الأسد وبوتين وترجمة

الأسد وبوتين وترجمة "غوغل"

بوتين والأسد في موسكو (Getty)

خمس دقائق هي المدة التي تكلم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اللقاء الذي جمعه مع نظيره السوري بشار الأسد. يجلس مترجم الرئاسة مختبئًا خلف بوتين، وليس كما جرت العادة أن يجلس المترجم في المنتصف بين الضيفين.

سمع بشار الأسد أن 4000 مواطن روسي انضموا إلى صفوف الإرهاب

إذا استثنيا مدة الترجمة من كلام بوتين فإن حديثه لم يتعد الدقيقتين والنصف، وبعد تفريغ الترجمة الرسمية، التي نقلتها لكم عن مترجم الكرملين كما هي على وسائل الإعلام الروسية ومنها قناة "روسيا 24"، ستصابون حتمًا بالدهشة، فقد استغرق معي تفريع اللقاء الذي لم يتجاوز الدقيقتن والنصف أكثر من نصف ساعة وأنا أحاول فهم ما يريد بوتين، أما الدهشة التي ستصابون بها فتأتي من أن ما سمعه بشار الاسد من بوتين هو غير ما سمعناه من ترجمة اعتمدتها فيما بعد وسائل الإعلام الروسية الناطقة باللغة العربية وعلى رأسها محطة "روسيا اليوم"، التي حاولت تجنب فضيحة ترجمة المترجِم الخاص للقاء الرئيس بوتين بالأسد، وقامت بإسكات صوته واعتماد ترجمتها الخاصة.

الغريب حقًا أنه عندما تشاهد وسائل الاعلام الروسية الناطقة باللغة العربية، وترى المهارات اللغوية التي يتمتع بها مراسلو قناة "روسيا اليوم" على سبيل المثال، ستصاب بالذهول حتمًا من المترجم الخاص لبوتين وستصاب بالذهول أكثر وأنت تتساءل لماذا كان الأسد يهز برأسه مظهرًا الإنصات والاهتمام بحديث الرئيس بوتين. على سبيل المثال هكذا بدأ مترجم قصر الكرملين ينقل حديث بوتين المرحب ببشار الأسد: "يا فخامة الرئيس اسمحولي أن أرحب بكم من "ظهر" القلب هون في موسكو، شكرًا جزيلًا على أنو بغض النظر عن الأوضاع في بلادكون أنتو قَبِلنا لدعوتنا ووصلنا إلى بلادنا".

سمع بشار الأسد أن 4000 مواطن روسي انضموا إلى صفوف الإرهاب، وفي الترجمة التي سمعناها "4000 مواطن من دول الاتحاد السوفيتي السابق". لم يسمع بشار الأسد أن الشعب السوري في "الآونة الاخيرة بات يحقق نتائج إيجابية" على الإرهاب بعد التدخل الروسي، ولكنه سمع ما يلي: "ولكن في آونة الأخيرة قدمت إلى نتيجة الملموسة وتقدمت إلى الأمام"، وظل كعادته طول اللقاء يهز برأسه ويبدي اهتمامًا وتركيزًا منقطعي النظير بحديث بوتين.

لم يسمع الأسد هذه العبارة كما ترجمتها قناة "روسيا اليوم": "محاولة هذا الإرهاب السيطرة على مناطق واسعة وزعزعة الاستقرار فيها تثير تخوفات حقيقة لدى كثير من الدول"، ولكنه سمع ما يلي: "وقبلنا في القلق شديد في عدة بلدات للعالم للمحاولات الإرهابيين للاختلال على الأراضي شاسعة. وانقلب انقلاب الأوضاع في خاذه المناطق"؟؟ وظل يهز برأسه مبديًا الإنصات والاهتمام وفهم ما يقال.

في السطور التالية سأنقل حرفيا ما نقله للعربية "مترجم الرئيس فلاديمير بوتين" وهو ما سمعه بشار الأسد، وما نقلته للعربية قناة "روسيا اليوم" وهو ما سمعناه نحن، وربما ما سمعه بشار الأسد فيما بعد، وأظن وليس كل الظن إثم إن بدا مذهولًا متحسسًا على رأسه، ناكشًا أذنيه وهو يقول في سره: ياللهول! أين كان عقلي؟ هل كنت خائفًا إلى درجة أني لم أسمع هذا الكلام من بوتين؟؟

 إذا كان هذا حال الترجمة من الروسية إلى العربية، فماذا فهم بوتين من كلام الأسد؟

ولكن قبل نقل الحديث كاملًا هناك مجموعة أسئلة بريئة وخالية من الكولستيرول، ستدور في بالكم بعد مقارنة الترجمتين، أولها بلا أدنى شك، على ماذا كان بشار الأسد يهز برأسه؟ وثانيهما إذا كان هذا حال الترجمة من الروسية إلى العربية، فماذا فهم بوتين من كلام الأسد؟

وأخيرًا، ألا يوجد لدى القيادة الروسية مترجمون محترفون وهي التي ساهمت عبر عقود طويلة في بناء "دولة البعث"، وتثبت أركان نظام الأسد وحمايته مؤخرًا من السقوط، وأوفدت مئات الخبراء الروس واستقبلت مئات الطلاب السوريين وأعطتهم شهادات الدكتوراة كمن يشتري البندورة والخيار، ألا يحترمون رأس هذا النظام بإحضار مترجم يحترم لغة بلد الرئيس التي تدافع عنها روسيا بالغالي والنفيس.


