ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

الأسعار والرقابة والازدحام: ثلاثية الجدل في معرض القاهرة الدولي للكتاب

29 يناير 2026
معرض القاهرة للكتاب
معرض القاهرة الدولي للكتاب (مواقع التواصل الاجتماعي)
عماد عنان عماد عنان

استغرق حسام أكثر من 25 دقيقة قبل أن يتمكّن من عبور بوابات الدخول لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، المقام حاليًا في مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس بالعاصمة المصرية، في الفترة من 21 كانون الثاني/يناير حتى 3 شباط/فبراير 2026، وسط هذا الزحام اللافت والحضور المتنوع من مختلف الجنسيات، يبدو المعرض وكأنه احتفال عالمي بالكلمة والفكر.

بالنسبة لحسام، الشاب الفلسطيني الذي يحرص على زيارة المعرض سنويًا رفقة أسرته، لا يُعد المعرض مجرد حدث ثقافي، بل تجربة اجتماعية وفكرية متكاملة، يلتقي خلالها أصدقائه من السوريين والمصريين والخليجيين.

فهو فرصة للقاء رفقائه وكتّابه المفضلين، والاستمتاع بالفعاليات الأدبية والفنية والتراثية التي تنبض في أرجاء المكان، لتجعل من كل يوم في المعرض رحلة غنية بالألوان والمعرفة.

الأكبر في تاريخ المعرض

تُعد الدورة الـ 57 الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب الأكبر في تاريخه، من حيث حجم المشاركة وتنوع الفعاليات وثراء المحتوى الثقافي والفكري، بمشاركة 1457 دار نشر من 83 دولة، فيما يضم المعرض 6637 عارضًا، ما يجعله حدثًا ثقافيًا استثنائيًا في العالم العربي والشرق الأوسط.

ويركز المعرض على الكاتب المصري باعتباره محورًا للثقافة المصرية منذ فجر التاريخ، من النقوش القديمة على جدران المعابد والبرديات، وصولًا إلى نجيب محفوظ، أديب نوبل الذي حمل السرد المصري إلى العالمية، ليكون شاهدًا على التاريخ وجسرًا بين الماضي والحاضر والمستقبل.

كما يحتفي المعرض، ولأول مرة، بالفنان محيي الدين اللباد، أحد رواد رسوم كتب الأطفال، تقديرًا لإسهاماته في إثراء خيال الأجيال. ويشمل البرنامج الثقافي والفكري 400 فعالية و100 حفل توقيع و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفًا عربيًا وأجنبيًا وأكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة.

جولة واحدة داخل أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب تكشف ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الكتب مقارنة بالأعوام الماضية، لتصل إلى مستويات باتت تفوق القدرة الشرائية للمواطن البسيط، الذي كان تاريخيًا حجر الزاوية لهذه الفعاليات الثقافية

رومانيا ضيف شرف

اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب رومانيا كضيف شرف في دورته الحالية، فيما أعربت السفيرة أوليفيا توديران، سفيرة رومانيا بالقاهرة، عن فخر بلادها بهذا التكريم، مشيرة إلى أن اختيار رومانيا يتزامن مع احتفالات مصر بعدد من الأحداث الثقافية والتاريخية الكبرى، أبرزها افتتاح المتحف المصري الكبير.

وأكدت السفيرة أن مشاركة رومانيا تأتي أيضًا تمهيدًا للاحتفال بمرور 120 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2026، معتبرة المعرض منصة استثنائية للتواصل مع الشعب المصري وبناء جسور ثقافية وإنسانية دائمة.

وعرضت السفيرة أبرز تفاصيل برنامج رومانيا في المعرض، والذي يشمل 30 فعالية على مدار 13 يومًا، بمشاركة 60 ضيفًا من رومانيا، بينهم 15 فنانًا، و10 دور نشر، و4 رؤساء أو نواب رؤساء جامعات، إلى جانب 3 شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني الذي يشارك في حفل الافتتاح، ليعكس التنوع الثقافي والفكري الذي تحرص رومانيا على تقديمه للجمهور المصري.

