الأرباح قبل الأرواح أحيانًا

الأرباح قبل الأرواح أحيانًا

استفاد الملياردير ساويرس من الفساد في النظام المصري (فيسبوك)

في عام 1996 أنشأت مصر أول شبكة اتصالات لاسلكية، وكانت مملوكة بالكامل للدولة حتى عام 1998، حيث وصل عدد مشتركيها إلى 80 ألف مشترك، لتقرر الدولة خصخصتها بالكامل، وعلى الرغم من تقدم أحد المستثمرين الأمريكيين للصفقة إلا أنها ذهبت إلى شركة أخرى تم تأسيسها قبل الإعلان عن الصفقة بفترة قصيرة، ورغم أن عرضها كان أقل من العرض الأمريكي بمبلغ 600 مليون دولار فقط لأن صاحبها كان رجل الأعمال الشاب نجيب ساويرس.

لعقود طويلة حاولت الطغمة الاقتصادية في مصر تجميل وجهها القبيح بدعم الثقافة والفن وبعض المواقف العنترية سياسيًا وإعلاميًا، التي أوضحت الأيام أنها محض كذب

كانت هذه الصفقة محل عدد كبير من الاستجوابات البرلمانية إبان حكم الرئيس الفاسد الراحل حسني مبارك، إلا أنها جميعًا لم تستكمل بسبب ضغوط سياسية عليا، ولكنها فضحت الكثير من تفاصيل دولة الفساد التي كان ساويرس أحد أبنائها المخلصين.

اقرأ/ي أيضًا: ما لن تراه إلا في المساكن الشعبية

وقد كشف النائب السابق محمد البدرشيني في استجوابه أن "بيل مارتن" ممثل إحدى شركات الاتصالات الأمريكية، عندما وصل إلى مصر لإتمام الصفقة، قام بزيارته في الفندق الوزير طلعت حماد برفقة رجل الأعمال الشاب، وقال له الوزير إن الحكومة المصرية ترحب بتعاونه في المشروع إلا أن هذا التعاون سيكون مع نجيب لأنه "مشروع ساويرس"، وبالفعل رست العملية عليه بعرض أقل من العرض الأمريكي.

تقول وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية السابقة ميرفت التلاوي، في حوار لها، لقد قامت الوزارة بشراء ربع أسهم الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول "موبينيل" بأموال التأمينات والمعاشات، بهدف ضخ "الربح الضخم" للشركة والإنفاق على أصحاب المعاشات، إلا أنهم أجبروني على بيع الأسهم لنجيب ساويرس، وهو تقريبًا ما حدث مع أسهم كل من الهيئة القومية للاتصالات وبنوك الأهلي ومصر والقاهرة والإسكندرية، والتي اشتراها ساويرس بربع قيمتها الاسمية عند الإصدار بقيمة 2.6 جنيه.

وبعد ذلك قام رئيس الوزراء، كمال الجنزوري، باستخدام سلطاته للضغط على البورصة لقيد الشركة بالمخالفة للقانون الذي اشترط مرور عامين على إنشاء الشركة ونشر ميزانيتها قبل قيدها، ليقفز السهم الذي اشتراه نجيب بمبلغ 260 قرشًا إلى 26 جنيهًا في ثاني يوم لتداوله، ويستمر في القفز داخل البورصة إلى أن وصل إلى 180 جنيهًا عام 2000، وفي عام 2002 أي بعد 4 سنوات من الصفقة أعلن النائب، سيف محمود، في استجوابه أن ساويرس ربح 5 مليارات جنيه إضافة إلى 770 مليون جنيه اقترضها من البنوك، مقابل مليار و200 مليون دفعها لشراء الرخصة.

تذكرت هذه القصة وقصصًا أخرى تخص الملياردير ساويرس منذ انفجار أزمة تفشي وباء فيروس كورونا، ومواقفه وتصريحاته المخزية والمخجلة خلال الأزمة، فبدلًا من رد الجميل للدولة والعمال الذين كان لهم الفضل في تكوين ملياراته راح يولول على وقف المصانع والمطالبة بعودة العمال الذين حبسوا في الحجر الصحي، الذي ربما يكون الوسيلة الوحيدة لتخفيض حجم الخسائر في الأرواح من الوباء.

الأرباح قبل الأرواح، هكذا باختصار لخّص ساويرس فلسفة البرجوازية المصرية، التي لطالما تغذت على دماء الناس وأرواحهم كالذباب والناموس. عقود من الفساد كنّزوا خلالها مليارات الدولارات، من صفقات فساد واحتكارات وتهرب ضريبي وتهرب من حقوق العمال، وعندما حلّت بالناس كارثة غير مسبوقة، لم يعنيهم حياة هؤلاء البشر ولا حياة أبنائهم.

لعقود طويلة حاولت هذه الطغمة تجميل وجهها القبيح بدعم الثقافة والفن وبعض المواقف العنترية سياسيًا وإعلاميًا، التي أوضحت الأيام أنها محض كذب، فجلها هو جزء من الاستحقاقات الضريبية التي ينهبها هؤلاء، أو معارك سياسية لصالح بعض الأطراف التي سهلت وتُسهل لهم حلب الثروات.

كم ستنخفض ثروة الملياردير ساويرس البالغة أكثر من 3 مليارات دولار إذا استمر بدفع رواتب عماله لشهرين إلى أن تمر الأزمة؟ وماذا سيحدث لأسر هؤلاء العمال والموظفين إذا فقدوا معيلهم نتيجة الإصابة بالفيروس؟ إنها مقارنة مؤلمة توضح مدى الانحطاط الذي بلغ بهؤلاء.

الغريب أن الدولة في ظل هذه الأزمة الطاحنة لم تنظر إلى المهمشين والمسحوقين تحت أقدام هذه البرجوازية العفنة، وبدلًا من إلزام هؤلاء المليارديرات بدعم والإنفاق على موظفيهم، وإلزامهم بجزء من جهود مكافحة ومواجهة الخطر الداهم الذي تواجهه البلاد، راحت تدعمهم بالجزء الأكبر من المبالغ المخصصة لمواجهة الكارثة، وتركت غالبية الشعب تواجه مصيرها وحدها، وتركت الفئات الأضعف في مواجهة وباء فتاك وأصحاب عمل ملئهم الجشع.

إن مطالبة ساويرس وأمثاله بالتضحية بالناس تفاديًا لوقف زيادة ثرواتهم كشف الوجه الحقيقي لتلك الفئة المنحطة التي لطالما تظاهرت بالثقافة والتنوير والإنسانية، ولنتذكر تصريح الملياردير أثناء أزمة اللاجئين عام 2015 عندما غرّد قائلًا: "سأخاطب حكومتي اليونان وإيطاليا ليبيعوا لي جزيرة يكون سعرها بين 10 ملايين و100 مليون دولار. سوف أعلن استقلالها وأستقبل اللاجئين، وأوفر وظائف لهم، وستكون هناك مساكن مؤقتة لإيواء الناس، ثم نبدأ بتشغيل الناس وبناء منازل ومدارس وجامعات ومستشفيات". بعد مرور قرابة 5 سنوات، دعونا نسأله: أين جزيرة اللاجئين؟ 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عصابة "باشاوات" مصر و"رعاع" البلد