اكتشاف الدهماء

اكتشاف الدهماء

شبان من بورما (Getty)

قبل مدة انتشرت بسرعة مذهلة، مقولة للفيلسوف والروائي الإيطالي امبرتو ايكو، يحمل فيها على وسائل التواصل الاجتماعي معتبرًا ما يحدث بمثابة هجوم من الدهماء، "من يقولون على العلن وفي السوشال ميديا ما يفترض أن يثرثروا به في البارات بعد عدة كؤوس من الشراب".

ما فعلته السوشال ميديا  أنها وضعت إيكو في مواجهة واضحة وصريحة مع الدهماء 

وجد كثيرون في مقولة إيكو قيمة تفسيرية لحالة عامة، ووجد آخرون فيها قلق المثقف من العامة، واعتبر آخرون أنها نخبوية مفرطة لا تليق بزمننا ولا بفيلسوف كإيكو. في المحصلة كشفت العبارة الإشكالية، الكثير من أنماط التفكير السائدة في الأوساط المثقفة حيال مستجد طاغ، هو حضور العامة في مجال عام إعلامي، بدرجة غير مسبوقة، واستقواء العامة بكثرتها الطاغية، والكثرة هي رديف منطق الأرقام الذي يعد لغة وحيدة في العوالم الافتراضية.

إن كان إيكو منزعجًا فانزعاجه مفهوم، فهو يدور في فلك الندرة، وطغيان الكثرة والاستدلال بها على قيمة أي نتاج أو مقولة يُعدّ منطقًا فاسدًا بالنسبة لفيلسوف.

الانقسام الأهم على مقربة من إيكو هو بين من يرى في هذه الوسائل كسرًا تاريخيًا لاحتكار الكلام والرأي، الذي مارسه المثقفون والصحفيون وغيرهم، من توفرت لهم دومًا مساحات خاصة للكتابة والكلام، مساحات يبنيها المال والسلطة، والاتصال فيها مع العامة خطيّ باتجاه واحد، نخبة تنتج وعوام تستهلك، بل وتُوجَّه ويسيطر عليها أو تثقف وتستمتع.

وبين من رأى - كإيكو ربما- أن هذه المساحات محكومة بمقاييس معطوبة، لا تخاطب العقل ولا يضبطها ضابط، بل تستند إلى الشعبوية المدعومة بملايين المعجبين من العامة، التي تتبع هواها وغرائزها وقناعاتها غير العقلانية ولا المنضبطة وفق معيار محدد وواضح.

والقلق هنا واضح الأسباب، ستُصَدِّر العامة من يتقن مخاطبتها وفق منطقها، ويستند إليها من تصدرهم لأنها مصدر قوتهم ومكانتهم، وسيطلون أوفياء لمنطق العامة وما يعجبها.

اقرأ أيضا للكاتب: فصائل البريد الإلكتروني

الملاحظ هنا هو أن التغير الحاسم الذي أفرزته وسائل التواصل، هو اكتشاف النخبة المثقفة، أصحاب حق الكلام والرأي، للدهماء، اكتشافهم للسواد الأعظم الذي لم يكن إلا متلقيًا في ما مضى، وهذا الاكتشاف مربك، خاصة مع علم إيكو المسبق بوجوده، ولكنه وجود سلبي ضبابي غير محدد ولا واضح. وما فعلته السوشال ميديا هي أنها وضعت إيكو في مواجهة واضحة صريحة مكشوفة مع الدهماء وقدراتها العجيبة في فرض كثرتها، وهذه المواجهة كانت وكأنها اكتشاف جديد للدهماء أو تعرف عليها عن قرب. 

ولكن ليس إيكو والنخبة حولهم وحدهم من اكتشفوا الدهماء، هناك من سبقهم إليها، وعرف قيمتها الهائلة وقدراتها المتفجرة، ورأها أول ما رآها مادة للاستثمار، هذا الاكتشاف كان إيجابيًا ومحفوفًا بالكثير من إعلانات النوايا الحسنة.

