الآلهة التي تأكل وتشرب

الآلهة التي تأكل وتشرب

لوحة لـ رينيه ماغريت/ بلجيكا

كان كاتبًا مشهورًا، روائيًا وقاصًا ومنظرًا أدبيًا، ولقد اعتبرته أجيال ثلاثة (على الأقل) رائدًا ومعلمًا. أما بالنسبة لي فقد كان أسطورة. إنه أيقونتي التي نسجتها كتبه ومقالاته وحواراته وصوره الفوتوغرافية. وإذ غزاني، في سن المراهقة، حلم يقظة طويل بأن أكون كاتبًا، فقد كان هو، هو بالضبط، ما أردت أن أكونه، مع إحساس معذب باستحالة ذلك.

الكاتب إنسان يعيش بيننا ومثلنا، وإذا ما كان يمتلك استثناء فهو تلك الموهبة التي لا تتجلى إلا على الورق

التقيته المرة الأولى (تمنيت وقتئذ أن تكون الأخيرة) في مبنى جريدة يومية. كان مشغولًا عنا بمجادلة طويلة حول مستحقاته المالية، بدأ يفاوض بشراسة، ثم راح يبازر كتاجر شاطر، واختتم جولته باستعطاف ساق فيه شواهد عن سوء الحال وضيق ذات اليد وصعوبة الظروف. وبعد أن انتهت المعركة إلى نتيجة مرضية، التفت إلينا وشرع يستعرض أمجاده، ليس رواياته وقصصه، بل معارفه من المسؤولين وعلية القوم، وسرد علينا السلسلة الطويلة من الفرص الذهبية التي قدمت له على طبق من ذهب والتي رفضها جميعها "كرمى لهذا البلد وناسه".

اقرأ/ي أيضًا: عزيزي المثقف المصري: الأزمنة ليست كلها سوداء

لم تنجح اللقاءات التالية إلا في تعميق الخيبة، فقد بدا شغوفًا بالحديث عن الطعام أكثر من شغفه بحديث الأدب، وكان موسوسًا حول حالته الصحية، ولا يقطع ضجره الدائم إلا حماس للنميمة، وخاصة إذا ما تناولت زملاءه.

لم أفعل كما يفعل المريدون المخدوعون إذ يفيقون من الغفلة، لم أمزق كتبه ولم أحرق صوره، لكنني فكّكت الأسطورة بيدي، وانتزعت الأيقونة عن جدار عقلي ورميتها في مكان قصي من ذاكرتي حيث مخزن الخيبات.

وسوف يمر وقت (عقد من الزمن أو أكثر قليلًا) حتى أدرك خطأ موقفي، وأعرف أن فهمي الساذج كان مصدر الخيبة. لقد كنت من جيل تربى على مفاهيم محددة صارمة: دمج الكاتب ونتاجه؛ الأدب الحقيقي ينطوي على رسالة عظيمة (ليست أقل من تغيير العالم)؛ والكاتب بالتالي لا بد أن يكون رسولًا من نوع ما، كائنًا استثنائيًا متعاليًا عن شواغل الحياة اليومية؛ ولا يمكن أن يكون معيبًا.. وكان علينا أن نعيش أكثر ونقرأ أكثر لنتحرر، ولنعرف أن الأدب الجميل يمكن أن ينتج عن عقل حائر شكّاك، عن إنسان ضائع، أو موسوس، أو أناني، أو غيور، أو مسالم، أو عدواني، أو يائس، أو نصف مجنون.. ببساطة: إنسان يعيش بيننا ومثلنا، وإذا ما كان يمتلك استثناء فهو تلك الموهبة التي لا تتجلى إلا على الورق.

وصرت أعرف أين أجد دواء يعالج ذلك الميل إلى "الأيقنة": كتب السيرة غير الذاتية.

ولكن لا بد من الحذر فبعض كتاب السير هم محترفو صناعة أساطير، إذ ينقون سيرة "النجوم" الذين يكتبون عنهم من الشوائب، ويرسمون لهم مسيرة مضبوطة ومحكمة لا مكان فيها للزلل، ويعطونهم الحكمة والقدرة على التنبؤ بالمستقبل والعصمة من الخطأ.

بالمقابل ثمة كتاب آخرون يكتبون سير تشهيرية، همها ترصد العيوب والنواقص، وملاحقة التناقض بين السلوك الشخصي للكتاب وبين القيم المنثورة في نتاجهم. كتب تنشد الفضيحة والقول لنا إن خلف الأدب الجميل أناس بشعون مختلون مليئون بالنواقص ولا يؤمنون بأي قيمة من تلك التي يكتبون عنها..

إنهم مثلنا مخلوقات محكومة بالنقص.. وربما من وعي هذه الحقيقة الخالدة تأتي الكتب العظيمة

وتبقى كتب السيرة الأكثر جدية هي التي يكتبها محققون بارعون، يدققون في الآثار المكتوبة، وفي الرسائل والصور، وشهادات الشهود، منطلقين من دافع البحث عن الحقيقة، متحلين بروح موضوعية، وحساسية رحبة لا تستعجل إطلاق الأحكام.. وتكون النتيجة هي إحلال الإنساني مكان الأسطوري، الصورة البشرية الحية مكان الأيقونة، الحقيقة المركبة والمعقدة مكان الكليشات البسيطة المختزلة.

اقرأ/ي أيضًا: أمبرتو إيكو وتجديد روح المثقف

وراء الكلمات ثمة أناس، موهوبون بلا شك وذوو حساسية خاصة وقدرة على الالتقاط، وهي أشياء لا تتوفر لمعظم البشر، ومع ذلك فهذه الموهبة وهذه الحساسية وهذه القدرة لا تعصم أصحابها عن الحاجة إلى الأكل والشرب والثرثرة والغيرة والخوف واليأس والإحساس باللا معنى. إنهم مثلنا مخلوقات محكومة بالنقص.. وربما من وعي هذه الحقيقة الخالدة تأتي الكتب العظيمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الرّاوي وهزيمة الكاتب

بينَ مدّ الكاتب وجزر ناقده