الأزهر التاريخيّ في دورانه

الأزهر التاريخيّ في دورانه

في جامعة الأزهر بالقاهرة (Getty)

في عصر الثالث من تموز/يوليو عام 2013، وقف الفريق عبد الفتاح السيسي ليعلن عزل رئيس الجمهورية آنذاك محمد مرسي. على يسار السيسي جلس أحمد الطيب شيخ الأزهر ليلقي بدوره كلمة يؤيد فيها خارطة الطريق التي أعلنها الأول. اعتبر البعض موقف الطيب هذا تأيدا لثورة شعبية، بما أن الميادين كانت ممتلئة برافضي حكم مرسي، بينما اعتبره آخرون تأييد لانقلاب عسكري، معتبرين أن قائد الجيش ومؤسسات الدولة تحالفت للإطاحة بالرجل، مستغلين غضب الشارع. في كلا الحالتين، لا بد أن هذا الموقف يدعو للتساؤل عن دور الأزهر في الثورات وموقفه منها.

بعد اندلاع ثورة عرابي أفتى الشيخ شمس الدين الأنبابي بعدم صلاحية الخديوي توفيق لأنه سلم البلاد للأجانب

تقلبات 2011

في عام 2011، كان الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، عضوا فَي لجنة سياسات الحزب الوطني الحاكم آنذاك، والتي كان يرأسها جمال مبارك. وفي ذروة اشتعال الثورة، نشرت صحيفة "صوت الأزهر" الناطقة باسم المؤسسة، يوم جمعة الغضب، تهنئة لوزير الداخلية حبيب العادلي بمناسبة عيد الشرطة، مصحوبة بصورة كبيرة له. وبينما كانت مؤسسات الدولة تتخلى عن مبارك تدريجيًّا، والثوار  يستعدون للزحف لقصر الرئاسة يوم الحادي عشر من شباط/فبراير 2011، ليطيحوا به، كان أحمد الطيب شيخ الأزهر أكثر تمسكًا بهذا الرئيس، فصرح يوم التنحي للتلفزيون الرسمي للدولة بأن التظاهرات باتت محرمة شرعًا، لأن الرئيس حقق مطالب الميدان وعين اللواء عمر سليمان نائبًا له. لم يشارك من أصحاب المناصب الأزهرية الرسمية في الثورة، سوى واحد فقط، المتحدث باسم المشيخة، السفير رفاعة الطهطاوي، الذي هو في الواقع قادم من وزارة الخارجية وليس أزهريًا تمامًا. استقال الطهطاوي من المشيخة وأعلن اعتصامه في التحرير حتى يرحل مبارك. ولم تعلق المشيخة على الاستقالة، وهو ما منح الفرصة لأحمد الطيب ليستغل الواقعة فيما بعد ليقول إن الأزهر كان مؤيدا للثورة وليس النظام، وأنه كان يسعى للحفاظ على أرواح الشعب.

الأزهر الفرنسيّ

بالعكس من الموقف السابق، رتب الأزهر لثورة في 1798، حيث دخل نابليون بونابرت مصر بحملته، فكان عمر مكرم نقيب الأشراف يطوف الشوارع لحث الناس على الجهاد، وكان الأزهر ساحة تجمع أهل المدينة الذين انطلقو إلى ضفة النيل الشرقية، لكن قوات إبراهيم ومراد بك كانت تلقت هزيمة في امبابة على ضفة النيل الأخرى. آنذاك توجه وفد من علماء الأزهر لنابيلون قائلين له "نريد أمانًا منكم لاطمئنان الناس"، فكتب لهم قائلًا "إننا أرسلنا لكم كتابًا فى السابق فيه الكفاية وذكرنا لكم أننا ما حضرنا إلا بقصد إزالة المماليك الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار، ولما حضرنا إلى البر الغربيّ خرجوا إلينا فقابلناهم بما يستحقونه، وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم، أما المشايخ والعلماء وأصحاب المرتبات والرعية فيكونون مطمئنين فى مساكنهم مرتاحين".  

