اكتشاف علمي لافت.. أدمغة "المعمّرين الفائقين" تواصل إنتاج الخلايا العصبية
26 فبراير 2026
كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة "نيتشر" العلمية أن أدمغة كبار السن الذين يتمتعون بذاكرة استثنائية، والمعروفين بـ"المعمّرين الفائقين"، لا تزال تنتج خلايا عصبية جديدة بمستويات لافتة، في اكتشاف يعيد إشعال الجدل حول قدرة الدماغ البشري على تجديد نفسه في مراحل متقدمة من العمر.
خلايا جديدة في دماغ متقدم في السن
الدراسة فحصت عينات دماغية لأشخاص متوفين، تراوحت أعمارهم بين شباب ومسنين تجاوزوا الثمانين عامًا ويتميزون بذاكرة قوية. ووجد الباحثون أن الأفراد الذين حافظوا على وظائف إدراكية سليمة، سواء كانوا شبابًا أم مسنين، أظهروا مستويات مرتفعة نسبيًا من تكوّن الخلايا العصبية، وهي العملية المعروفة باسم "التولد العصبي" (Neurogenesis).
وتركّزت هذه العملية في منطقة "الحُصين" (Hippocampus)، وهي جزء أساسي في الدماغ مسؤول عن الذاكرة والتعلم. ورغم أن الخلايا العصبية الجديدة شكّلت نسبة ضئيلة للغاية، نحو 0.01% فقط من إجمالي خلايا الحُصين، فإن وجودها ارتبط بوظائف معرفية أفضل.
في المقابل، أظهرت عينات دماغية لأشخاص يعانون من تدهور معرفي، بمن فيهم مصابون بمرض ألزهايمر، انخفاضًا واضحًا في عدد الخلايا العصبية غير الناضجة، ما يشير إلى تعثر عملية التولد العصبي لديهم.
"المعمّرون الفائقون" يتفوقون
المفاجأة تمثلت في أن مجموعة "المعمّرين الفائقين" امتلكت عددًا أكبر من الخلايا العصبية غير الناضجة مقارنةً ببقية المجموعات، بل وأكثر بكثير من المصابين بألزهايمر. ومع ذلك، أقرّ الباحثون بأن عدد المشاركين في كل مجموعة كان صغيرًا،عشرة أفراد أو أقل، ما يجعل بعض النتائج غير حاسمة من الناحية الإحصائية.
وترى العالمة مورا بولدريني دوبونت، الباحثة في علوم الأعصاب والطب النفسي في جامعة كولومبيا، أن صغر حجم العينة يستدعي التعامل بحذر مع النتائج، رغم أهميتها العلمية.
جدل علمي ممتد منذ قرن
الاكتشاف يدعم فرضية أن الدماغ البشري يواصل إنتاج خلايا عصبية جديدة حتى في مرحلة البلوغ، وهي فكرة لم تكن مقبولة تاريخيًا. ففي أوائل القرن العشرين، اقترح عالم الأعصاب الإسباني سانتياغو رامون كايال أن الدماغ البشري لا يستطيع تكوين خلايا عصبية بعد الولادة. ولاحقًا، تأكد العلماء من حدوث التولد العصبي في مرحلة الطفولة، لكنهم اعتبروا أن العملية تتوقف بعدها.
غير أن العقود الأخيرة شهدت تراكم أدلة تشير إلى استمرار التولد العصبي في الحُصين لدى البالغين، ما فجّر نقاشًا واسعًا في علم الأعصاب. ورغم ثبوت هذه الظاهرة في الحيوانات، مثل الفئران والرئيسيات، فإن إثباتها في البشر ظل تحديًا، بسبب محدودية الأدوات المتاحة لدراسة الدماغ البشري الحي.
وللتغلب على هذه العقبات، استخدم الباحثون في الدراسة الحديثة تقنيات متطورة مثل "تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية" (single-cell RNA sequencing) لتحديد البصمات الجينية الخاصة بالخلايا الجذعية العصبية والخلايا العصبية غير الناضجة في الحُصين البشري.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل توسع الفريق بقيادة العالمة أورلي لازاروف من جامعة إيلينوس في شيكاغو في تحليل "البصمات الإبيجينية"، وهي تعديلات على الحمض النووي تتحكم في مدى نشاط الجينات. واستخدم الباحثون اختبارًا يحدد مناطق الحمض النووي المهيأة للتعبير الجيني، ما أتاح فهمًا أعمق لآليات تنظيم هذه الخلايا.
ويرى الباحثون أن فهم الآليات التي تمكّن الدماغ من الحفاظ على التولد العصبي والوظائف الإدراكية في سن متقدمة، قد يفتح الباب أمام تطوير أدوية تحفّز إنتاج الخلايا العصبية لدى الأشخاص الذين يعانون من تراجع معرفي.
لكن لازاروف تؤكد أن الخطوة التالية يجب أن تركز على التحقق من الوظيفة الفعلية لهذه الخلايا الجديدة داخل الدماغ البشري، قائلة إن الأمر يتطلب تطوير تقنيات تصوير متقدمة قادرة على رصد نشاط هذه الخلايا بدقة.