الأخوان رحباني.. حفريات المجد والألم

الأخوان رحباني.. حفريات المجد والألم

الأخوان رحباني في سالف أيامهما

مسيرة طويلة مليئة بالحكايات، والمشاريع، والأعمال الفنية التي مازال صداها يتردد حتى اليوم. لكن تلك المسيرة كانت محفوفة بالأمل أحيانًا والألم أحيانًا أخرى. في كتابه "في رحاب الأخوين رحباني – منشورات درغام" حاول الشاعر هنري زغيب تقصي سيرة الأخوين رحباني: عاصي ومنصور من خلال ما رواه له منصور رحباني في حوارات طويلة جمعتهما. وهذا الكتاب يحاول بشكلٍ أو بآخر التأصيل للمسيرة الرحبانية من خلال مرحلة البدايات وما تبعها من أحداثٍ ومواقف على الصعيد الشخصي والفني.

يتقصّى كتاب "في رحاب الأخوين رحباني" السيرة الذاتية من خلال ما رواه منصور الرحباني للمؤلف

بالرغم من أن الكتاب هو توسيع لكتاب زغيب السابق "طريق النحل – مطبعة رعيدي" إلى أن هذا الكتاب أُضِيف إليه رصيد أكبر من الصور بالإضافة إلى فصلٍ مستقل عن منتج منصور بعد عاصي. منذ صفحات الكتاب الأولى نجدُّ أن هناك تقاطعًا واضحًا بين الأعمال الفنية الرحبانية والنشأة الأسرية؛ فالوالد حنا من حي "عين السنديانة" في الشوير. وقد أراد أن يصبح صائغًا ماهرًا لكن تلك المهنة لم تكنْ تدّر عليه المال فتحول من صائغ إلى "قبضاي" تلك المهنة التي انتشرت وقتها. لذلك نجدُّ أن أعمالًا مسرحية فيما بعد حفلت بتلك الشخصية مثل: مسرحية "لولو"، وفيلم "سفر برلك".

لكن الوالد سرعان ما وصل إلى "أنطلياس" واستقر فيها متخذًا من بقعةٍ على فوار أنطلياس مقهى جعله ملتقى الفارين من حكم الإعدام العثماني. كما كان الوالد صارمًا بخصوص الآداب العامة فمنع الرقص ومخالطة الجنسين أثناء الجلوس. وكانت جدّة الأم غيتا ذات شخصية قوية تم تخليدها في أغنية "ستي من كحلون". مع سيرة "عنترة" وألحان بزق أبي عاصي تفتّحت مخيلة الصبيين، وبدأ عاصي في اختراع عدّة شخوص وهمية داخل حلقاتٍ درامية غير منتهية، ومع أصوات الطبيعة وحفيف الأشجار والحيوانات في الخارج تشكلت تلك الموهبة الفنية الخصبة.

يقول منصور: "جرت الحادثة الكمان مع عاصي. فذات يوم من صيف 1938 وجد عاصي ورقة عشر ليرات على أرض المقهى. أخذها لوالدي فزجره وقال: "هذه لها أصحاب. نعلقها هنا على الحبل حتى يعود صاحبها فيستردها". وعندما لم يأتِ أحدٌ بعد عدّة أيام، أخذها عاصي ونزل إلى بيروت واشترى كمانًا عتيقًا ثم بدأ في العزف عليه.

لم تتوقف موهبة عاصي عند الكتابة فقط بل أخذت تتفتح بإصدار مجلة "الرياض" المدرسية في عام 1938 بعنوان: "الحرشاية – مجلة أسبوعية فكرية اجتماعية فنية" ويبدو أن ذلك استفز منصور أيضًا فقام بإصدار مجلة "الأغاني". ثم جاء دور الأب بولس الأشقر الأنطوني الذي علَّم كل منهما أصول الموسيقى والفنون. فقد علمهما كيفية كتابة النوتة الموسيقية والمقامات الشرقية إلى جانب الاطلاع على مكتبته الثرية. لكن يبدو أن الانتقال من مرحلة النغم إلى الكلمة والمشاركة في مسرحيات أنطلياس الأولى لم يلقَ النجاح الكافي. ويذكر منصور أن تلك المسرحيات انتهت بضرب عاصي وهرب في بساتين الليمون.

الفترة التي قضاها الأخوان رحباني في البوليس أثرت فيهما بشدّة، نرى ذلك من خلال شخصيات درامية في مسرحيات عدة

يُمكن القول إن هذا الكتاب يركز على ذلك البعد الإنساني في مسيرة الأخوين رحباني من خلال لغةٍ مكثفة ومشاهد متتابعة أشبه بشريط السينما فهناك احتشاد واضح لشخوص عدّة ومحطات ومواقف على طول هذا الشريط نذكر منهم: خليل مكنية، وتوفيق الباشا، وتوفيق سكّر، وكذلك مدرس الفنون الجميلة الفرنسي برتران روبيار.

وكما لعبت شخصيات الطفولة المحكية دورًا في المسرحيات الغنائية نجدُّ أيضًا أن تلك الفترة التي قضاها كل من عاصي ومنصور رحباني في البوليس أثرت فيهما بشدّة، وذلك من خلال شخصيات درامية في مسرحيات: "بياع الخواتم"، و"المحطة"، وفيلم "بنت الحارس".

لم تكن تلك الوظيفة محببة لهما فقد استقالا بعد فترة منها ليتفرغا للعمل الفني. في أنطلياس مرةً أخرى كانت نقطة الانطلاق من خلال نادٍ ثقافي رياضي، ومن خلال تلك الحفلات البسيطة تشكلت ظاهرة ما يُسمى "الأخوين رحباني" من خلال وضع أغنية قصيرة لا تتعدى الدقائق الثلاث فيما كمية السكّر المركزة في الثمرة الواحدة.

ثم تشكلت نواة المسرحية الغنائية بعد ذلك من خلال عدّة أعمال بسيطة ذات طابع درامي متصاعد أمثال: "عذارى الغدير"، و"تاجر حرب"، وكذلك أغنيات: "سلمى"، و"مشي معي نلاقي القمر"، و"نحن دجاجات الحب"، و"عدنا رأيناها" وغيرها من الأغنيات التي راجت فيما بعد وسُجِلتْ على أسطواناتٍ بأصوات سلوى، وسميرة توفيق ونهاد مشعلاني.

انتقل عاصي ومنصور إلى الإذاعة اللبنانية بعد نصيحة من إيليا أبو الروس، ثم ميشيل خياط الذي أحبَّ لونهما الجديد وقرر عرضهما على لجنة مختصة في الإذاعة تشكلت من: ميشال خياط، ونقولا المني، وجورج فرح، وحليم الرومي.

تفاعلت اللجنة مع الأغنيات التي قدّموها في وقتٍ شاعت فيه المطولات الغنائية والبدوية وبدأ التسجيل مع الإذاعة بصوت الشقيقة سلوى التي عُرِفتْ باسم "نجوى". وبعد التفرّغ التام للإذاعة والتعيين فيها كان لا بد من لحظةٍ فاصلة في حياة الأخوين رحباني ليتغير عندها مسار الوهج الفني، وبالفعل تعرّف عاصي الرحباني على الصبية نهاد حدّاد عن طريق حليم الرومي بعدما كانت "كورس" لأناشيد فرقة "فليفل".

يقول منصور: "من الناس من يجيئون متوجين منذ الإطلالة الأولى. هكذا جاءت فيروز ذاتُ الصوت المتفرّد. انضمت إلينا. أصبحنا ثلاثة. راح صوتُها يخترق الحواجز العاطفية وأخذ في لاوعي سامعيه يُرسي الأفكار التي يحملها. كانت فيروز هي المنتظرة لاكتمال المسيرة الرحبانية وانطلاقها إلى أبعد، وسينعكس حضورها الآسر إيجابيًّا فيما بعد على حركتنا المسرحية". ثم تتعدد الأعمال الغنائية المسرحية والسينمائية والغنائية الناجحة بعد ذلك.

