظاهرات، وهو ما يُعد انتهاكًا سافرًا لحقوق الأطفال.
من جانبها، لم تنكر "قسد" وجود أطفال في سجن الأقطان، وأفادت في بيان رسمي بأن السجن "يضم عددًا من الأحداث، بعضهم تورط في جرائم متنوعة رُفعت بشأنها شكاوى رسمية من المواطنين، فيما وقع آخرون ضحايا للتجنيد والاستغلال من قبل تنظيم داعش الإرهابي".
وجود أطفال في سجون قسد ليس أمرًا مستهجنًا
خلال حديثه لـ"الترا صوت"، أبدى الكاتب السياسي عبد الحكيم بشار عدم استغرابه من وجود أطفال وقُصَّر في سجون "قسد"، رغم توقيع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، مع المنظمات الدولية والأمم المتحدة، معاهداتٍ تقضي بوقف اختطاف الأطفال واحتجازهم، إلا أن "قسد" لم تلتزم بذلك.
وفقًا للقانون الدولي، في حالة النزاع يعد احتجاز الأطفال قضية بالغة الحساسية، فالأطفال يتمتعون بحماية مزدوجة، لكونهم أطفال ومدنيين
ولفت بشار، وهو أيضًا عضو في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى وجود جهة تُدعى "جوانين شوركر" (الشبيبة الثورية)، تابعة لحزب العمال الكردستاني، تتولى استدراج الأطفال وخطفهم واحتجازهم داخل مراكز خاصة، تمهيدًا لتجنيدهم لاحقًا. وأكد استخدام "قسد" مختلف أشكال العنف والتعذيب بوصفها سياسة ممنهجة، إلى جانب غياب أدنى المعايير الدولية والإنسانية والأخلاقية في مراكز الاحتجاز والسجون التابعة لها.
هل تخضع قضية احتجاز الأطفال في سوريا للتسييس؟
من جهته، أكد المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، والمدافع عن حقوق الإنسان بسام الأحمد، في حديثه لـ"الترا صوت"، حساسية القضايا المرتبطة باحتجاز الأطفال عمومًا، سواء كانوا مجندين سابقين في صفوف تنظيم داعش، أو مشاركين في العمليات العسكرية، أو محتجزين على خلفية تهم وجنح جنائية. وأشار إلى أن هذا الملف يتعرض لتسييس واسع في سوريا، نتيجة الاستقطاب الحاد بين أطراف النزاع، ما يجعل من الصعب التأكد من صحة روايات أي طرف، وفق تعبيره.
وبحسب الأحمد، تمتلك الإدارة الذاتية رواية تفيد بنقل الأحداث إلى سجن الأقطان مراعاةً للمعايير الدولية، في حين تشير رواية أخرى إلى أن جميع الأطفال المحتجزين أبرياء، دون وجود إمكانية حقيقية للتحقق من هذه الروايات المتضاربة.
وطالب الأحمد بفتح تحقيق مستقل في هذا الملف، عبر لجان أو منظمات محايدة، مثل الصليب الأحمر الدولي أو لجنة التحقيق الدولية، للوقوف على حقيقة احتجاز الأطفال والظروف المحيطة به.
وأوضح أن القانون الدولي، ولا سيما في حالات النزاع المسلح كما في سوريا، يتعامل مع احتجاز الأطفال بوصفه قضية بالغة الحساسية، إذ يتمتع الأطفال بحماية مزدوجة كونهم أطفالًا ومدنيين، باستثناء من جرى تجنيدهم في سن مبكرة، حيث يُعاملون وفق أطر قانونية خاصة تراعي أعمارهم وظروف احتجازهم.
