الأسر المصرية في عهد الغلاء: معارك لا تنتهي!

الأسر المصرية في عهد الغلاء: معارك لا تنتهي!

274 مشاهدة
هل يستطيع المواطن في مصر أن يعيش بجنيهين اثنين في اليوم كما أعلن أحد الوزراء؟ (خالد دسوقي/أ.ف.ب)

هل يستطيع المواطن في مصر أن يعيش بجنيهين اثنين في اليوم؟ وزير العدل المصري وقتها أحمد الزند أطلق تصريحًا أشعل مواقع التواصل الاجتماعي وكان مادة فريدة للسخرية في بعض برامج "التوك شو" المصري، وذلك عن المصري الذي سوف يعيش بجنيهين في اليوم الواحد (10 سنتات تقريبًا أو أقل). أعقب هذا التصريح في السنة التالية تصريحًا أشد غرابة من الراقصة فيفي عبده ترى فيه أن المصري يمكن أن يعيش بخمسة جنيهات (أقل من ربع دولار)  ثم كررها عمر أديب في مطلع هذا العام.

تكافح الأسر المصرية للعيش بأقل مصروف مادي ممكن في ظل الغلاء المستشري

في "الترا صوت" طرحنا السؤال، خاصة بعد انهيار سعر الجنيه أمام الدولار في مصر وما أعقبه من غلاء للأسعار، بكم تستطيع أن تعيش الأسرة المصرية في اليوم الواحد؟. كانت الإجابات قاسية جدًا، وأرشدت إلى واقع قاسِ يعيشه المصريون، كفاحًا يوميًا من أجل البقاء، كأن "سد الجوع" وحده جبهة جديدة فُتحت على المصريين من كل المشارب والأطياف، المستورون ماديًا والمكافحون بشق الأنفس، ويدعون الله كل يوم أن يجنبهم المفاجآت، ويخافون من الغد. البعض تعفف عن ذكر دخله بشكل صريح لكنه أعطانا صورة كاملة عن دخل الأسرة في الطعام والمأكل والمشرب والصحة والتعليم والمواصلات، والبعض الآخر قدم الصورة كاملة دون خجل.

اقرأ/ي أيضًا: الأزمة تنفجر.. ضبط مواطن متلبسًا بـ"10 كيلو سكر"

أشرف صبحي، كان يعمل مرشدا سياحيًا قبل ثورة 2011 ويرى أن الأمور وقتها كانت أفضل ماديًا فمن المعروف أن أجور شركات السياحة وقتها كانت ضخمة، أما الآن فهذا القطاع متوقف تقريبًا، كما تم تسريح الكثيرين من العاملين به، أشرف الآن يعمل بـ"مركز خدمة عملاء"، باللغة الأجنبية التي يجيدها.

يقول أشرف صبحي: "قبل زيادة الأسعار كانت المرتبات بين 3000 جنيه أو 3500 أي ما يعادل 150 دولارًا أما بعد زيادة الأسعار الأخيرة فقد تضاعفت المرتبات إلى 6000 جنيه أي ما يعادل 300 دولارً شهريًا لكنها مجرد لعبة بالأرقام، فالجنيه المصري بعد التعويم فقد 30% من قيمته وكل ما فعلته الشركة أنها أصبحت تعطي نفس المبلغ السابق تقريبًا".

سألناه عن تفاصيل مصروف البيت فأجاب: "أنا أب لولد وبنت في المدرسة، 75% من مرتبي تقريبًا يذهب للطعام أي حوالي 4000 شهريًا ولأن مدرسة أولادي بالقرب من البيت فلقد وفرت حوالي 7000 جنيه أي حوالي350 دولارًا لمصاريف اشتراكات الأطفال في باص المدرسة، ولكن في نفس الوقت فإنه بعد زيادة أسعار الوقود الأخيرة فإن سيارتي تستهلك حوالي 600 جنيه شهريًا من البنزين".

ويضيف: "في حالة إصابة أحد الأطفال بمرض، نبحث دومًا عن طبيب ذو كشف سعره متوسط أو أقل من متوسط إذا كان الأمر هينًا وتكلفنا الأمراض البسيطة 300 جنيه مصري شهريًا أي حوالي عشرين دولارًا كحد أدنى".

وماذا عن مصروفات المدارس؟، يقول أشرف صبحي: "أدفع لكل طفل 12000 جنيه مصري أي حوالي 600 دولار للطفل الواحد، لتدبيرها آخذ إجازة شهر واحد في السنة وأخرج مع بعض الرحلات النيلية كمرشد، وهي نادرة بالمناسبة لكن العلاقات الطويلة في العمل تساعدني، وتمكنني هذه الرحلات من الحصول على مصاريف المدارس".

أما أسماء اسماعيل، فهي أم لطفل عمره خمس سنوات وطفلة في عامها الأول، راتب زوجها 1800 جنيه مصري أي 90 دولارًا شهريًا، حدثتنا: "2 جنيه هو رقم غريب من شخص يجهل كل شيء عن حياة الناس في مصر. هل يعلم أن البيضة تُباع اليوم بجنيهين؟ وأن كيس الفول الصغير (أقل كمية) أصبح بثلاث جنيهات؟".

