الآلهة التي لا تقرأ

الآلهة التي لا تقرأ

618 مشاهدة
مقطع من لوحة لـ منيف عجاج/ سوريا

قال ماركيز في رائعته "مئة عام من العزلة" عبارة أظنها وصفت تاريخنا الإنساني على نحو ما: "تاريخ تلك العائلة كآلة على عجلة لا يمكنها تجنب الدوران والتكرار، فهي عجلة يمكن لها أن تستمر في الدوران إلى ما لا نهاية لولا التآكل المتزايد، الذي لا يمكن علاجه في محور العجلة".

أضحت الكوارث تتوالى فوق رؤوسنا كتوالي السيل، وكاندفاع الموج في جهة الصخرة المتصلب

هنا نقف والسؤال الذي ما ينفك يتصاعد إلى الرأس في أعقاب تلك الحوادث الكبيرة التي تلم بنا، حتى أضحت الكوارث تتوالى فوق رؤوسنا كتوالي السيل على أورق الشجر، وكاندفاع الموج في جهة الصخرة المتصلبة. هذه اللامبالاة التي تجدها إذا تأملت الطبيعة من حولك، كل شيء مستسلم لكل شيء، لا تجد الشجرة تقاوم السيل، لا تجد الصخرة تقاوم الموج، كلهم يتقبلون تلك الأدوار التي وضعوا فيها.

اقرأ/ي أيضًا: حلب... أوسع من موت معلن

عند قراءتك لسيرة هؤلاء الكتاب الذين أنتجتهم الإنسانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تلك المذاهب الفكرية والفلسفية، التي تمخضت بفعل تلك الكوارث الانسانية، ما نفع القلم؟ فالمأساة هي المأساة! هل لأن من يتربعون على سدة العرش لا يقرؤون؟ يقومون بما يفعلون ثم يخرجون علينا بكتاب أسموه سيرتهم الذاتية، يخبروننا فيه كم هم عظماء! كم قاتلوا لأجل سلام مزعوم! إن كان كل هؤلاء العسكريين والساسة سعوا نحو السلام في سيرهم، لماذا لا نرى سوى الحرب؟!

أهو صراع أيديولوجيات نحو بقاء الأقوى على حساب كائن من كان على حساب المترملات واليتامى والشيوخ المتروكين في مهب الزمن، أم أنهم رأوا ما لم نره بعين الشبيبة النقية المتحمسة للتغير، تحت مسمى هكذا تدار الأمور. أقف أمام من يقولون حتمية التاريخ أو حتى نسبيته، أي من يبسطون العلوم الإنسانية، ونحو من يتطلع إلى التعقيد الفطري كان أم المصطنع، الذين يقولون إننا يجب أن نقرأ التاريخ حتى نتعلم، ألا يوجد في تاريخ البشرية من قرأ التاريخ وفهمه وألف الكتب عن العبر فيه وقدم قراءته وتحليلاته على الساحة؟ وما الذي حدث؟ لا شيء سوى صناعة تاريخ جديد مكرر، تحمل سطوره المزيد من الكوارث الإنسانية والألم والدموع. 

هل لأن عالمنا العربي أسقط تلك المرحلة الهامة في تاريخ العالم التي أنتجتها لنا القارة العجوز؟ هل لأننا في الوقت الذي اتجه العالم نحو إعلاء قيمة الإنسان، سقطنا نحو فخ العصبية الدينية والعصبية السياسية العمياء لما قد نُقل لنا عن عصور ظلامية؟! قد نُقحت أفكارها لآلاف المرات ولم يعد العالم يعمل بها الآن. أترانا لم نمتلك من قرأ التاريخ بشكل جيد؟ الحقيقة أن من يقرؤون التاريخ ويفهمونه لا يؤثرون فيه، من يقرأ التاريخ لا يصنعه، التاريخ متروك بيد هؤلاء من يحكموننا من خلف النوافذ الزجاجية المضادة للرصاص. التاريخ متروك بيد الفراعنة، الأباطرة، الأنبياء والآلهة... هم من يصنعون التاريخ، لا يوجد كاتب صنع التاريخ وأحيا الثكلى من بعد موات، أقام قواعد إنسانية تتحرك في ساحات الكون تقول كفى دماء بصيغة الأمر وليس الرجاء الإنساني. 

