الآداب والعلوم الإنسانية في الجزائر.. إلى أين؟

الآداب والعلوم الإنسانية في الجزائر.. إلى أين؟

لا يمكن تصور مجتمع متحضر دون جامعة في الطليعة(Getty)

ارتبط وجود كلية للأدب في الجزائر بالدخول الفرنسي إلى البلد عام 1830، إذ بعد سنتين فقط من ذلك، سُمح للمترجمين العسكريين بتقديم دروس في اللغة العربية، بقيت سطحية وأولية، إلى غاية عام 1909، تاريخ إنشاء كلية الآداب والعلوم الإنسانية التي باتت فضاء للفكر الاستشراقي، الذي حاول شرح أبجديات الثقافة الشرقية وتقديمها للغربيين.

يتحرج طلبة الآداب، واللغة العربية خاصة، في الجزائر بسبب اختصاصهم الذي صار مصدر سخرية وتهكم من زملائهم في الشعب العلمية

اليوم، باتت كل محافظة من المحافظات الثماني والأربعين، تتوفر على كلية للأدب بفروعه المختلفة، بما في ذلك جامعة بجاية التي تعد من أهم المدن الأمازيغية في الجزائر، نجد فيها أساتذة ذوي أصول أمازيغية أصلًا، مثل لونيس بن علي 1980 والذي يستعد لمناقشة رسالة دكتوراه عن "تفكيك الأنساق المعرفية في خطاب إدوارد سعيد النقدي"، ويدرّس قضايا الأدب والنقد المعاصر، وينشر مقالات وبحوثًا في هذا الإطار، في منابر جزائرية وعربية، تضمنتها كتبه منها "تفاحة البربري: قراءات نقدية مفتوحة".

اقرأ/ي أيضًا: أي مستقبل لدراسة العلوم السياسية في الجزائر؟

يُعرف لونيس بن علي في المشهد الجزائري، بكونه يطرح في المنابر المكتوبة وفي فيسبوك ما يسميها "اختلالات الجامعة الجزائرية"، خاصة معاهد الآداب والعلوم الإنسانية، من منظور نقدي يهدف من خلاله إلى لفت الانتباه إلى الانزلاقات المعرفية التي باتت تميز هذه المؤسسة، وخروجها عن المسار المعرفي والحضاري، إلى مسارات مرتبطة بالأمراض التي باتت تنخر المجتمع الجزائري، مما جعله في مهب صراعات يومية مع عرابي هذا الواقع البائس.

يقول بن علي في حوار جمعه بـ"الترا صوت" إنه "لا يتصور مجتمعًا متحضّرًا وراقيًا دون جامعة تكون في الطليعة، خاصة العلوم الإنسانية باعتبارها العلوم المفتاحية لدراسة وتفسير الإنسان". ويتساءل: "أليس الإنسان هو منطلق الحضارة ومنتهاها؟ أليست الحياة التي نحياها تتأسس على الإنسان كفكرة وكوجود؟". من هنا تكتسي هذه العلوم أهميتها القصوى، فليس هناك ما هو أهم وأصعب، بحسبه، من طرح سؤال: ما الإنسان؟ إننا في حاجة دائمة إلى هذا السؤال، لأنّه حجر الأساس في كل حقل معرفي".

من هذا المنظور، يواصل صاحب كتاب "تفاحة البربري" تساؤلاته: "ما هو الموقع الذي منحناه للعلوم الإنسانية ضمن حقول المعرفة الأخرى؟ من المهم أن ننصت إلى صوت الواقع، ونفكك شفرات الخطاب الاجتماعي اليومي في تصوّره لأهمية العلوم الإنسانية. ماذا عن الباحث في علوم الخطاب والآداب والفنون؟ إنهم يعملون، بحسب النظرة النمطية إليهم، في حقول "علوم الهدرة"، والهدرة في اللغة العربية تعني الكلام الذي لا طائل من ورائه".

مثل هذا التصوّر، بحسب محدثنا، أصبح أحكامًا يتداولها الكثيرون داخل الجامعة الجزائرية نفسها، أي داخل مؤسسة من المفروض أن تنأى بنفسها عن السقوط في الشعبوية وهي تتعامل مع التخصصات الإنسانية؛ يقول: "أريد أن أؤسس كلامي على حقائق من المعايشة اليومية في الجامعة، حيث بات العمل في قسم اللغة والأدب العربي مصدرًا للسخرية والتهكّم يتكبدها الطالب بالدرجة الأولى، فقد أصبح الكثير من الطلبة يتحرجون من كونهم طلبة في اللغة والأدب، لأنّهم يتعرّضون بشكل يومي لتجاوزات لفظية من قبل طلبة من تخصصات علمية، وفضلًا عن ذلك فإنّ اللغة العربية وآدابها محاصرة كتخصص ضمن تخصصات العلوم الإنسانية الأخرى، لاسيما ضمن أقسام اللغات الأجنبية، حتّى أضحى الانضمام إلى قسم اللغة الفرنسية أو الإنجليزية شرفًا بذاته".

اقرأ/ي أيضًا: لا جامعات خاصة في الجزائر!

تفسر نظرة سياسيي الجزائر للغات والعلوم الإنسانية جزئيًا الواقع السيئ لتدريس هذه الاختصاصات

بن علي ينسب هذا الواقع إلى جملة من العوامل الموضوعية، تأتي في صدارتها طبيعة الخطاب السياسي، ونظرة المؤسسة السياسية للعلوم الإنسانية، "إن الأمم تتطور بالتكنولوجيا وليس بالشعر. أليس هذا ما قاله أحد المسؤولين في الدولة؟ كلام له دلالته الرمزية التي تصبّ في خانة التجاهل المقصود لقيمة العلوم الإنسانية، لكنه موقف مؤسس على تصوّر خاطئ لعلاقة الإنسان بالتقنية".

وعما يعيشه معهد اللغة العربية وآدابها في جامعة بجاية من واقع، يصفه بن علي بالعنصري، وأدى إلى أن شن أساتذته إضرابًا لا يزال مفتوحًا، يقول محدثنا: "لقد عشنا في جامعة بجاية تجربة حقيقية لمعنى العنصرية القائمة على أساس احتقار قسم اللغة والأدب العربي، من طرف مسؤولين متشبعين بأحكام نمطية عن هذا التخصص، بل بلغ بهم الأمر إلى بناء صورة عن الأستاذ الذي يدرّس اللغة العربية بأنه كائن متخلف، وأن عقله لا يرقى إلى إدراك أبعاد القرارات التي تحاك في الخفاء ضده. بل إنّ هناك من المسؤولين من وصف القسم بأنّه الأقل تكلفة، والذي يمكن التضحية به، لأنّه لا يضيف شيئًا إلى الجامعة".

اقرأ/ي أيضًا: 

المكتبات الجامعية في الجزائر.. منتهية الصلاحية

تعطيلات إدارية وعلمية تعيق أحلام طلبة الجزائر