هكذا أنشأ ديوانًا من علماء الأزهر  ليستعين به في أمور الحكم، حيث أرسل مع نفس الوفد قائلًا "لابد أن المشايخ يأتون إلينا لنرتب لهم ديوانًا ننتخبه من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور"، لم تسر الأمور بشكل جيد من حيث علاقة المصرييين بالفرنسيين، إلى أن أرسل السلطان العثماني إلى علماء الأزهر يطالبهم بالجهاد. فجهز العلماء ورؤساء الطوائف للثورة في الجامع الأزهر، الأمر الذي دفع نابليون إلى قصف الجامع بالمدافع للقضاء على الثورة، كما دخل الجنود الفرنسيين بخيولهم المسجد. وعلى نفس الطريقة قام الأزهر بالترتيب لثورة القاهرة الثانية، وظلت مقاومته للحملة الفرنسية قائمة، حتى قام الطالب الأزهري السوري سليمان الحلبي بقتل كليبر الذي تولى الحملة خلفًا لنابيلون، ثم رحلت الحملة بعدها عن مصر.

وظل دور الأزهر رائدًا حتى بعد رحيل الحملة الفرنسية، والاضطرابات التي لحقتها، ولا يتوقف الأمر على ذلك، إنما تدخل لاختيار محمد علي واليًا على البلاد، بعدما اشترط عليه الأزهر الرجوع إلى المؤسسة في القرارات الكبرى، مثل فرض الضرائب. ثم شفع علمائه لمحمد على عند السلطان العثماني الذي أراد نقله إلى ولايه سالونيك.

لكن محمد علي لم يستسلم لسلطة الأزهر، وأراد الانفراد بالسلطة، فقضى على الزعامات الأزهرية الواحد تلو الآخر، نفى عمر مكرم وعزله من نقابة الأشراف، وفرض الإقامة الجبرية على شيخ الأزهر عبدالله الشرقاوي، ومن وقتها بدأ دور الأزهر يتراجع.

اللحاق بالثورات

في الثورات اللاحقة لم يكن دور الأزهر بنفس قوة ثورتي القاهرة الأولي والثانية، فلم يكن يصنع الثورة ولكنه كان يساندها. فبعد اندلاع ثورة عرابي، أفتى الشيخ شمس الدين الانبابي بعدم صلاحية الخديوي توفيق لأنه سلم البلاد للأجانب، لكنه ما لبث أن تلقصت صلاحياته بعد معارضته للخديوي عباس الثاني ابن الخديوي توفيق الذي ولي بعد عزله.

أما في ثورة 1919، كان الأزهر شاهدًا على الخطب الثورية، ورفض الشيخ أبو الفضل الجيزاوي إغلاق المسجد كما طلب الإنجليز. وفي ثورة يوليو 1952، لا موقف واضحًا. ربما كان الأزهر منهكًا من الفترة المتقلبة التي سبقت الثورة، حيث كانت هناك خلافات بين الشيوخ والملوك أحيانًا، وبين الشيوخ أنفسهم بسبب مسالة تطوير الأزهر. لكنه غالب الظن لمساندة قرارات السلطة فيما بعد، فوصف الشيخ محمد الخضر حسين الثورة بأنها أعظم انقلاب اجتماعي فى العصر الحديث، وما لبث أن استقال بعد خلاف مع جمال عبد الناصر.

حلّ مكانه الشيخ عبدالرحمن تاج، الذي أفتى بسريان عقوبة التجريد من شرف المواطنة على من يتآمر ضد بلاده، على إثر خلاف عبد الناصر مع محمد نجيب، ثم قام بالهجوم على الإخوان المسلمين بعد حادث المنشية. بدوره، لجأ الشيخ حسن مأمون الذي تولى المشيخة بعد وفاة الشيخ تاج إلى الاستقالة، بسبب إلغاء المحاكم الشرعية التي كان يرأسها، رغم أنه كان مؤيدا لعبد الناصر، ووصف الإخوان المسلمين بأنهم "مجرمين".