فرصة للاقتراب من القراء

يمنح معرض القاهرة الدولي للكتاب فرصة ثمينة للكتاب والأدباء لملاقاة جمهورهم من القراء والتعرف على آرائهم عن قرب، هذا ما أكده الكاتب السعودي سالم القحطاني، الباحث في التراث الإسلامي، موضحًا أن زيارته للمعرض تتجاوز مجرد الاطلاع على الكتب، التي أصبحت متاحة ومتوافرة، لتشمل متعة اللقاءات والتفاعل مع القراء والأصدقاء من مختلف أنحاء العالم.

وقال: "المعرض القاهري أصبح ملتقى يجمع قراء العربية حول العالم، وفي كل سنة أتعرف على قراء جدد من شتى الدول، وهذا أمر لا يتيسر في أي مناسبة أخرى".

وأضاف القحطاني أن حضور المؤلفين إلى المعارض يعد أمرًا حيويًا، لكونه يتيح لهم الاستماع مباشرة إلى انطباعات القراء حول أعمالهم. وبيّن كيف أن تعليقات القراء تشجعه على الاستمرار في الكتابة والنشر، خاصة في زمن يطغى عليه ما سماه "عالم التفاهة"، حيث قد يشعر الكاتب أحيانًا بالشك والإحباط أو الاعتقاد بعدم وجود جمهور لما ينشره.

وأوضح أن كثيرًا من المستفيدين من الكتاب لا يعبّرون عن انطباعاتهم، ليس بسوء نية، بل نتيجة لطبيعتهم، وبالتالي فإن لقاءهم مباشرة في مثل هذه الفعاليات يمنح المؤلف شعورًا حقيقيًا بتأثير كتاباته.

وختم القحطاني حديثه مشيرًا إلى أن العديد من الأفكار الجديدة لتأليف كتب ولدت خلال محادثات جانبية على هامش المعرض أو أثناء التجوال بين الأجنحة، مشيرًا إلى أنه يعمل حاليًا على كتاب جاءت فكرته بهذه الطريقة.

ارتفاع مبالغ في الأسعار

جولة واحدة داخل أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب تكشف ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الكتب مقارنة بالأعوام الماضية، لتصل إلى مستويات باتت تفوق القدرة الشرائية للمواطن البسيط، الذي كان تاريخيًا حجر الزاوية لهذه الفعاليات الثقافية.

يقول الكاتب الصحفي السيد الربوة إن سعر الكتاب الواحد تجاوز توقعاته، مشيرًا إلى أنه خصص ميزانية قدرها 1500 جنيه (حوالي 32 دولارًا) لشراء 10 مؤلفات هذا العام، لكنه فوجئ بأن المبلغ لا يكفي لاقتناء كتابين فقط من العناوين التي اختارها.

ويضيف الربوة في حديثه لـ "الترا صوت" أن هذه المعضلة لم تقتصر عليه، بل باتت شكوى جماعية بين الصحفيين والمثقفين وزوار المعرض، حيث عاد بعضهم دون أن يشتري أي كتاب، مكتفين بجولة تفقدية ترفيهية بين الأجنحة.

من جانبه، أرجع سيف، أحد مندوبي المبيعات بدار "حابي" للنشر، المشاركة في المعرض، هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار الورق عالميًا مقابل الدولار، إلى جانب ارتفاع تكاليف المشاركة في المعرض، بما في ذلك الإيجارات والرسوم الأخرى، والتي يتحملها المشتري في النهاية.

وأوضح سيف في حديثه لـ "الترا صوت" أن الدار تحاول تقديم خصومات محدودة على مؤلفاتها لتخفيف العبء على الزوار، مؤكدًا في الوقت نفسه أن المشاركة في المعارض تظل في المقام الأول فرصة دعائية، خاصة مع توافر الكتب عبر منصات النشر الإلكترونية.

