الأزمنة التي خلقها الوباء

الأزمنة التي خلقها الوباء

ناصر الجعفري/ الأردن

لستُ خائفة. أقول لصديقي على الهاتف، إما أنا شجاعة أكثر مما يجب أو جاهلة أكثر من اللازم. يجيب ضاحكًا: بما أنك اعترفتِ بجهلك فعلى الأغلب الباقي تهور.

حقًا لستُ خائفة، مع أن آخر اجتماع واقعي حضرته يوم 11.3.2020 كان يوحي بأننا مقدمون على مجهول مخيف. زميلتي في العمل سألت: هل أنتم خائفون؟ كان جوابي قاطعًا وبلا تردد. لا.

وجد العالم نفسه بين ليلة وضحاها يعمل رقميًا. المعاينة الطبية رقمية، المواعيد رقمية، التدريس رقمي

بعدها بيوم واحد فقط، أغلق كل شيء في النرويج، وبدأنا العمل من البيوت. مع أنه ولغاية اللحظة لم تَفرِض النرويج حجرًا صحيًا شاملًا، ما زلنا قادرين على الخروج وقت ما نشاء، بشرط أن نراعي شروط السلامة والمسافة الآمنة بين الأشخاص.

اقرأ/ي أيضًا: عودوا أنّى كُنتم!

لم أستطع أخذ وقتي من الخوف فالاجتماع التالي سَيُقرر وبسرعة خاطفة يوم 16.03.2020 وبه تمت مناقشة اقتراح منصات بديلة للعمل واستكمال التدريس رقميًا. أنا الجاهلة بالتكنولوجيا وجدت نفسي بسرعة خاطفة أقوم بتنزيل الماسنجر لأنضم إلى المجموعات التي أنشئها معلمو المسرح، للتواصل وإنجاز التدريس افتراضيًا، ثم وبذات السرعة كان عليّ تنزيل برنامجيْ "Zoom" و"Face Time" لترتيب وحضور الاجتماعات الإسبوعية افتراضيًا. هكذا وبدون خطط مسبقة وجدت نفسي في قلب التكنولوجيا أعمل رقميًا، وأناقش رقميًا، ونضع الخطط رقميًا، ونُدرس رقميًا. خلال تلك الفترة لم أكف عن التساؤل لما كل هذا بما أن فترة الحجر إسبوعان فقط؟

كان التحدي خطيرًا، كيف تنجز التدريس المسرحي افتراضيًا، لأطفال من عمر أربع سنوات إلى عمر التاسعة عشرة؟ المسرح يحتاج إلى التواصل المباشر والعمل الجماعي!  لكن، وللمفاجأة، خلال الإسبوع الأول كان كل شيء جاهزًا وبدأنا بالتعليم فعليًا.

أنشئتْ مدرسة الثقافة التي أعمل بها قناة خاصة على اليوتيوب، وبدأنا بتحضير الأفلام والأغاني والبرامج والتمارين ومتابعة الطلاب والعمل المشترك معهم، كل هذا في إسبوع فقط! لم أعصف دماغي بحياتي كلها كما فعلت في تلك الأيام.

تُحسب لصالح كورونا هذه القفزة النوعية، نعم كوفيد 19 خرّب العالم ونشر الخوف وأزهق الأرواح لكنه قفز بالبشرية عشر سنين إلى الأمام، وسيأتي لاحقًا تقييم هذه التجربة. ربما لم يعد على الزمن أن يمشي سنة تلو الأخرى.

خلال أسبوعين أصبح كل شيء رقميًا، ليس في النرويج وحسب، بل في العالم أجمع. أكتب وعيني على سوريا، لكن الأخبار تأتي من هناك بالتفكير الرقمي أيضًا، هناك مدارس طبقته بالفعل.

هكذا وجد العالم نفسه بين ليلة وضحاها يعمل رقميًا. المعاينة الطبية رقمية، المواعيد رقمية، التدريس رقمي،  الاجتماعات رقمية، التخطيط والتقييم رقمي.