قد يكون هذا تعارضًا على سبيل المثال مع ما قاله عبد الله منيف: "إذا أردت أن تغير العالم يجب أن تعرف تاريخ العالم". هيرودت أو هيغيل لم يغير العالم، لكن النبي موسى "ثقيل اللسان" فعل، السيد المسيح "نجار الخشب" الجليل فعل، والنبي محمد "الأمي" فعل.

لا يمتلك الحكام العرب إلا شهوة حيوانية تدفعهم للجلوس على أحزان الشعوب

ماذا قرأ حكامنا أقصد آلهتنا؟ قال أحدهم إنه قرأ لميكافيلي. أما عن ساسة الغرب -الحداثة وما قبلها- عندما قرؤوا لم يقرؤوا التاريخ، بل قرؤوا الأفكار التي صنعت جيلًا جديدًا من الأباطرة الذين قفزوا على الإنسان بالسلاح. ماذا عن المسكين ميكافيلي وأتباعه؟ ماذا عن ألفريد روزنبرغ وهتلر ودانونسيو وموسوليني؟ وقد تتعدد الأمثلة عن هؤلاء الحكام الذين أخضعوا قرارتهم لفكر غيرهم، لحسن الحظ -مجرد سخرية- أن أوروبا تعيش الآن في عصر "ما بعد الحداثة" التي أنتجت لنا "نماذج" لمفكرين وساسة اهتموا بالإنسان وإنسانيتهم في المقام الأول.

اقرأ/ي أيضًا: تلفزيون الواقع بتقنية ثلاثية الأبعاد

أما حكامنا العرب في العصر الحديث، فلا يزالون يشردون شعوبهم ويقمعون مفكريها وشبابها، لا هم يخضعون لأفكار غيرهم، ولا هم يمتلكون العقول ليفكروا بها، هم يمتلكون شهوة، شهوة حيوانية بحتة تدفعهم للجلوس على جماجم القتلى وأحزان الشعوب، تلك الآلهة التي لا تحكم بـالفلسفة، ولا حتى بالسياسة، ولا حتى بدعوات أمهاتهم.

هل سمعت يومًا عن آلهة تقرأ؟! لا آلهة تقرأ عزيزي، الآلهة تتحرك وفق آراء جاءت من العدم من حيث لا صدى لمخلفات الزمن والتراث، آلهتنا ميكافيلية بالفطرة، آلهتنا لا تقرأ. 

هذا نص من الرثاء الذي قاله إرميا، النبي اليهودي، عند سقوط أورشليم.. هذا رثاؤنا إلى سوريا الحبيبة الآن: "كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب كيف صارت كأرملة، العظيمة في الأمم السيدة في البلدان صارت تحت الجزية. تبكي في الليل بكاء، ودموعها على خديها، ليس لها معز من كل محبيها، كل أصحابها غدروا بها، صاروا لها أعداء". (مرا 1-2:1)

أما عن تلك العبارة المجتزئة لماركيز في مستهل الكلمات، فنترك أنفسنا أمام سؤال يتحرك بشكل فعال على الساحة في ظل تصاعد سيطرة اليمين السياسي على الساحة الدولية.. هل نحن مهيؤون للتدمير الذي سيحدث في محور العجلة بفعل التآكل؟
 
نكتة: هذا المقال ليس للتقليل من ثقافة حكامنا العرب، كلهم دواهٍ.. لكن لنقول ما فائدة ما كُتب ما دامت البلوى هي البلوى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل اللغة العربية بالمغرب في مهب الريح؟

في وصف جحيم حلب