وأكد الأحمد مسؤولية الإدارة الذاتية عن ملف احتجاز الأطفال، مشددًا على أن الاحتجاز يجب أن يكون الحل الأخير ولأقصر مدة ممكنة، مع ضرورة فصل الأطفال عن البالغين، ومنع احتجازهم معهم منعًا باتًا، إلا إذا اقتضت مصلحة الطفل الفضلى ذلك، كاحتجازه مع أحد والديه. كما شدد على ضرورة ضمان تواصل الأطفال مع ذويهم، وحصولهم على المساعدة القانونية، وحظر تعريضهم لأي خطر يهدد حياتهم، أو إخضاعهم للتعذيب أو المعاملة المهينة أو الاعتداءات، إضافة إلى توفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتعليم. وأكد أن هذه المعايير يجب التحقق من مدى الالتزام بها داخل سجون الإدارة الذاتية عبر تحقيقات مستقلة.
وأشار الأحمد إلى أن دوافع احتجاز الأطفال تختلف من حالة إلى أخرى، موضحًا أن بعض الأطفال، في سن الخامسة عشرة مثلًا، جرى تجنيدهم وحملوا السلاح، ما يجعلهم يُصنَّفون كمقاتلين في نظر أطراف النزاع، ويعرّضهم للاعتقال وفق القوانين والمعايير الدولية، مع التأكيد على ضرورة التعامل معهم بوصفهم ضحايا في المقام الأول، مع مراعاة أعمارهم وظروفهم الخاصة.
احتجاز الأطفال دون مسوغ انتهاك لحقوق الطفل
قال الحقوقي المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، في حديثه لـ"الترا صوت"، إن المادة (37) من اتفاقية حقوق الطفل تنصّ على حظر احتجاز الأطفال تعسفيًا، ولا يجوز اللجوء إلى الاحتجاز إلا كملاذ أخير ولأقصر مدة ممكنة. وأشار إلى أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تؤكد أن احتجاز الأطفال في سياق النزاعات المسلحة قد يندرج ضمن المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وقد يشكّل أحد أشكال العنف النفسي والحرمان التعسفي من الحرية، لا سيما إذا جرى الاحتجاز في مرافق غير مخصصة للأحداث، أو دون الفصل بين الأطفال والبالغين، ومن دون ضمان رقابة قضائية سريعة ومستقلة.
وحَمَّل الكيلاني قوات سوريا الديمقراطية "قسد" المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات التي وقعت داخل السجون الخاضعة لإدارتها الفعلية، بوصفها السلطة المسيطرة على المنطقة وقت وقوع تلك الانتهاكات. وبيّن أن هذه المسؤولية تمتد إلى القيادة الفعلية التي تمتلك سلطة التوجيه والسيطرة، وذلك استنادًا إلى مبدأ مسؤولية القيادة والسيطرة المعترف به في القانون الدولي الجنائي.
أما التحالف الدولي، فأوضح الكيلاني أن مسؤوليته القانونية قد تقوم على أساس المشاركة أو التواطؤ، وفق قواعد المسؤولية عن المساعدة أو الإسهام في فعل غير مشروع دوليًا، كما ورد في مشروع مواد مسؤولية الدول الصادر عن لجنة القانون الدولي.
متى يكون الاحتجاز حرمانًا تعسفيًا من الحرية؟
من جهته، أوضح المحامي علي المليجي، في حديثه لـ"الترا صوت"، أن الاحتجاز لأسباب أمنية قد يكون مشروعًا بشكل مؤقت وفق القانون الدولي، إذا كان متوافقًا مع المعايير الدولية، لكنه يتحول إلى حرمان تعسفي من الحرية عند غياب أساس قانوني واضح للاحتجاز. وأضاف أن غياب النص القانوني أو غموضه يجعل الاحتجاز تعسفيًا، فضلًا عن عدم احترام المبادئ الأساسية لإجراءات العدالة.
وبيّن المليجي أن الحرمان من الحرية يُعد تعسفيًا أيضًا عندما يُفتقر إلى الإعلام الفوري بأسباب وموجبات الاحتجاز، أو يُحرم المحتجز من حق توكيل محام، أو من حق المثول أمام قاضٍ خلال فترة زمنية معقولة، وضمان محاكمة عادلة وشفافة، وعدم التمييز على أساس عرقي أو ديني أو جندري، ما يؤكد، وفق قوله، أن احتجاز القُصّر في سجون "قسد" ليس مشروعًا.
