الأرجنتين بين التصويت والشارع: إصلاحات مايلي تشعل مواجهة سياسية واجتماعية
13 فبراير 2026
أقرّ مجلس الشيوخ الأرجنتيني مشروع إصلاحات سوق العمل الذي تقوده حكومة الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي، بعد جلسة نقاش مطولة، وانتهت بتصويت 42 عضوًا لصالح المشروع مقابل 30 معارضًا. ويُحال القانون الآن إلى مجلس النواب لاستكمال المسار التشريعي، في خطوة اعتُبرت تقدمًا أساسيًا في تنفيذ الأجندة الاقتصادية الليبرالية التي يتبناها الرئيس منذ وصوله إلى السلطة في كانون الأول/ديسمبر 2023.
جلسة مشحونة واحتجاجات متصاعدة
الجلسة التي انعقدت في مقرّ الكونغرس في بوينس آيرس جاءت وسط أجواء مشحونة داخل القاعة وخارجها. ففي الوقت الذي كان فيه الشيوخ يناقشون تفاصيل المشروع، كانت آلاف الأصوات ترتفع في الشوارع المحيطة رفضًا لما تعتبره النقابات والقوى المعارضة "هجومًا مباشرًا على حقوق العمال". وانتهى النقاش البرلماني بإقرار الحزمة بعد إدخال تعديلات على بعض البنود، من بينها حذف مقترح خفض ضريبة الدخل، والإبقاء على آلية تحصيل الاشتراكات النقابية، في محاولة لامتصاص جزء من الاعتراضات.
فعّلت وزارة الأمن ما يُعرف ببروتوكول مكافحة قطع الطرق، ونشرت وحدات آلية، وعزّزت الطوق الأمني، إلى جانب استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع
ولم تكن الاحتجاجات ردّ فعل لاحقًا على التصويت فحسب، بل سبقت الجلسة ورافقتها واستمرّت بعدها، إذ دعت النقابات العمالية إلى تظاهرات حاشدة قبل موعد التصويت للضغط على المشرّعين، فيما تجمّع آلاف المحتجّين أمام مبنى البرلمان خلال المناقشات. ومع إغلاق الطرق المؤدية إلى الكونغرس، اندلعت مواجهات مع قوات الأمن، ألقى خلالها متظاهرون الحجارة، بينما ردّت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق التجمعات. وأسفرت الاشتباكات، وفقًا لما نقلته صحيفة "إنفوباي" الأرجنتينية، عن توقيف ما لا يقل عن 37 شخصًا وإصابة عشرة آخرين قرب مبنى الكونغرس.
ويتضمن مشروع الإصلاحات تعديلات جوهرية على قوانين العمل المعمول بها منذ عقود، من خلال تسهيل إجراءات التوظيف والفصل، وتعديل آلية احتساب تعويضات نهاية الخدمة، وتوسيع هامش تنظيم ساعات العمل، إضافة إلى فرض قيود على حق الإضراب عبر إلزام بعض القطاعات باستمرار حد أدنى من الخدمات خلال التوقف عن العمل. كما يفتح الباب أمام دفع الرواتب بعملات أجنبية، في سياق توجه حكومي أوسع نحو تحرير الاقتصاد وتقليص القيود التنظيمية.
تشديد أمني وتصعيد نقابي بعد إقرار الشروع
في هذا السياق، فعّلت وزارة الأمن ما يُعرف ببروتوكول "مكافحة قطع الطرق"، ونشرت وحدات آلية، وعزّزت الطوق الأمني، إلى جانب استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى تعطّل حركة المرور في وسط العاصمة لعدة ساعات.
وندّدت النقابات العمالية الرئيسية، وفي مقدّمها الاتحاد العام للعمال (CGT)، بما وصفته بتجريم الاحتجاج الاجتماعي، وأعلنت عن تحرّكات تعبئة جديدة ضد الإصلاحات، في يوم برلماني اتّسم أصلًا بتوترات سياسية واجتماعية حادّة.