هكذا تدرج موقف الأزهر من الثورات، من صانع لها إلى مؤيد مشارك في ثورة صنعها آخرون، ثم مؤيد لموقف السلطة فيما بعد. يعزو بعض المتخصصين هذا التدرج إلي عدم استقلالية الأزهر، وتبعيبته للسلطة السياسية،  بدءًا من عهد محمد علي. ثم لجوئه للإنفاق الحكوميّ بعد نزع الأوقاف التي كانت تنفق عليه .

الأزهر في قبضة السلطة

لم يكن بمقدور الحكام أن يعزلوا شيخًا من شيوخ الأزهر، حتى كان التدخل الأول من السلطة السياسية فىي الأزهر عام 1812، إذ  قام محمد علي بتحديد إقامة الشيخ عبد الله الشرقاوي، ثم عين محمد علي الشيخ محمد الشنواني شيخًا للأزهر مخالفًا المشايخ الذين اختاروا الشيخ محمد الشنواني للمنصب بعد الشرقاوي. إلى ذلك، تم عزل الشيخ حسونة النواوي عام 1900، بعدما عارض اتجاه الحكومة في تعديل قانون المحاكم الشرعية، لكن بعد تضامن علماء الأزهر معه، تم تعيين الشيخ عبد الرحمن النواوي أحد أقاربه في المنصب. أما الشيخ عبد المجيد سليم تمت الإطاحة به أيضًا عام 1951، بعد أن وجه انتقادًا للملك فاروق، حيث قال من داخل مجلس النواب اعتراضًا على إسرافه "أتقتير هنا وإسراف هناك!!". وأعفي الشيخ إبراهيم حمروش من منصبه عام 1952 إثر خلاف بينه وبين الملك فاروق حول اشتغال العلماء بالسياسة.

الرئيس يعّين الشيخ

عبر العصور كان تعيين شيخ الأزهر يتم بالانتخاب من المشايخ، لكن في عام 1911 صدر قانون بتطوير الأزهر، وإنشاء هيئة لكباء العلماء. هذا القانون جعل الأزهر تحت سلطة الملك. واشترط أن يكون شيخ الأزهر عضوًا في هذه الهيئة. أما القانون رقم 15 لسنة 1927، فأعطى الملك الحق في تعيين شيخ الأزهر، لكن هذا الحق كان يشاركه فيه رئيس الوزراء أيضًا، وبهذه الطريقة عين الشيخ المراغي بعد خلافات بين الملك والحكومة. مكث المراغي في المشيخة عدة أشهر ثم استقال، وتم تعيين الشيخ الأحمدي الظواهري، بعد اتفاق الملك فؤاد وعدلي باشا يكن رئيس الوزراء. وفي عام 1930، بعد صدور الدستور الجديد، ألغى الملك قانون عام 1927، ليعود متفردًا بالحق في تعيين شيخ الأزهر. ثم صدر قانون آخر عام 1936، اقتصر فيه دور شيخ الأزهر على الشؤون الدينية والمشتغلين بها. ومن أبرز الحوادث في هذا السياق، ما حدث عام 1945، إذ أراد الملك تعيين الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخًا للأزهر ولم يكن عضوا في هيئة كبار العلماء، فقام الملك بتعديل القانون عبر مجلس النواب وأسقط هذا الشرط ثم قام بتعيين عبدالرازق. وبعد الثورة، أصدر جمال عبد الناصر قانون 103 لتنظيم الأزهر عام 1961، الذي ألغى هيئة كبار العلماء، وجعل لرئيس الجمهورية حق اختيار  شيخ الأزهر من مجمع البحوث الإسلامية الذي أُنشأ حينها.

الأوقاف التاريخية

أوقف الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بعض الأملاك للإنفاق على الأزهر، مثل الأراضي الزراعية والعقارات والأسواق، بحيث ينفق عائدها عليه، بدلا من أن يتم الإنفاق عليه من جيوب السلاطين، وحتى لا يتأثر الأزهر كلما تغير أحدهم. بالإضافة إلى ذلك كان الأثرياء يوقفون أموالهم للإنفاق على الأزهر، وبمرور الوقت كانت الأوقاف تتزايد باستمرار، لدرجة إنشاء ديوان خاص بها سمي "ديوان الأحباس" أي الأملاك المحبوسة للإنفاق عليه.

