24-أكتوبر-2021

كومة من الصحف مع سلسلة معدنية (Getty)

 

يُعرّف أفلاطون الإنسان بالحيوان السياسي، والسياسة التي يقصدها أفلاطون تعني الإحساس بالارتباط بمجتمع ما، والوعي بالنسبة لوضع الجماعة ومصيرها، والإحساس بالمسؤولية الفردية، في مواجهتها... ووجوده في المجتمع الذي يعتبر هو أحد خلاياه يحيا به ويستمد منه معنى وجوده، وهذا الوعي هو الذي يسمى بالسياسة.

من لم يفهم الواقع السياسي فقد فاته فهم معظم الأعمال الأدبية والفنية، وأصبح بشكلٍ أو آخر مجرد آلة للقراءة دون وعي وفلترة وإسقاط على الواقع

وإذا عرفنا أن الإنسان هو المشترك بين الأدب والسياسة، فهذا يعني أن كل محاولة فك ارتباط بين الأدب والسياسة تبدو متعسرة، وغير قائمة على أسسُ تمتلك ثباتها، خصوصًا إذا عرفنا أن هنالك حقلًا يسمى بالأدب السياسي، هذا بالإضافة إلى الخطر الذي يمثله هذا النوع والدور المحوري الذي يلعبه في نهضة الشعوب؛ فهو في كثير من الأحيان يمثل خطرًا على السياسة فهو يشير الى مكامن الخطأ ويشحذ فكر القارئ، ويذكي فيه قوة الرفض.

اقرأ/ي أيضًا: أدب سالي روني.. الحميمية والأيديولوجيا إذ تجتمعان في كتاب

في مقال شهير عنوانه "لماذا أكتب" تحدث جورج أورويل عن أربعة حوافز أو أهداف للكتابة، كان رابعها هو "الهدف السياسي": "الرغبة في دفع العالم في اتجاه معين؛ لتغيير أفكار الآخرين حول نوع المجتمع الذي ينبغي عليهم السعي نحوه.. لا يوجد كتاب يخلو من التحييز السياسي، الرأي القائل إنَّ الفن ينبغي ألا يربطه شيء بالسياسة هو بحد ذاته موقف سياسي". هكذا يبدو الأدب عند من يقرأ أعمال أورويل خصوصًا روايته 1984، بالإضافة إلى مزرعة الحيوان إذ كانتا أعمالًا تكشف وتضيء وتفضح الواقع السياسي المعاش والذي سوف يعاش.

وفضلًا عن رؤية أورويل الواقعية فإن أعمال المؤمنين بنظرية الفن للفن نجد ذلك النفس السياسي والاحتجاجي في أعمالهم الفنية، حتى لتغدو السياسة واقعًا يفرض نفسه في كل المجالات وتنشر روحها على كامل الجسد الاجتماعي، ذلك الجسد المريض الذي يجبر أطباءه على ولوج عالم السياسة ونظرياتها، وهكذا الأمر مع الشاعر والرسام والسينمائي.

كل عمل يُنتج هو احتجاج على الواقع وبحثٍ عن واقعٍ أجمل يليق بالإنسان، وهذا يؤدي بنا إلى قاعدة معيارية تقول: من لم يفهم الواقع السياسي فقد فاته فهم معظم الأعمال الأدبية والفنية، وأصبح بشكلٍ أو آخر مجرد آلة للقراءة دون وعي وفلترة وإسقاط على الواقع، يقرأ لأجل القراءة لا غير هاربًا من السياسة وفهمها المعقد ليبدو وجوده مجازيًا بحسب تقسيمات هايدغر (الوجود المجازي والحقيقي)، غير مؤثرًا أو متأثرًا بالواقع كائن غير مرئي مجرد رقم، ومن هنا يقول سارتر: إن الوجود المجازي من صنع الطبيعة أو الله وإننا بأنفسنا نصنع الوجود الحقيقي، الوجود الحقيقي هو ماهيتي وهويتي الإنسانية وشخصيتي الثقافية، وكل من يملك شخصيته الثقافية الخاصة، إنسان مستقل ومنتج، والإنسان المنتج هو الذي يصنع الفكر والأيديولوجيا.

كل عمل يُنتج هو احتجاج على الواقع وبحثٍ عن واقعٍ أجمل يليق بالإنسان

وهكذا يبدو الأديب أو السينمائي أو الكاتب المسؤول مكبلًا بأصفاد السياسة تدفعه مسؤوليته الأخلاقية لذلك، فإذا كان يكتب متجردًا من واقعه المعاش وأزماته السياسية والاجتماعية والاقتصادية فهو يمارس عملًا سياسيًا غايته تصدير الأزمات وخلق أرضية مزروعة بالأفيون، تحال معاجلة الغضب الناشئ على الأوضاع واستئصاله من جذوره، وإذا كان يحاول فتح عيوننا على الواقع ويحتج عليه من خلال السينما والمسرح والشعر والرواية، فهو أيضًا يمارس عملًا سياسيًا يحاول بث القوة ويذكي نار الاحتجاج في مجتمع مشلول وأعمى ومتحجر، وهنا على سبيل المثال نتساءل لماذا شملت محرقة الكتب التي قام بها هتلر رواية "المسخ" لفرانز كافكا ألم تكن روايته العظيمة وثيقة احتجاجية ضد الظلم الاجتماعي والسياسي، ولماذا مرر فولتير ومونتسكيو أفكارهما المنتقدة لسياسة السلطة عبر المسرح والشعر.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا درس كبار الكاتبات والكتاب العرب؟

ألا تجعلنا هذه الحادثة والأخبار التي نسمعها بين الحين والآخر عن الروايات التي تمنع في معارض الكتب أن نعيد النظر بفك الارتباط بين السياسة والادب، والتي صارت مبررًا للدفاع عن شخصيات متملقة للصوص والقتلة وتريد ان تحجز لها مقعدًا في عالم الأدب، فالكثير من الشخصيات وفي معرض دفاعها عن هذه النماذج يستخدم هذا التبرير بحيل ممزوجة ببعض الاحتيال، ومجردة من المسؤولية الأخلاقية، فحينما يدافعون يقولون أحبهُ شاعرًا وروائيًا لكن أنا لا أفهم بالسياسية حتى أمحص مواقفه السياسية والأخلاقية الطافحة بالبذائة والقبح.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قراءة الأدب: الإحساس بجمال اللغة كقيمة معرفية

تُرجم بتصرف!