وبعد تمرير المشروع في مجلس الشيوخ، استمرت التحركات في العاصمة ومدن أخرى، في إشارة إلى أن المعركة حول القانون لم تنتهِ بعد، خصوصًا مع انتقاله إلى مجلس النواب. ويقول معارضو المشروع إن الحزمة ستجعل الوظائف أكثر هشاشة في بلد يعمل نحو 40% من قواه العاملة خارج إطار العقود الرسمية، معتبرين أن تسهيل الفصل وتقييد الإضراب يضعف الحماية الدستورية التي يتمتع بها العمال. كما حذّرت منظمات نقابية من أن التعديلات قد تنتهك المعايير الدولية المتعلقة بالحرية النقابية وحق التنظيم، في إشارة إلى اتفاقيات صادقت عليها الأرجنتين سابقًا.
دفاع حكومي عن الإصلاحات
في المقابل، تدافع الحكومة عن المشروع باعتباره ضرورة اقتصادية. ويؤكد الرئيس مايلي أن قوانين العمل الحالية تعرقل التوظيف الرسمي وتثني المستثمرين، مشددًا على أن الإصلاحات تمثل "نقطة تحوّل" في تاريخ العمل بالأرجنتين، وأنها ستسهم في تقليص البيروقراطية وجذب الاستثمارات وتعزيز النمو. ويرى مؤيدوه أن موافقة مجلس الشيوخ تبعث رسالة طمأنة للأسواق وتُظهر قدرة الحكومة على تمرير تشريعات أساسية رغم افتقارها إلى أغلبية مريحة في البرلمان.
هذه السياسات أثارت موجات احتجاج متكررة منذ نهاية 2023، شارك فيها متقاعدون وطلاب جامعات ونقابات عمالية، احتجاجًا على تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر في ظل إجراءات التقشف
ويندرج هذ المشروع ضمن برنامج اقتصادي أوسع أطلقه مايلي منذ توليه الرئاسة، يقوم على التقشف المالي الحاد وتقليص دور الدولة في الاقتصاد. فقد شملت سياساته خفضًا كبيرًا في الإنفاق العام، ورفعًا للدعم عن الطاقة والنقل، وتقليصًا لمخصصات التعليم والتقاعد، وتسريح آلاف الموظفين في القطاع العام، إلى جانب السعي نحو تحرير الأسواق وتشجيع الاستثمار الأجنبي. وكان من أبرز وعوده الانتخابية التوجه نحو "دولرة الاقتصاد"، رغم أن هذا الهدف لم يُنفَّذ بالكامل حتى الآن.
سياسات تقشف مثيرة للجدل
غير أن هذه السياسات أثارت موجات احتجاج متكررة منذ نهاية 2023، شارك فيها متقاعدون وطلاب جامعات ونقابات عمالية، احتجاجًا على تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر في ظل إجراءات التقشف. وتتهم قوى المعارضة الحكومة بتعميق الركود الاقتصادي وتوسيع الفجوة الاجتماعية، فيما تصرّ الرئاسة على أن الإجراءات مؤلمة لكنها ضرورية لخفض العجز وكبح التضخم المزمن واستعادة الاستقرار المالي.
وبينما ترى الحكومة في الإصلاحات خطوة حاسمة نحو تحديث الاقتصاد، يعتبرها منتقدوها إعادة صياغة جذرية للعقد الاجتماعي القائم منذ عقود. ومع اقتراب المشروع من مرحلة حاسمة في مجلس النواب، تبدو الأرجنتين أمام اختبار سياسي واجتماعي جديد، يتجاوز حدود قانون العمل ليطال طبيعة النموذج الاقتصادي الذي ستتبناه البلاد في السنوات المقبلة.
مواقف أيديولوجية مثيرة للجدل
ويُعرف الرئيس الأرجنتيني مايلي بمواقفه الأيديولوجية الحادّة وخياراته السياسية والدينية غير التقليدية، إذ جدّد، بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دعمه العلني لإسرائيل، معلنًا عزمه زيارتها "لشكر الرب ودعم إخوته في محنتهم"، وفق تعبيره. وكان مايلي قد كشف في وقت سابق عن نيّته اعتناق الديانة اليهودية وترك المسيحية، في سياق علاقة روحية وفكرية بدأت بعد لقائه بالحاخام الأكبر للجالية اليهودية المغربية في الأرجنتين، شمعون أكسل واهنيش، في حزيران/يونيو 2021، حيث قرأ التوراة وأعلن آنذاك أن اليهودية هي الأقرب إلى قلبه وعقله.