سور الأزبكية الوجهة الأبرز

أمام هذه الأسعار المرتفعة، اتجهت الأنظار صوب صالة (5)، حيث "سور الأزبكية"، المتخصص في بيع الكتب القديمة، والذي يحظى بشعبية واسعة نظرًا لما يقدمه من أسعار مخفضة نسبيًا مقارنة بدور النشر الأخرى والكتب الحديثة.

ويُعد الازدحام أبرز ما يميز الصالة منذ اللحظة الأولى لدخولها، حيث يتهافت الزوار على المطبوعات القديمة، التي يعود بعضها إلى مئات السنين، لتظل هذه النوعية من المؤلفات محافظة على جمهورها من عشاق القراءات الكلاسيكية.

ومع ذلك، تشهد بعض الكتب القديمة ارتفاعات في الأسعار، وإن كانت أقل بكثير من نظيراتها من الكتب الحديثة، ما يشكل عبئًا نسبيًا على رواد الصالة، إلا أن "سور الأزبكية" يظل الوجهة المفضلة والأكثر اقتصادية لقطاع كبير من القراء الباحثين عن كنوز المعرفة القديمة بأسعار مقبولة.

تسليع الثقافة

شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب حضورًا لافتًا للبعد الاستثماري، الذي أضفى على هذا المحفل الثقافي ملامح تجارية واضحة، مع انتشار عشرات الكافتيريات والمطاعم التي استحوذت على مساحات واسعة من ساحات المعرض الضيق بطبيعته، ما أثار تساؤلات وجدلًا بين الزوار.

ففي حين يرى فريق من رواد المعرض أن هذه الخدمات تمثل ضرورة لتوفير الراحة والمأكل والمشرب، لا سيما للأسر التي تقضي يومها كاملًا بين الأجنحة والفعاليات، يرى فريق آخر أن هذا التوسع التجاري يحمل انعكاسات سلبية على هوية المعرض، ويهدد رمزيته الثقافية بتحويله إلى مساحة استهلاكية، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الوجبات والمشروبات، التي لا يقوى على تحمّلها سوى الزوار من الفئات الميسورة.

وبين الرأيين، يذهب فريق ثالث إلى أن هذا النمط من الاستثمار بات تقليديًا في معظم المعارض الثقافية العالمية، إذ تعتمد الجهات المنظمة عليه لتحقيق عوائد مالية تسهم في تمويل المعرض وتغطية نفقاته وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للجمهور.

تساؤلات حول "مقص الرقيب"

منذ الإعلان عن انطلاق الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، عاد الجدل مجددًا حول حدود الرقابة وما هو مسموح وممنوع داخل هذا الحدث الثقافي الأبرز، وكانت البداية مع إعلان دار "المرايا للثقافة والفنون" منعها من المشاركة للعام الثاني على التوالي، ما فتح باب التساؤلات حول معايير الاختيار وغياب الشفافية.

من جانبه أكد المدير التنفيذي للدار، يحيى فكري، أن "المرايا للثقافة والفنون" لم تتلقَّ أي توضيحات رسمية من الجهات المنظمة، رغم محاولات متكررة للتواصل مع الهيئة العامة للكتاب وإدارة المعرض منذ العام الماضي، مشيرًا إلى أن قرار المنع صدر دون إبداء أسباب أو ملاحظات، على الرغم من سلامة الوضعين القانوني والإداري للدار، ومشاركتها المنتظمة في المعرض بين عامي 2017 و2024، وحصولها خلال تلك الفترة على جوائز رسمية.

وأوضح فكري أن الدار حاولت التقدم للمشاركة عبر جميع القنوات المتاحة، سواء إلكترونيًا أو بشكل مباشر، كما لجأت هذا العام إلى اتحاد الناشرين المصريين لمتابعة الأمر، دون أن تسفر هذه المساعي عن أي نتائج.

