اقتصاد السماء.. كيف تحطم حلم فولكسفاغن بالسيارة الطائرة في الصين؟
3 أغسطس 2026
دخلت مجموعة فولكسفاغن الألمانية سباق السيارات الطائرة في الصين بطموحات كبيرة، ساعية إلى استغلال أسرع أسواق العالم نموًا في تقنيات الطيران الكهربائي، إلا أن المشروع الذي بدأ عام 2019 انتهى بعد خمس سنوات بالفشل، وسط نزاعات قانونية، واتهامات بسرقة الملكية الفكرية، وتفوق المنافسين الصينيين الذين سبقوا الشركة الألمانية في هذا القطاع الناشئ.
رهان على "اقتصاد السماء"
في الوقت الذي كانت فيه فولكسفاغن تتصدر مبيعات السيارات في الصين، قررت الشركة توسيع نشاطها إلى ما يُعرف بـ"اقتصاد الارتفاعات المنخفضة"، وهو قطاع يشمل المركبات الكهربائية القادرة على الإقلاع والهبوط عموديًا (eVTOL)، والتي يُنظر إليها بوصفها مستقبل النقل داخل المدن.
بدأت فولكسفاغن عام 2019 تطوير سيارة طائرة في الصين للاستفادة من قطاع "اقتصاد السماء"، فكيف كانت نهاية هذا المشروع؟
ورأت الشركة أن بإمكان هذه المركبات تقليل الازدحام المروري، ونقل الركاب بين المدن الكبرى مثل بكين وتيانجين بهدوء يفوق المروحيات التقليدية، مستهدفة شريحة الأثرياء الباحثين عن وسائل نقل فاخرة وحصرية.
مشروع صيني بالكامل
أنشأت فولكسفاغن فريقًا صغيرًا في بكين يضم أقل من عشرة مهندسين بقيادة تشو جين، وكلفته بتطوير سيارة طائرة تحمل شعار الشركة، في خطوة وصفت داخليًا بأنها مشروع "في الصين ومن أجل الصين".
وكان المخطط الأولي يقضي بإنتاج نموذج أولي يحمل اسم V.MO خلال نحو عامين، مع تصميم يتسع لأربعة ركاب وأمتعتهم، ويضم تجهيزات ترفيهية وشاشات رقمية داخل المقصورة.
لماذا احتاجت فولكسفاغن إلى شريك صيني؟
أدركت الشركة الألمانية مبكرًا أنها لا تمتلك الخبرة الكافية في هذا المجال، وأن الشركات الصينية باتت تتفوق في بعض تقنيات الطيران الكهربائي، لذلك بدأت البحث عن شريك محلي قادر على تسريع المشروع.
لكن المهمة لم تكن سهلة، إذ كانت فولكسفاغن تبحث عن شركة تمتلك التكنولوجيا دون أن تكون مرتبطة بشكل وثيق بجهات حكومية قد تثير حساسيات سياسية أو قيودًا غربية.
تصميم مبهر... وخلافات مبكرة
في عام 2021 اختارت فولكسفاغن شركة Pantuo Aviation الناشئة في شنغهاي لإجراء دراسة جدوى للمشروع.
وقدمت الشركة الصينية تصميمًا لمركبة تحمل اسم Pantala، مزودة بأربعة أجنحة دوارة، ووصفها مسؤولون بأنها بدت أقرب إلى مركبات أفلام "حرب النجوم" منها إلى الطائرات التقليدية.
لكن مؤسسة الشركة الصينية، تشانغ تشيونغ، قالت لوكالة "رويترز" إن فريق فولكسفاغن كان يمتلك أفكارًا طموحة، لكنه افتقر إلى خطة عملية واضحة لتنفيذ المشروع، مضيفة: "في البداية لم يكن لديهم أي شيء تقريبًا، ولم يسبق لهم القيام بذلك".
نزاع حول الملكية الفكرية
تحولت الشراكة لاحقًا إلى نزاع قانوني حاد، بعدما اتهمت شركة Pantuo Aviation فولكسفاغن بالاستيلاء على أسرار تجارية وتقنيات خاصة بها. وأدى ذلك إلى سلسلة من الدعاوى القضائية والتحقيقات الجنائية، فيما أصبح مدير المشروع الصيني تشو جين محور تحقيق جنائي بدأ في أواخر عام 2023، وفرضت عليه قيود سفر، بينما أكدت الشركة الصينية أنها كانت تستهدف فولكسفاغن نفسها في شكواها وليس المدير بشكل شخصي.
المنافسون تجاوزوا فولكسفاغن
بينما كانت فولكسفاغن منشغلة بالخلافات القانونية وإعادة تقييم المشروع، كانت شركات صينية مثل XPeng AeroHT وGeely تواصل تطوير مركباتها الطائرة بوتيرة أسرع، مستفيدة من الدعم الحكومي والاستثمارات الضخمة في قطاع الطيران منخفض الارتفاع.
وفي الوقت نفسه، استحوذت شركة Wanfeng الصينية على شركة Volocopter الألمانية المتعثرة، في خطوة عززت حضور الصين في هذا القطاع الناشئ.
نهاية المشروع
رغم نجاح الفريق في تطوير نماذج أولية وحصول المشروع على موافقات داخلية للانتقال إلى مرحلة التصنيع التجاري، قررت الإدارة الجديدة لفولكسفاغن في الصين إيقاف المشروع عام 2024.
وجاء القرار في وقت كانت الشركة تواجه تراجعًا حادًا في مبيعاتها وأرباحها داخل السوق الصينية، إلى جانب تصاعد الضغوط التنافسية من شركات السيارات المحلية، ما دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على أعمالها الأساسية.
ترى رويترز أن قصة السيارة الطائرة تعكس تحولًا أعمق في العلاقة بين الشركات الغربية والصين.
فعلى مدى عقود، كانت الشركات الأجنبية تخشى من نقل تقنياتها إلى الشركاء الصينيين، أما اليوم، فقد أصبحت الشركات الصينية تمتلك تقنيات متقدمة في مجالات استراتيجية مثل المركبات الطائرة، وأصبحت أكثر استعدادًا للدفاع عنها عبر القضاء.
ويقول خبراء في الملكية الفكرية إن الصين باتت تشهد تشددًا أكبر في ملاحقة قضايا سرقة التكنولوجيا، خاصة في القطاعات التي تعتبرها الحكومة أولوية وطنية، وهو ما يجعل الشركات الأجنبية تواجه بيئة قانونية وتنافسية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.