الترجمة التي سمعها بشار الأسد

"يا فخامة الرئيس اسمحولي أن أرحب بكم من "ظهر" القلب هون في موسكو، شكرًا جزيلًا على أنو بغض النظر عن الأوضاع في بلادكون أنتو قبلنا لدعوتنا ووصلنا إلى بلادنا، وعلى أساس طلبكم نحن بدأنا في الضربات الجوية ضد الإرهاب ايلي انتشر في المنطقة ويقوم بالحرب. ويقاتل الشعب السوري في الآونة الأخيرة ضد الإرهاب الدولي من جميع البلدان "أأأمم" بوحده ولكن في آونة الأخيرة قدمت إلى نتيجة الملموسة وتقدمت إلى الأمام.

وقبلنا في القلق شديد في عدة بلدات للعالم للمحاولات الإرهابيين للاختلال على الأراضي شاسعة. وانقلب انقلاب الأوضاع في خاذه المناطق. وقلق شديد عند روسيا بهذا الوضع لأنو في عصابات الإرهابية حوالي أربعة آلاف مواطني روس الي يشترك في الحرب إلى جانب الإرهاب، وطبعا لا يمكننا أن نسمح أن يرجعوا الى روسيا ويذخبون في روسيا بعد الحصول على تجربة القتالية في سورية.

بما يخص تصوية الأوضاع في سوريا نحن نشوف أنو ضروري بالإضافة إلى الأعمال القتالية نتحدث سياسيًا، ولوصول إلى التصوية على الفترة الزمنية الطويلة من الضروري العملية السياسية، بمشاركة كل القوى السياسية والطائفية والدينية، وطبعا الكلمة الأخيرة دائمًا عند الشعب السوري. 

وسوريا دولة صديقة لنا ونحن جاهزين للمساعدة ليست فقط في الدعم العسكري، وكذلك في المشاركت في العملية السلمية، طبعًا مع الاتصال مع التعاون مع كل الدول المعنية الي بدو تصوية السياسية".


الترجمة التي سمعناها

"السيد الرئيس المحترم اسمح لي أن أحييك بحرارة في موسكو شكرًا على قبولكم دعوتنا لزيارة موسكو رغم الاوضاع المأساوية في بلادكم، نحن وبناءا على طلبكم اتخذنا قرارنا وبدأنا بإجراءات فعالة فيما يتعلق بمساعدة الشعب السوري في مكافحة الارهاب العالمي الذي شن حربًا حقيقة ضد سوريا، فالشعب السوري في حقيقة الأمر يقاوم وحيدًا الإرهاب العالمي خلال عدة سنوات، ويتكبد خسائر كبيرة ولكنه في الآونة الاخيرة بات يحقق نتائج إيجابية.

محاولة هذا الإرهاب السيطرة على مناطق واسعة وزعزعة الاستقرار فيها تثير تخوفات حقيقة لدى كثير من الدول، كما تثير القلق لدينا في روسيا، إذ يحارب في صفوف الإرهابين في سوريا، وللأسف الشديد، مواطنون من دول الاتحاد السوفيتي السابق ويصل عددهم إلى 4000 آلاف على الاقل، لا يمكننا السماح لهم بالتدريب العسكري والحصول على تأهيل أيديولوجي معين ومن ثم العودة إلى روسيا.

ما يتعلق بالوضع في سوريا ننطلق من أنه وبناء على التحولات الإيجابية في العمليات العسكرية، في نهاية المطاف سيتم الحل بعيد الأمد للأزمة على أساس التسوية السياسية بمشاركة جميع القوى ومختلف الاطياف العرقية والدينية، وفي نهاية الأمر سيبقى الحل النهائي في يد الشعب السوري وحده.

سوريا دولة صديقة ونحن على استعداد ليس فقط لتقديم المساعدة الفعالة في مجال العمليات العسكرية، وإنما في مجال الحل السياسي أيضًا، وذلك بالطبع من خلال تواصل وثيق مع الدول الكبرى ومع دول المنطقة المعنية بحل سلمي لهذا الصراع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ليس داعش وحده داعش

مطابخ هذه المدينة ملأى بالسكاكين