سألها "الترا صوت": "كيف تعيشين طوال الشهر وكيف تقسمين المبلغ مع احتياجات الأطفال؟، فقالت: "بعد أن أدفع التزامات السكن من مصروفات الماء والكهرباء والغاز والتزامات أخرى يتبقى من الراتب 1200 جنيه (60 دولارًا)، أشتري لابني الحفاضات وأختار أقلها سعرًا وجودة والباقي أشتري به لبنًأ وزبادي وجبنًا وبيضًا لأولادي، و من ثم أقسم المرتب بحيث أصرف 33 جنيهًا كل يوم فقط. أي ما يعادل (1.65 دولارًا) يوميًا".

وأضافت أسماء اسماعيل: "هل يعلم من يقول إن المصري يستطيع أن يعيش باثنين جنيه في اليوم أن هياكل الدجاج (الجوانح والرقاب والعظام) أصبحت تباع بخمسة عشر جنيهًا أو أكثر؟ وأصبحت تُباع بالحجز المسبق!".

أما أم بلال، وهي ربة منزل فقد حاولت أن تشرح لـ"الترا صوت"، بالتفصيل، العملية الحسابية المعقدة التي تقوم بها لكي تستطيع توفير تكاليف حياتها مع زوجها وطفلها حديث الولادة. تقول: "ايه اثنين جنيهات؟ هذا كلام فارغ! مصروف بيتنا الأساسي 1200 جنيه تقريبًا (60 دولارًا) يحتاج ابني في المتوسط بجوار الرضاعة الطبيعية إلى من 5-6 علب لبن شهريًا ولا أستطيع أن أشتري هذا اللبن من منافذ وزارة الصحة لأنها تشترط ألا توفر الأم أي حليب طبيعي، فكنت أشتري اللبن المدعم من منافذ الجيش إجباريًا بـ30 جنيه (10 دولارات) ولكن حتى لبن "الجيش" أيضًا طالته موجة الغلاء فأصبحت أشتري علبتين ب 90 جنيهًا بدلًا من ثلاث علب في الماضي".

يخيم على جزء من المصريين، من خلال تصريحاتهم، الإحساس بالخوف من المستقبل وسخط عارم على سُلطة باتوا يعتقدون أنها تتعمد تجويعهم

وتضيف: "أما الحفاضات فيحتاج الطفل إلى 6 حفاضات كل يوم يعني شهريًا 180 حفاضة، وعلبة الحفاضات الكبيرة الموفرة تحوي 64 حفاضة ووصل سعرها إلى 120 جنيهًا أي أنني أحتاج إلى ثلاث علب موفرة شهريًا، وقد لجأت إلى أن أشتري لابني المقاسات الأكبر كنوع من التوفير لأنني أعرف أن سعر المقاس الأكبر غدًا سيكون أكثر مما هو عليه الآن. وأنتظر عروض الحفاضات وأقوم بجولة في المنطقة التي أعيش بها كاملة حتى أعرف أي مكان أرخص ومتى تكون العروض التخفيضية".

وتستدرك: "هذا بالإضافة إلى الأدوية وعلب الطعام الخاصة بالأطفال. في الماضي كنت أشتري علبتين من كل دواء إذا كان عندي فائض مادي أما الآن فحتى لو معي الفائض المادي فإنني لا أستطيع أن أشتري علبتين لأن الصيدليات ترشد البيع للمواطنين".

اقرأ/ي أيضًا: أماني الخياط.. بوق السيسي لإسكات فقراء مصر

دينا محمد، تمثل أسرة أخرى، من الأسر التي أصابها التدهور الشديد بسبب انهيار الجنيه وارتفاع الأسعار، تقول: "استغنينا عن أمور كثيرة من أجل العيش الأساسي، نسينا أضحية العيد، وبعنا سيارة من السيارتين التي كنا نملكها وبدأنا نركب المواصلات.

دينا أم لطفلين، في الثامنة والعاشرة، يذهبن إلى المدرسة. تقول لـ"الترا صوت": "بالنسبة للطعام، قللت في الجودة كثيرًا حتى أستطيع أن أوفي بهذا الالتزام في البيت، كنت في الماضي اشتري أنواعًا أعرف منشأها وسعرها غال قليلًا ولكنها جيدة أما الآن، فأشتري أنواعاً أقل جودة وبت أحاول أن أصنع كل شيء في المنزل، نصرف يوميًا من 60 إلى 120 جنيهًا للطعام، كان زوجي في الماضي يعطيني مبلغ 500 جنيه في الأسبوع للمصروفات المنزلية (25 دولارًا) أما الآن فقد قل كثيرًا".

تضيف دينا: "أصبحت أمي تتكفل بدفع مصروفات المدارس وأبي هو من يصرف على بند الدروس الخصوصية للأولاد، لأن زوجي يعمل عملاً حرًا ولم نعد نتحكم بمدخولاتنا الشهرية كما في الماضي. أصبحنا لا نعرف ماذا سيحدث غدًا وأصبحت أرى الجوع في كل مكان".

هكذا تكافح الأسر المصرية للعيش بأقل مصروف مادي ممكن في ظل الغلاء المستشري، يخيم على الكثيرين من خلال تصريحاتهم الإحساس بالخوف من المستقبل وسخط عارم على سُلطة باتوا يعتقدون أنها تتعمد تجويعهم حتى لا يتطلعون بعيونهم لما يحدث على كرسي العرش!.

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة لبن الأطفال بمصر: الوجه القبيح لبزنس الجيش!

5 دول تمنع استيراد سلع مصرية لـ"عدم صلاحيتها"