منذ الإعلان عن انطلاق الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، عاد الجدل مجددًا حول حدود الرقابة وما هو مسموح وممنوع داخل هذا الحدث الثقافي الأبرز، وكانت البداية مع إعلان دار "المرايا للثقافة والفنون" منعها من المشاركة للعام الثاني على التوالي

في السياق ذاته، صعّد المحامي والروائي شادي طلعت من حدة انتقاده لما وصفه بـ"تضييق الخناق على حرية الفكر"، معتبرًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عرض الأفكار، بل في مصادرتها وتحويل الدولة إلى "قارئ أوحد" يحتكر الحقيقة، مشيرًا إلى أن ما يُعرض داخل المعرض يخضع، بحسب تعبيره، لموافقات مسبقة، وهو أمر يعرفه الناشرون ويتعايش معه الوسط الثقافي كواقع مفروض.

كما استعاد طلعت تجاربه الشخصية في محاولات عرض مؤلفات مفكرين مصريين، من بينهم الراحل سعد الدين إبراهيم، التي مُنعت لمجرد الاسم، دون فحص المحتوى، فضلًا عن القيود غير المعلنة التي واجهها خلال مشاركته في ندوات المعرض.

وخلص إلى أن جوهر أي معرض كتاب في دولة تحترم العقل يتمثل في حرية القراءة والاختيار، محذرًا من أن تحوّل الثقافة إلى خطاب موجّه يسقط عنها معناها، ويفرغها من دورها كمساحة حرة للتفكير والنقد.

في النهاية، ورغم ارتفاع الأسعار، وبُعد المكان، واتساع أو ضيق دائرة "مقص الرقيب"، يظل معرض القاهرة الدولي للكتاب حدثًا سنويًا استثنائيًا لعشرات الآلاف من المصريين، ينتظرونه عامًا بعد عام بوصفه متنفسًا ثقافيًا وفسحة أمل.

هناك، بين الأجنحة والكتب واللقاءات والندوات، يتسول الزوار لحظة هروب مؤقت من واقع مثقل بالإحباط، واستعادة لشغف المعرفة ومتعة الاكتشاف.

وبكل ما يحمله من تناقضات، يبقى المعرض قبلة للمشتغلين بالثقافة ومحبيها، وموعدًا عالميًا تتقاطع فيه الأفكار واللغات، ليؤكد أن للكتاب، رغم كل شيء، سحرًا لا ينطفئ.

كلمات مفتاحية
علييف وبزشكيان

أذربيجان بين إيران وإسرائيل: معادلة التوازن الصعب في القوقاز

دخلت العلاقات الإيرانية–الأذربيجانية مرحلة جديدة من التصعيد، عقب سقوط مسيّرتين داخل إقليم "نخجوان" الأذري

مقاتلون أكراد إيرانيون

المعارضة الكردية: التمرد كأداة ضغط على إيران

أنتجت الحرب الدائرة حول إيران ديناميكية ميدانية جديدة بعد انتقال جماعات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة على طول الحدود العراقية-الإيرانية إلى مرحلة الحشد العملياتي

منظومة باتريوت

مواجهة بلا سقف: الحرب على إيران وتصعيد استراتيجي تحت ضغط السلاح المتطور

تحول المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة مسرح العمليات إلى مختبر مفتوح لأنماط التسليح الحديثة

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟
سياق متصل

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟

عكس أكبر ارتفاع في أسعار النفط منذ أكثر من ثلاثة عقود يتطلب أكثر من ذلك. إما أن تنتهي الحرب أو أن تُضعف الولايات المتحدة قدرات إيران إلى الحد الذي لا تستطيع فيه الأخيرة تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز

الطفل خالد
سياق متصل

طفل فلسطيني يروي لحظات قتل قوات الاحتلال لوالديه وشقيقيه

طفل فلسطيني يروي تفاصيل قتل عائلته برصاص الاحتلال في طمون، بعدما أطلق الجنود النار على السيارة أثناء عودتهم من التسوق

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية