23-أغسطس-2022
غرافيتي في بيروت

غرافيتي في بيروت

في حديث مع صديق، وهو دكتور في الاقتصاد، ردد أمامي الصيغة التالية: "إن جئت بمجتمع ودين وثقافة وسياسة وبشر وحجر ولم تأت بالاقتصاد فلن تستطيع بناء أي نظام وسينهار كل ما ذكر"، ويتابع بتأكيد مقولته بطريقة معكوسة: "هات اقتصادًا وعندها يمكن بناء المجتمع والدين والثقافة والبشر والحجر". هذا الصديق كان يرى ويحلل المسائل دومًا انطلاقًا من المال بمعناه الاقتصادي لمجتمع ما. يقول هذا الصديق: "ابحث دومًا عن عنصر المال لتفهم أكثر المسائل والقضايا وديناميكاتها".

تتأثر أفعالنا بالقيم المعمول بها في مجتمع ما، ويبادر الفرد إلى الامتثال لهذه القيم ومعاييرها بغية الانتماء أكثر إلى الجماعة، وتبعًا لذلك تنوجد داخل الفرد رغبات تحفزه على أداء هذه القيم والانخراط في منظومتها

القيم وعلاقتها بالاقتصاد

تتأثر أفعالنا بالقيم المعمول بها في مجتمع ما، ويبادر الفرد إلى الامتثال لهذه القيم ومعاييرها بغية الانتماء أكثر إلى الجماعة، وتبعًا لذلك تنوجد داخل الفرد رغبات تحفزه على أداء هذه القيم والانخراط في منظومتها. وتنطلق نظرة الفرد لنفسه، وكذلك نظرته للآخرين، وأيضًا نظرة الآخرين إليه، من مدى تمسكه بهذه القيم. فالرجولة مثلًا تعني أن يكون الفرد مقدام وأن يهب لعون الآخرين مما يترك بداخل كل من الشخص المبادر والشخص المتلقي للمساعدة نوعًا من شعور نفسي جواني لطيف تجاه الذات وتجاه الآخر.

أولًا، الفضائل الخلقية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية التي تقوم عليها حياة مجتمع إنساني ما تتضمن المعتقدات التي تعتنقها جماعة ما والتي تنظم وتحدد بدورها الصواب والخطأ. هناك قيم عند العرب تأخذ مكانة واسعة ولها أهمية كبيرة كون هذه المجتمعات عشائرية أكثر من كونها مجتمعات فردانية. في لبنان على سبيل المثال، هناك أهمية كبرى تعطى للنخوة ومساعدة الآخرين والكرم وحسن استقبال الضيف وإكرامه وتعزيزه.

وهكذا، جاءت الأزمة المالية في لبنان لتؤكد صحة هذه المقولات مع كل ما نتج عنها منذ أواخر عام 2019 وحتى اليوم. مجلدات يمكن أن تكتب وتحكى عن التغيرات الاجتماعية والثقافية التي طالت المجتمع اللبناني واللبنانيين. المراقب لحال الشعب اللبناني والمتفحص والملاحظ لديناميكيات التغيير الطارئة والمستجدة يمكن أن يدهش من حجم الفروق بين الماضي والحاضر، أي بين مرحلتين، مرحلة ما قبل عام 2019 حين كان سعر صرف الدولار الواحد مثبتًا عند سعر 1500 ليرة لبنانية، ومرحلة ما بعد عام 2019 وحتى اليوم حين وصل سعر صرف الدولار إلى ما يقارب 30 ألف ليرة لبنانية وأكثر.

ما يهمنا في هذا المقال رصد مجال واحد، زاوية واحدة، ألا وهي العلاقة بين الاقتصاد والقيم: التغيرات التي طالت المنظومة القيمية/ السلوك البشري عند شرائح واسعة من اللبنانيين تبعًا لتأثر هذا السلوك بالاقتصاد. وبالرغم من كون القيم مفهوم مجرد نسبيًا، وبالرغم من صعوبات القياس وعدم وجود دليل على ما يمكن أن تفعله القيم في المجتمع ككل، وعدم القدرة على إمكانية التعميم، لكن تبقى المشاهدات الحية برهانًا على القول. ولفهم الأوضاع عن قرب، سنستعرض مشاهدات وحكايا من المجتمع اللبناني باتت متداولة على الألسن وعابرة لدى فئة واسعة من الشعب اللبناني علها تشي بما يجب قوله بشكل أوضح.

قتلوا فينا النخوة!

رامح (اسم مستعار)، جندي في الجيش، 49 عامًا، يسكن في إحدى القرى اللبنانية في منطقة البقاع، كان يقبض راتبه في مع بداية الشهر ويصرخ مستشيطًا من الغضب، وعند سؤاله عن سبب غضبه أجاب: "فاتورة الكهرباء أكثر من راتبي"، ويضيف: "والله قتلوا فينا النخوة". يشير رامح إلى أنه بات يتجنب دعوة أبناء بلدته إلى داره أثناء مرورهم من أمام منزله، وذلك لعدم قدرته على تحمل تكاليف الضيافة. وكما هو معلوم، فالقرى البقاعية تسكنها العشائر والعائلات الكبيرة وتكتظ بالسكان، وتنتشر فيها عادات وتقاليد الكرم والضيافة، فمن الصبحية وشرب القهوة والترويقة، إلى السهرية مساء ولعب الورق، وصولًا إلى نحر الخراف في المناسبات.

كانت هذه العادات متداولة وبكثرة بين أبناء البلدة. أما اليوم، أصبح راتب رامح أقل من 100 دولار أمريكي، بعدما كان يبلغ راتبه في السابق أي قبل عام 2019 ما يقارب ألفي دولار أمريكي. هوة شاسعة أصابت مرتبات عشرات الآلاف من الموظفين في القطاعات العامة والخاصة وأدت إلى تدهور القدرة الشرائية لكثيرين.

وأما فيصل، موظف متقاعد، 62 عامًا، فيقول "كلو كوم وتأمين التدفئة كوم تاني". يحكي فيصل كيف أن السهرات الشتوية وتجمعات الأقارب والأصدقاء للعب الورق تتطلب تأمين التدفئة للضيوف. يقول: "بت أستحي من عزيمة الناس إلى منزلي كي لا تطول السهرة وتطول معها مدة اشتعال الصوبيا وحرقها لمادة المازوت"، ويضيف: "الكثير من أهالي ضيعتي باتوا يقتصدون في عزيمة أقاربهم وأصبحت تتركز السهرة في منزل واحد يكون بمقدوره توفير التدفئة خلال السهرة بعدما كانت السهرات تتم مداورة في منازل الأصدقاء والأقارب". هنا، بات مصطلح اقتصاد يعني التقشف والقلة.

كثير من اللبنانيين باتوا يقتصدون في استهلاك الكهرباء، وصارت الإنارة تقتصر على الغرفة المأهولة فقط، بعدما كانت المنازل "تشعشع" إنارتها ليلًا ونهارًا

يقول صديقي الخبير الاقتصادي في إحدى النقاشات سويًا: "هل النخوة مجانية؟ هل الكرم مجاني؟ هل استقبال الضيوف متاح مجانًا؟". يتابع شرحه مشيرًا إلى أن المنظومة القيمية بحاجة إلى سند مادي ومالي كي يصار إلى التحلي بها. ويفند المسألة عبر المثال التالي: النخوة بحاجة إلى مال، فمساعدة الآخرين ونجدة قريب وقع في مشكلة يحتاج من الفرد أن يبذل مجهودًا ووقتًا ومالًا".

ويتابع بالقول: "وقس على ذلك، الكثير من القيم كالكرم واستقبال الضيف وإكرام الميت عبر إقامة مأدبات الطعام عن روحه، أو في الأعراس التي باتت تتطلب الكثير الكثير من الماديات التي تفرضها القيم والعادات والتقاليد (حفلات الخطبة وشراء الذهب والثياب والزفاف والمنزل وأثاث المنزل والمهر والمقدم والمؤجل ألخ).

"اقتصاد" في القيم؟

كثير من اللبنانيين باتوا يقتصدون في استهلاك الكهرباء، وصارت الإنارة تقتصر على الغرفة المأهولة فقط، بعدما كانت المنازل "تشعشع" إنارتها ليلًا ونهارًا، بينما اليوم ومع انقطاع كهرباء الدولة وانتشار مولدات الكهرباء الخاصة صار المواطن يحسب حساب كل شاردة وواردة. من الكهرباء إلى مياه الصرف الصحي ومياه الشرب وحزمة الإنترنت. كلها باتت أسعارها خيالية وارتفعت أكثر من 10 أضعاف أو تدولرت بالكامل، مما انعكس على قيم وأنماط الاستهلاك لدى العديد من اللبنانيين.

ومن هذه المظاهر أيضًا، توجه الكثيرين إلى التوقف عن شراء الماركات التي كانت في متناول غالبية اللبنانيين، وأما اليوم توقف أصبح المواطن يبحث عن بدائل ربما، عبر الذهاب إلى بالات الألبسة المستعملة أو شراء الماركات من الصناعة المحلية أو السورية ذات التكلفة الزهيدة والجودة الرديئة إلى حد ما. أصاب "اقتصاد" القيم الأطعمة والألبسة ومجالات الترفيه عند فئات عريضة من اللبنانيين، بينما اتسعت الهوة بين الطبقات بشكل فاقع، وسط تحلل الطبقة الوسطى وانقلاب الطبقات رأسًا على عقب.

توقف الكثير من اللبنانيين عن شراء الماركات، وأصبحوا يبحثون عن بدائل عبر الذهاب إلى محالات الألبسة المستعملة

 

عارف، 35 عامًا، من قرى بعلبك، وهو رقيب في السلك العسكري، تحدث عن نظرة المجتمع إلى الموظف في الجيش والقوى الأمنية، وعلق بالقول: "بات ينظر إلى أفراد الجيش والقوى الأمنية بكونهم فقراء. صار الجميع يرثي لحالهم وينظر إليهم بشفقة أو تعاطف"، ويضيف: "كان الجندي بالجيش اللبناني والقوى الأمنية تفتح له الأبواب لما يتقدم لطلب عروس/زوجة، وكان قادرًا على تأمين بيت وسيارة، ويعمل عرسًا، ويعيش حياة جيدة"، وأما اليوم فصار شراء عفش البيت لوحده بحاجة إلى ادخار لمدة عشر سنوات أو أكثر. وبات شوفير الباص يتلقى من الجنود نصف التعرفة ويراعي أوضاعهم وظروفهم المعيشية. فبمجرد ارتداء أحدهم لزي الجيش والقوى الأمنية فهذا يعني أنه "مشحر ومنتوف" ماديًا.

يقول سامر، 40 عامًا، "حين أركب في الباص أو التاكسي وأجد أحد معارفي أو أقربائي في الباص تنتابني مشاعر الحيرة والخجل"، فالقيم العشائرية في لبنان، بحسب قوله، تفترض أن يدفع شخص واحد التعرفة عن الآخر، ويشير إلى أن المسألة تزداد تعقيدًا في حال كان الشخص الأخر امرأة، فمن الواجب إظهار قيمة الشهامة في هذه الحالة. يعلق سامر ضاحكًا "بصير كل واحد فينا يتساءل بينه وبين نفسه: يا ترى مين يلي بدو يمد إيدو على جيبته قبل التاني ليتولى المهمة".