محطة أخرى في الكتاب ينبغي الوقوف عندها حيث زمن المهرجانات. يروي منصور كيف كانت مشاركتهم الأولى في مهرجانات "بعلبك" صيف 1957 بعد السهر الطويل ونسج برنامج بعنوان "أيام الحصاد". غنّت فيروز "لبنان يا أخضر حلو عَ التلال" فانفجر الجمهور في التصفيق ما بين الغبطة والبكاء والذهول. بعد ذلك تتابعت الأعمال المسرحية الناجحة بدايةً من "موسم العز – 1960"، و"البعلبكية – 1961"، و"جسر القمر – 1962"، و"الليل والقناديل – 1963"، و"دواليب الهوا – 1965" وغيرهـا.

منصور الرحباني: من الناس من يجيئون متوجين منذ الإطلالة الأولى. هكذا جاءت فيروز ذاتُ الصوت المتفرّد

كما ضمَّت مسيرة الرحابنة ثلاثة أفلام سينمائية هي: "بيّاع الخواتم – 1965"، و"سفر برلك – 1967"، و"بنت الحارس – 1968". ولا تتوقف الحكاياتُ هنا بل يُطّعم الكتاب بأدوار هؤلاء الذين لعبوا دورًا بارزًا في المسيرة الرحبانية أمثال: الشاعر سعيد عقل الذي وقف بجانبهما كثيرًا، وكذلك نصري شمس الدين الذي يُعدّ كلمة السر في المسرح الغنائي الرحباني، وكذلك صبري الشريف صاحب الفضل الكبير في الإذاعة والمهرجانات الشعبية، وأيضًا الشاعر بشارة الخوري، وفيلمون وهبي صاحب الاسكيتشات الأولى "سبع ومخوّل"، والألحان الفيروزية التي لا تُنسَى. وحكايات عن وديع الصافي صاحب الصوت الجهوري، وجورج شحادة، وميشيل طراد، وصباح، والموسيقار محمد عبد الوهاب صاحب الفضل الأكبر على الموسيقى العربية من وجهة نظرهما، وأخيرًا إلياس الرحباني الشقيق الأصغر ومتمم الحلقة.

مع تلك الصور الحياتية والمحطات داخل الكتاب نصل إلى محطة عاصي الأخيرة، وخصوصًا بعد العملية الجراحية الأولى والإصابة بانفجار شرايين المخ. وجد عاصي صعوبة في التركيز، ولم تكن المهمة يسيرة في متابعة الأعمال المسرحية وقتها. أعمالٌ اتسمت بنوستالجيا خاصة ونكهة لا يُمكنْ افتكاكها من حلقة الذاكرة منها: "ناطورة المفاتيح – 1972"، و"المحطة – 1973"، لكن تلك الأعمال بدأت تشهد طيف عاصي المُقترب من نهايته، وبالفعل في عام 1986 فارق عاصي الحياة بعد هذا الإرث الهائل. ثم تأتي الفصول الأخيرة من الكتاب عن حياة منصور بعد عاصي والتي شهدت بعض أعماله المسرحية: "صيف 840"، و"المتنبي"، و"المسيح"، و"جبران" وغيرها.

يختتم زغيب الجزء الأخير من الكتاب بمجوعة من النصوص المسرحية، وكلمات الأغنية التي شدت بها فيروز منذ مطالعها الأولى في الإذاعة اللبنانية مع الأخوين عاصي ومنصور رحباني. إنها سيرة أشبه بجريان المراكب الورقية في عرض النهر، تلك المراكب البسيطة الجامحة التي لا يُعكِر صفوها سوى بعض الصخور.

اقرأ/ي أيضًا:

فــيـروز.. عتبات البـهـجة

فيروز ليست صنمًا