اقتصاد لبنان.. ما ذنب اللجوء!؟

اقتصاد لبنان.. ما ذنب اللجوء!؟

كان اللبنانيون يتسوقون في سوريا (محمود زيات/أ.ف.ب/Getty)

"أعيش وحيدًا في مسكن متواضع، ولا أسرف في نفقاتي عاملًا بجد لأكسب ألفًا وتسعمائة دولار لا أدري أين تختفي بنهاية الشهر دون أي ادخار يذكر... هذه المدينة ثقب أسود يبتلع الأموال"، هذه ما يقوله بغضب جاد ابن منطقة الجعيتاوي في بيروت، فالرواتب عادية أما بدلات إيجار السكن وتكاليف المعيشة فهي في ارتفاع غير منطقي ولا مبرر له.

يشرح جاد الذي تابع دراسته الجامعية العليا في باريس أن الفرق واضح في كلفة المعيشة بين لبنان وبلدان كثيرة أخرى، ففنجان من القهوة الإيطالية "الاسبرسو" متوسطة الجودة يكلف في مقهى من سلسلة عالمية ثلاثة دولارات في بيروت، بينما يكلف فنجان من القهوة ذاتها ما يقارب الدولار الواحد في العاصمة الفرنسية. وهو لا ينكر أن هناك خدمات وأمور تكلف أكثر في فرنسا مقارنة بلبنان، لكنه يرى أنه في فرنسا يدفع لقاء خدمات جيدة تقدم له بعكس لبنان الذي يعاني من مشاكل جسيمة في بناه التحتية.

كلفة المعيشة المرتفعة في لبنان مقارنة بالبلدان المجاورة واقع قديم يعرفه اللبنانيون خاصة من أبناء المناطق الحدودية الذين كان بعضهم يتسوقون احتياجاتهم من الأسواق السورية القريبة في دمشق أو حمص قبل أن تندلع الثورة التي ألغت هذه الإمكانية أو جعلتها أكثر صعوبة.

ويقول أحمد غازي العامل السوري المقيم في لبنان منذ أكثر من عشر سنوات، إن كلفة المعيشة في سوريا بقيت أرخص منها في لبنان رغم تراجع سعر صرف الليرة السورية بحدة والحرب الدائرة هناك، ويروي كيف أن شقيقه في ريف حلب اشتكى له من فقدان حليب الأطفال من نوعية مشهورة وأن الحصول على علبة من هذا الحليب تتطلب تهريبه عبر حواجز أمنية مختلفة وأن ندرة الطلب وصعوبة النقل رفعت الأسعار بشكل جنوني ليصل سعر العلبة منه إلى سبعة دولارات في بعض الأحيان، فما كان من أحمد إلى أن توجه إلى صيدلية قريبة منه في منطقة عاليه حيث يقيم ليكتشف أن السعر الاعتيادي في لبنان لعلبة الحليب نفسها نوعًا ووزنًا هو عشرة دولارات. هذا من دون حروب، ولا تهريب ولا من يهرّبون.

في السياق عينه يشرح سعيد المير، الشاب السوري المقيم في لبنان أنه يرسل إلى ذويه في حمص مبلغ يعادل خمسمائة دولار شهريًا، تكفيهم لدفع إيجار منزل في منطقة آمنة، ولتكاليف المعيشة الاعتيادية من طعام وشراب ونفقات متفرقة، بينما لا يكفيه المبلغ نفسه في ضواحي بيروت إلا لاستئجار منزل نصف مفروش لا تتجاوز مساحته أربعين مترًا مربعًا.

السعر الاعتيادي في لبنان لعلبة الحليب نفسها نوعًا ووزنًا هو عشرة دولارات

يرد بعض اللبنانيين ومنهم نواب ووزراء سبب عدة أزمات يعاني منها لبنان إلى ضغط أزمة اللجوء السوري، وهو أمر يعتبره ناشطون في المجتمع المدني اللبناني تمييعًا للأمر وتهربًا من معالجة صلب الموضوع. فارتفاع تكاليف المعيشة في لبنان، وارتفاع الفاتورة الطبية والدوائية والمدرسية والجامعية كلها أمور سابقة للثورة السورية، ومن الممكن بسهولة التأكد من أن علبة الدواء في لبنان تفوق مثيلتها من ذات المصدر بفرق قد يصل إلى الضعف أحيانًا في بلد كتركيا أو الأردن، وهو أمر لا يمكن ربطه بأزمة اللجوء السوري التي ساهمت في رفع أسعار الإيجارات على أساس مبدأ العرض والطلب.

لا شيء في لبنان رخيصًا، تقول عليا شميس السيدة التي تجاوزت حسبما تقول الأربعين عامًا بقليل، وتشرح: "القماش كنت أوصي جارتي عليه من سوريا، وأولادي يطلبون من خالهم جلب إلكترونياتهم من أمريكا حيث يقيم، وزوجي لا يوفر أحدًا من الأقارب والأصدقاء القادمين من الخارج أيضًا"، وترد السبب في ذلك إلى ارتفاع الأسعار في لبنان وجشع التجار في أرباحهم، وحين تُسأل عن المواصلات التي يعتبرها بعض الأجانب رخيصة في لبنان، تجيب فورًا أن المواصلات في لبنان سيئة، إذ لا مواصلات عامة جيدة، كما أن أجرة "السرفيس" ترتفع بارتفاع أسعار الوقود ولا تتراجع بتراجعها، وهو أمر تعده لغزًا يحيرها.

يحاول أبو إدي صاحب محل البقالة الصغير في فرن الشباك شرح الأمر من جهته، فيعتبر أن الأسباب متعددة. فمن ارتفاع كلفة المعيشة التي تجبر التجار على أنواعهم على زيادة أسعار منتجاتهم مما يجعل الأمر حلقة من الزيادات المتتالية التي لا تنتهي، إلى المضاربات العقارية والمصرفية التي تساهم في تضخيم الأسعار والتسبب في حركة اقتصادية مزيفة، كما أن السبب الأساس لديه هو فساد النواب والوزراء وكل الطبقة السياسية اللبنانية التي يشجع استمرار التحركات الحاصلة ضدها في الشارع لتغييرها وتحسين ظروف حياة المواطنين.

اقرأ/ي أيضًا:
العنصرية محنة الإنسانية المتجددة

حساب بسيط وسريع لحياة شاب جامعي يعيش بعيدًا عن أهله تكشف الواقع، فعشرون دولارًا لا تكاد تكفي الشاب طعامه وشرابه اليومي، يضاف إليها خمسة عشر دولارًا قيمة إيجار الغرفة التي يقطنها في اليوم (أربعمائة وخمسين دولار شهريًا)، وعشرة أخرى قيمة رسوم دراسته الجامعية في اليوم (أربعة آلاف للعام الجامعي لاختصاص علمي في جامعة خاصة متوسطة)، وعشرة دولارات للمواصلات اليومية، ودولارًا واحدًا للهاتف الخليوي في اليوم، ودولاران للتأمين الصحي (ثمانمائة سنويًا)... تتجاوز المحصلة بسهولة ستين دولارًا في يوم عادي لشاب تجاوز العشرين من عمره ولا يستطيع أن يعمل بدوام كامل في غالب أشهر السنة.

التفكير في الأمر قد يدفع المرء إلى حافة الجنون. التعايش معه بصمت ودون كثير من التفكير قد يكون أفضل للإنسان ولمن يحيطون به... وطبعًا للسياسيين.

اقرأ/ي أيضًا:
الخيم الذكية.. ابتكار عربي لتخفيف معاناة اللاجئين