الحقيقة الغائبة عن سجال مع وضد "هجوم الدهماء"، الثقافي إلى حد بعيد، مرتبطة بدوافع توفير هذه المساحات الجديدة، أي لماذا تنشغل جهات بخلق هذه المساحات وكسر الحلقة الاحتكارية القديمة لإنتاج الكلام والرأي، ودون البحث في سلوكها لا يمكن فهم الحالة القائمة ولا تصور مستقبلها القريب.

منذ مدة بدأت الغايات الاستثمارية تتضح أكثر فأكثر في شبكات التواصل الاجتماعي، لنأخذ فيسبوك مثلًا، فوجود ملايين المعجبين بصفحة شخصية ما، ارتبطت بحدث خَلَّف شهرتها في العوالم الافتراضية، لم يعد يعني الكثير في سياق حرص الشخصية على استثمار هذه الثروة من المعجبين والمتابعين، وقوتها النابعة من الكثرة حولها باتت مهددة بسياسات جديدة لفيسبوك، على رأسها تقليص عدد القادرين على رؤية المنشورات إلى حدود دنيا، يتطلب رفعها أن يدفع صاحب الصفحة لفيسبوك المال.

العلاقة واضحة، مزيد من الدفع يعني مزيدًا من الجمهور، حتى ذاك الجمهور الذي تعبتَ في تجميعه لم يعد ملككَ، بل هو ملك فيسبوك، الذي يحدد علاقتك به وفق خوارزميات معقدة لا تفهم إلا لغة المال.

يظهر مارك زوكربيرغ ساذجًا في تغريداته وعباراته الشهيرة عن الشيء الذي اخترعه وشغل به البشرية

مع الوقت يصبح "الموقع" الذي نازعت الدهماءُ إيكو عليه، مرهونًا بالقدرة المالية، وهنا يغيب وزن العامة أو الدهماء، فهي تكاد تكون دون قيمة إلا حين يقرر فيسبوك توجيهها في جهة أو تمكينها من المشاركة والاطلاع.

البديهي مع معادلة كهذه أن يحتل "الموقعَ" الأقدرُ على دفع المال، والمال هنا قديم جدًا، أقدم من زمن إيكو الذي سبق هجوم الدهماء. هو من جعل فئة محدودة قادرة على إنشاء الصحف ودور النشر ووسائل الاعلام التقليدية، تلك التي صَدَّرت نجومَ عصر ايكو.

كان ولا يزال العامل الاقتصادي هو الفاعل الأهم في تمكين أشخاص أو جهات بعينها من إنتاج الكلام ومنحه القدرة على التأثير والوصول وخلق المكانة لأصحابه.

العامل الاقتصادي كدافع ومحرك أساسي، يشكك بكل ادعاءات إعطاء الحق للجماهير والعامة والعاديين بالكلام والتعبير وقول ما يريدون، والسلوك الاقتصادي لأصحاب هذه المزاعم هو ما يؤكد صحة هذا التحليل، لا إيكو ولا الدهماء ولا الصراع بينهما هو ما يشغل بال فيسبوك، وقبله مخترعو الإنترنت برمته.

قد يبدو الأمر أوضح مع شركة تبيع منتجًا وتريد ترويجه بين جماهير فيسبوك، هنا يبيعها فيسبوك الجمهور، تدفع له ليمكِّنَها من إيصال إشهارها الدعائي، تماما كما تدفع للتلفاز مقابل دقائق الإعلانات، هنا يتضح أن المنطق الاقتصادي ثابت، والإعلام الجديد مثل القديم محكوم بمنطق واحد يغير أزياءه.

يظهر مارك زوكربيرغ ساذجًا في تغريداته وعباراته الشهيرة عن الشيء الذي اخترعه وشغل به البشرية، إلا أن سلوك هذا الشيء يبدو بالغ الذكاء، ولعل ذكاءه يتجلى في اعتماده المعادلة القديمة إياها، المال مقابل الموقع والمكانة، خاصة أن الموقع والمكانة يغدوان مطلوبين لأنهما قادران على خلق مال جديد، حلقة استثمارية لا مكان فيها للأخلاق والقيم ولا الفلسفة. ولا اعتبار فيها لرأي الدهماء ولا رأي  إيكو.

اقرأ/ي أيضا للكاتب: مكتبات الآخرين