كل الأعمال التي لم نتخيل أن نقوم بها افتراضيًا بتنا نقوم بها من البيت.  حتى النادي الرياضي أغرقنا بالتدريب والتمارين أونلاين. الفن الغناء له دوره الرقمي كذلك، وهنا أذكر تجربة نرويجية موسيقية رائدة ـ بعد أقل من أسبوع على الحجر الصحي ـ تحت اسم "انظر شعلة الضوء" التي قادم بها فنان نرويجي بالاشتراك مع مجموعة من الفنانين والموسيقيين، كتابة وتلحينًا وعزفًا وغناء، ومن داخل البيوت كرسالة حب إلى العالم وتحد للوباء، وتشجيع على الصمود في الحجر المنزلي.

لكن بعد كل اجتماع افتراضي ورسائل لا تتوقف على الماسنجر، تأتي اقتراحات لكيفية أداء العمل كأفضل ما يكون، كنت أجد صعوبة بالعودة إلى الفيسبوك الذي بات يمثل الحياة الواقعية في زمن كورونا، وقراءة البوستات والمقالات المغرقة بالندب والنواح على هذا الزمن وما ستؤول إليه الأيام بعد الجائحة.

أشعر كأني في زمننين منفصلين. زمن كورونا الفيسبوكي، وزمن ما بعد كورونا الافتراضي. أدخل على الفيس بوك لأجد الجميع مشغولون بكورونا نادبين، مكتئبين، محذرين، واعظين، لاعنين هذه العزلة التي استطاعت قلة قليلة التكيف معها واستغلالها بالقراءة والكتابة والعمل على أشياء مؤجلة. نصائح وتحليلات وفيديوهات، وبالقليل من الذكاء تكتشف زيف ادعاءاتها وعدم صحتها.

ذكرني الفيسبوك هذه الفترة بقصة لتشيخوف تحكي عن شاب يوقظ عائلته في منتصف الليل ليُري أهله صورته في الجريدة وهو بغاية الفخر، لنكتشف أن هذه الصورة سببها أنه تعرض لحادثة وقعت له الليلة الماضية، حين علق بعربة فدهسته الخيل بحوافرها.

منذ بدء انتشار المعلومات عن الوباء، وبالتحديد بدءًا من اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية الكورونا وباء عالميًّا وأنا أعتبره عدوًا ضعيفًا، ضعفه ناتج من شدة وضوحه، على عكس ما يحدث مع الأعداء الحقيقيين، فعنصر المفاجأة هو ما ينقص هذا الفايروس الذي أرعب البشرية. كان واضحًا بطريقة مريبة، وهو يُعلن عداءه للجميع.

كورونا عدو ضعيف، ضعفه ناتج من شدة وضوحه، على عكس ما يحدث مع الأعداء الحقيقيين، لغياب عنصر المفاجأة

مع أني لم أكن أفكر إلا باللقاء المباشر بين هذا الوباء والفقر والجوع في سوريا، وباقي بقاع الأرض الجائعة. هل سيغلب الجوع كورونا هناك؟ وما الفرق بين الموت اختناقًا أو الموت جوعًا؟ على الأقل كوفيد 19 سيكون أرحم من أن يقتل عائلة بأكملها بينما الجوع يفعل.

اقرأ/ي أيضًا: كيف سيُعيدُ كورونا تشكيل الذهنيَّات في المستقبل؟

من جانب آخر، سوف يُجبر الإعلام على النظر إلى تلك الأماكن المنسية التي لم يتوقف الموت فيها عن حصاد أرواح أطفالها وشبابها منذ عشرات السنين. سينتهي كوفيد 19 قريبًا ولنا أن نأمل بهِبَاتٍ أخرى منه. نريد هبةً أخرى يا كورونا لعام 2030 الحالي: لا مزيد من الموت جوعًا هناك، وعليك السلام أيها الفايروس المعلّم حيث فشل كل المعلمين من قبلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كائنات نابلس التي لا تحتمل خفتها

العمى و"كورونا" والفقر.. رسائل الخوف