وأضاف المليجي أن فصل الطفل عن والديه دون مسوغ قانوني واضح، وقبل استنفاد الوسائل الأقل تدخلًا، يُعد انتهاكًا مستقلًا لحقوق الطفل وفق القانون الدولي، إذ تُعدّ التربية الأسرية والوصاية من الحقوق الأساسية للطفل. وأكد أن فصل الطفل عن ذويه دون قرار قضائي مستقل، وإجراءات قانونية عادلة، وتقييم دقيق لمصلحة الطفل الفضلى، يُشكل انتهاكًا لحقوقه، مشيرًا إلى أن القانون الدولي يعترف بهذا الحق بوصفه حقًا قائمًا بذاته، ويُلزم الدول بالحفاظ عليه.
وبموجب معايير حقوق الطفل، يُنظر إلى الفصل غير المبرر للطفل عن والديه على أنه إيذاء نفسي تترتب عليه آثار نفسية عميقة، تتمثل في القلق والخوف والاضطراب، بحسب المليجي. وأوضح أن القانون الدولي لا يكتفي بحماية الحقوق الشكلية، بل يحظر أيضًا إلحاق الأذى النفسي، وأن الفصل غير المبرر قد يُصنَّف ضمن سوء المعاملة المعنوية والإيذاء النفسي المباشر.
وأشار المليجي إلى أن القانون الدولي يعترف كذلك بمفهوم "الضرر المستقبلي المتوقع" بوصفه جزءًا من العنصر الضرري في الانتهاكات الجسيمة، ولا سيما في حال إثبات أن الفصل يؤدي إلى آثار نفسية بعيدة المدى.
وحول الجهات القضائية والحقوقية التي يمكن اللجوء إليها عمليًا، أوضح المليجي أنه يمكن تصنيفها ضمن آليات دولية، أبرزها اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، عبر آلية الشكاوى الفردية، في حال كانت الدولة طرفًا في البروتوكول الاختياري، إضافة إلى اللجوء إلى المحاكم المحلية في سوريا، بما يشمل النيابات العامة ومحاكم البداية والجنايات.
أرقام وإحصائيات لم تكتمل بعد
يُذكر أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت 701 حادثة تجنيد أطفال على يد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" منذ عام 2011 وحتى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، إضافة إلى توثيق حالات تعرّض أطفال للاعتقال ضمن حملات أمنية، من دون أوامر قضائية واضحة، ومن دون تمكينهم من التواصل مع عائلاتهم أو الحصول على مساعدة قانونية.
وبيّنت الشبكة أن ما تُسمّى "وحدات حماية الشعب" لم تكتفِ، منذ تأسيسها عام 2012، بتجنيد الأطفال ضمن نطاق محدود، بل اتسعت هذه الممارسات مع اتساع مناطق سيطرتها، لتشمل معظم الجغرافيا الخاضعة لها، ما جعل الأطفال جزءًا أساسيًا من بنيتها العسكرية، في انتهاك واضح للقوانين الدولية.
ووفق تقرير صادر عن الأمم المتحدة، جرى توثيق احتجاز 10 أطفال من قبل "قسد" خلال عام 2023، بشبهة الارتباط بأطراف النزاع.
وتقع اليوم على عاتق الحكومة السورية مسؤولية التعامل مع هذا الملف الشائك والمعقّد، إذ يتوجب دراسة ملفات الأحداث بدقة قبل اتخاذ أي إجراء، نظرًا لوجود قُصّر متهمين بارتكاب جنح، ما يجعل من الضروري أن توضّح الجهات المعنية في وزارة العدل أسس قرارات إخلاء السبيل أو الاستمرار في المحاكمات، وأن يُنفَّذ أي احتجاز بناءً على دراسة حيادية ومفصلة لملف كل حدث على حدة.
إن استمرار احتجاز الأطفال خارج أي مسار قضائي واضح لا يقوّض فقط مفهوم العدالة، بل يخلق أزمة مستقبلية تُشكّل خطرًا حقيقيًا على المجتمع بأسره.