لم يكن الأزهر هو المسجد أو المدرسة الوحيدة التى توقف عليها الأوقاف ولكنه كان فيه مطلعها. فكان الأزهر أول مسجد تخصص له وقفية، خصصها الحاكم بأمر الله فى رمضان عام 400 هجريًّا. وكانت الأوقاف تحدد بالتفصيل أوجه نفقتها، مثل مرتبات الخطيب والأئمة والمؤذنين، وكمية من الحصر يتم شرائها سنويًّا، مع تحديد نوع الحصر وثمنها بالإضافة إلى تحديد القناديل والمصايبح وزخارف الأعمدة، وغيرها.

استمر  الأزهر في ظل هذه الأوقاف مستقلًا في عهد المماليك ثم الدولة العثمانية، فكان نتائج ذلك أنه لم يكن يخضع لنفوذ الباشاوات العثمانيين، أو القادة المماليك، وكان قادرًا على التدخل وإنذار الحكام عند اشتداد الظلم بالناس، عن طريق تعطيل الدراسة والتهديد بتوجيه الشعب ضدهم. وكان الأزهر أيضا حرًا في اختيار الدراسات والأبحاث والعلوم التي يدرّسها دون الخضوع لرقابة حكومية.

سحب الأوقاف

الأوقاف التي تنفق على الأزهر هى جزء من منظومة الوقف التي كانت منتشرة من قبل، وقد تم إخضاعها تدريجيًّا تحت سلطة الدولة بعد أن كان المجتمع هو من يسيرها. يقول الدكتور إبراهيم البيومي غام في كتابه الأوقاف والسياسة في مصر "الأوقاف إدارة أهلية مستقلة تعمل بمدأ التسيير الذاتي، وهذا ينطبق على الأعيان الموقفة والمؤسسات الموقوف عليها أيضًا، والواقف هو صاحب الحق الأصيل في وضع إدارة للوقف وتحديد وتحديد اختصاصاتها وصلاحياتها". يتحدث عن تفاصيل كثيرة تؤكد أن هناك علاقة طردية بين التحديث المؤسسي والزيادة التدريجية في إخضاع الأوقاف للإدارة الحكومية من ناحية أخرى، وقد تم هذا الإخضاع على 3 مراحل:

1. من عام 1851 إلى 1913، في ظل ديوان عموم الأوقاف الذي كان محدود الصلاحيات ولكنه بدأ التدخل خطوة بخطوة في شئونها، فكانت مهمة الديوان هي متابعة صرف الأوقاف في مصارفها، لكن كثير من التعديات حصلت على الأوقاف كأن يصرف جزء من مرتبات نظار الديوان من أموال الوقف. فيما بعد صارت هذه التعديات مقننة، وعندما كثرت إدارات الأوقاف وصار لها فروع في الأقاليم، تحول الديوان إلى نظارة في عام 1878. وفي الفترة من عام 1879 إلى 1893 أصدرت المحاكم الشرعية أحكام تجعل الخديوي إسماعيل ناظرا على نحو 360 وقفية من بينها رواق المغاربة وبعض أروقة الأزهر. و770 تقريرًا آخر لصالح الخديوي عباس الثاني ورئيس ديوان الأوقاف قبل عام 1900، لإدارة وقفيات أخري، حيث الغيت النظارة تجنبا لوقوعها تحت سيطرة الاحتلال البريطاني.

2. من عام 1913 إلى 1952، وفي ظل وزارة الأوقاف التى أعادتها الاحتلال وفيها تم دمج الأوقاف في الحكومة جزئيًّا. وفي ظل الأزمة المالية العالمية في الثلاثينيات حدث عجز في ميزانية الوزارة. كما أن نمو الجهاز الإدراي للوزارة ألقي على عاتقها أعبائا مادية. وتكررت حوادث السرقة والاختلاس من أموال الأوقاف، كما حدث في مديرية بني سويف عامي 1934 و1935. هذا كله أدى إلى إضعاف الثقة في وزارة الأوقاف وتراجع مساحة الوقف، ودفع الوزارة للارتباط أكثر بالبيروقراطية الحكومية.

