الأب ميشيل صباح في فيلم

الأب ميشيل صباح في فيلم "بطريرك الشعب".. أمل وبقاء ومقاومة

من الفيلم

على خلفية الترانيم الكنسية والشموع تقتحم كاميرا محمد العطار في فيلم "بطريرك الشعب" عزلة بطرك القدس الفلسطيني ميشيل صباح في تقاعده الطوعي، لتعيدنا إلى أبرز حيوات الرجل الذي قدر له أن يجمع في شخصه بين رجل الدين المهموم بخلاص أرواح رعاياه، ورجل الحياة المأخوذ بدفاعه عن حقهم في العيش بحرية وكرامة.

لا يمكن للمرء فهم مواقف الأب صباح من حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، إلا في وضعه ضمن إطاره الأشمل الذي صبغ لاهوت التحرير

يذهب الأب ميشيل صباح بعيدًا في تحطيم الصورة النمطية العالقة في ذهننا عن رجل الدين المسيحي، المأخوذ بمملكة السماء على حساب مملكة الأرض تيمنًا بقول المسيح الشهير "مملكتي ليس من هذا العالم"، لنعثر عليه رجلًا منخرطًا في الحياة بكل جوراحة. ذلك أنه إذ ينفي عن نفسه الطابع المهني لرجل السياسة كما رجل الحرب "أنا لست سياسيًا، ولا محاربًا، ولا مناضلًا" فإن يعود إلى جميع ذلك من باب الحياة ذاتها، التي يؤثر أن يدخلها على ما يبدو من باب المسؤولية، مسؤوليته عن هموم رعاياه كما شعبه، وتطلعاتهم إلى الحياة الكريمة: "أنا رجل دين مسيحي، مسؤول عن رعية وهي مسؤولية شاملة للإنسان، فحيث يكون هناك ظلم، احتلال، فإن مسؤوليتي تقتضي الإشارة إلى ذلك".

اقرأ/ي أيضًا: "حب وسرقة ومشاكل أخرى".. ملهاة فلسطينية

لا يمكن للمرء فهم مواقف الأب صباح من حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، الذي عبّر عنه عقب ترسيمه بطركًا للقدس من قبل غبطة البابا يوحنا الثاني 1988، إلا في وضعه ضمن إطاره الأشمل الذي صبغ لاهوت التحرير التي انطلقت شرارته من الكنائس الكاثولكية في أمريكا اللاتينية، والذي لعب الأب الدومنيكاني غوستافو غوتيريز دور المنظر الحصيف له في كتابه "لاهوت التحرير.. التاريخ والسياسة والخلاص".

على الرغم من كل الوضع السوداوي الذي يحيط بالقضية الفلسطينية وشعبها اليوم، فإن قلب وعقل الأب صباح يظل متعلقًا بالأمل، الأمل بالحرية والاستقلال. أمن أجل هذا وضعه الرجل في مقدمة لاهوت تحريره "أمل، بقاء، مقاومة"؟ وكأنه يقول لنا لا مقاومة دون أمل، و

أن لا مقاومة بدون بقاء، فهو أول أبجديات المقاومة وأجلها. إذا كان لرجل أن يتجنب المفاضلة بين شكل مقاومة وآخر، كون ذلك من عمل السياسي والمناضل، فإنه لا يتوانى مطلقًا عن تأطير المبدأ القانوني أوالأخلاقي التي يجب أن يتنهض عليه تلك المقاومة، والمتمثل بالإنسان وكرامته. فإذا ما قدر للإسرائيلي أن يحاحج بحقه في السيطرة على أرض الفلسطيني، وفق منطق القوة المستند إلى المخيلة التوراتية، فإنه ليس بمقدوره أن يحاجج بإخراج  الفلسطيني ذاته من دائرة الإنسان، ومن ثم من دائرة الحقوق، التي أقرتها له الشرائع الأرضية؛ حقه بالحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

إذا كان للأب ميشيل صباح أن يقلق حيال شيء فهو قلقه حول تناقص عدد رعاياه أو التواجد المسيحي في أرض فلسطيين، فمن نسبة الـ 7 ـ 9 التي كانوا عليها  قبل 48 إلى نسبة الـ 2 التي هم عليها اليوم. وما كان لكل ذلك النزيف البشري أن يتم لولا جملة الاحتلالات الاسرائيلية التي بدأت عام 48 والتي دفعت بالكثير منهم ليكونوا في مصاف اللاجئين المقذوفين في كافة أصقاع الأرض. من قلق إلى قلق هو الأب صباح، فمن قلقه الأصغر إلى عدد رعاياه إلى قلقه الأكبر على الحالة التي انتهت إليها مدينة القدس، فبعد أن كانت مكانًا مقدسًا يعمه السلام تحولت بين عشية وضحاها إلى مدينة كراهية وعنف، ومن مدينة تعج بالتنوع والحياة إلى مدينة تعج بالموت والخراب.

لا حل للتنوع الديني واستمراره سوى عبر النضال من أجل دولة حق وقانون، عمادها المواطنين الأحرار، القادرين على صيانه الكرامة الإنسانية لآخرين مثلهم

لا يمكن فهم حماس الدكتورة ليلي حبش وهي العلمانية للمبادرة في إنتاج فيلم "بطريرك الشعب" رغم عدم مردوده التجاري، سوى إيمانها العميق بالأب ميشيل صباح، بتحمله المسؤولية ولعبه دور الراعي على أتم وجه، بخروجه من شرنقته الصغيرة كمسيحي إلى فضائه الكبير كفلسطيني، في تأكيده أن "لا خلاص لنا إلا في شعبنا"، في التقاطته الحداثية أن لا حل للتنوع الديني واستمراره سوى عبر النضال من أجل دولة حق وقانون، عمادها المواطنين الأحرار، القادرين على صيانه الكرامة الإنسانية لآخرين مثلهم.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "واجب".. طوفان من القصص الفلسطينية

فيما كاميرا محمد العطار مهومة بالتقاط أهم المحطات في حياة الأب صباح، الذي قدر له أن يكون أول بطرك فلسطيني لمدينة القدس بعد 500 عام، فإذا بها تضعنا أما مشهدين متضادين صناعة الحياة والعمل على هدمها، ففيما الأب صباح مشغول بالدعوة إلى الحياة الكريمة لجميع الناس بغض النظر عن  انتمائتهم، بدفاعه عن حق المظلومين بالأمل والمقاومة، يتبدى لنا مشهد قوات الاحتلال الإسرائيلي وهي تعمل على قمع الحياة في صدور أناس مثلهم، كل ذنبهم أنهم طالبوا بالحرية التي تجعل منهم أناسًا موفوري العزة والكرامة.

اقرأ/ي أيضًا:

3 أفلام أساسية في السينما الفلسطينية

فيلم "إبراهيم إلى أجل غير مسمى".. العائد إلى دير أبو مشعل