3. من عام 1953 وحتى الآن، وهي مرحلة الإدماج التام للأوقاف في البروقراطية الحكومية، من بينها أوقاف الأزهر، حيث زال نمط الاستقلال النسبي وتحول إلى الدولة السلطوية، فكانت السياسات التالية:

1.  حل الأوقاف الأهلية ومنع إنشاء أوقاف جديدة سوى الأوقاف الخيرية، وتطبيق سياسة الإصلاح الزراعي التي تقضي بتوزيع الأعيان الموقوفة على مستحقيها.

2.  دمج كل الأوقاف في إدارة مركزية واحدة بعد أن كانت نظارة الأوقاف والديوان يديرون كل وقف على حدا، وكانو يتمتعون باستقلال نسبي داخل الحكومة.

3.  صار للوزارة الجديدة الحق في تغيير  الجهة التي يصرف إليها الوقف.

كانت الأوقاف مرتبطة بالفقه الإسلامي "اللامركزي" حتى صدر قانون الوقف الذي جعلها خاضعة لسلطة الدولة المركزية. وهكذا خضعت موارد الأزهر، التي كانت مصدر استقلاله، للدولة.

نتج عن عدم استقلالية الأزهر تناقضٌ في الفتاوى الصادرة عن المؤسسة

النتيجة.. الفتوى ونقيضها

عدم استقلالية الأزهر نتج عنها تناقض في الفتاوى، ليس فقط فيما يتعلق بالثورات، بل في نواحي مختلفة، كان أوضحها موقف الأزهر من السلام مع الكيان الصهيوني. فعندما تعرض السادات لهجوم شديد بعد إبرام معاهدة سلام مع الكيان الصهيوني في عام 1979، أصدر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، فتوى يجيز  فيها التصالح مع الكيان الصهيوني، مستدلًا بالآية القرآنية: "وإن جنحو للسلم فاجنح لها وتوكل على الله". كان من بين ما قاله جاد الحق "بدء المسلمين بالصلح جائز ما دام ذلك لجلب مصلحة لهم أو لدفع مفسدة عنهم ،كما أن قبول المسلمين لبعض الضيم جائز ما دام في ذلك دفع لضرر أعظم".  وقال أيضًا "نصوص اتفاقية السلام وملحقاتها لم تضع حقًا ولم تقر احتلالاً، وما كان لقلة من العلماء أن تنساق أو تساق إلى الحكم بغير ما أنزل الله وتنزل إلى السباب دون الرجوع إلى أحكام شريعة الله". وتخالف هذه الفتوي أخرى أصدرها  شيخ الأزهر حسن مأمون عام 1956، تحرّم التصالح مع الكيان الصهيوني، وجاء في هذه الفتوى أن "الصلح إذا كان على أساس رد الجزء الذي اعتدى عليه إلى أهله كان صلحًا جائزًا وإن كان على إقرار الاعتداء وتثبيته فإنه يكون صلحًا باطلًا، لأنه إقرار لاعتداء باطل وما يترتب على الباطل يكون باطلًا مثله".

نص الفتوى التى أصدرها مأمون تظهر حرصًا على الافتاء بعيد عن الآراء السياسية، إذ جاء في نصها: "ولأجل أن تعرف حكم الشريعة الإسلامية في الصلح مع اليهود في فلسطين المحتلة دون النظر إلى الناحية السياسية يجب أن نعرف حكم هجوم العدو على أي بلد من بلاد المسلمين هل هو جائز أم غير جائز؟ وإذا كان غير جائز فما الذي يجب على المسلمين عمله إزاء هذا العدوان؟ إن هجوم العدو على بلد إسلامي لا تجيزه الشريعة الإسلامية مهما كانت بواعثه وأسبابه، فدار الإسلام يجب أن تبقى بيد أهلها ولا يجوز أن يعتدي عليها أي معتد، وأما ما يجب على المسلمين في حالة العدوان على أي بلد إسلامي فلا خلاف بين المسلمين في أن جهاد العدو بالقوة في هذه الحالة فرض عين على أهلها".