اقتصاديات إعادة التدوير.. كيف يتصرف العالم في قمامته؟

اقتصاديات إعادة التدوير.. كيف يتصرف العالم في قمامته؟

تخلق صناعة إعادة تدوير النفايات المزيد من الوظائف (Noor)

إعادة التدوير، المطلب البيئي المُلح للمجتمعات ذات التعداد السكاني الضخم والحجم الهائل من النفايات. كيف يمكن لإعادة التدوير، أن تحول عالم التلوث والغازات الدفيئة والاحتباس الحراري إلى عالم آخر، يعيد استخدام نفاياته، ليس فقط لمجرد تلافي التلوث الناتج عن التخلص منها، بل أيضًا للاستفادة منها كمعول بناء اقتصادي لا يمكن تجاهله؟

تقلل إعادة التدوير من استهلاك المواد الخام، وبالتالي من تكاليف استخراجها، والنتيجة هي تقليل استخدام الطاقة وخفض التلوث

لا يعني الأمر أن المواد المعاد إنتاجها من مسيرة التدوير تلك، ستكون بجودة أقل لمستخدميها، بل ربما تكون بنفس الجودة وبسعر تنافسي. لكن هل هذا ممكن؟ وهل يعي العالم أهمية التدوير؟ وهل يمكن فحص هذه الحقائق بالأرقام؟ بل هل التدوير نفسه قضية كبيرة؟

اقرأ/ي أيضًا: ما هي إمكانية القضاء على تهديد الكوكب بالنفايات البلاسيتيكة؟

كيف نفهم التدوير؟

إعادة التدويرهي عملية تحويل النفايات إلى مواد يمكن إعادة استخدامها، وهي بديل للتخلص "التقليدي" من النفايات، يمكن أن يوفر المواد ويساعد على تقليل الانبعاثات السامة، ومنع هدر المواد المفيدة المحتملة السابق استخدامها.

وتقلل إعادة التدوير من استهلاك المواد الخام، وبالتالي تقلل تكاليف استخراجها. وبناءً على ما سبق تكون النتيجة المتوقعة: تقليل استخدام الطاقة، وخفض معدلات تلوث الهواء والمياه والبيئة عمومًا.

النفايات

كل شيء تقريبًا يمكن استخدامه في عملية إعادة التدوير، من الزجاج والورق والكرتون والمعادن والبلاستيك والإطارات والمنسوجات والبطاريات وحتى الإلكترونيات، بل إن عملية استخدام السماد العضوي و إعادة الاستخدام الأخرى للنفايات القابلة للتحلل العضوي، مثل نفايات الطعام والحدائق؛ تعد أيضًا شكلًا من أشكال إعادة التدوير، حيث توفر هذه العملية المزيد من الأيدي العاملة التي تعمل على التقاطها من صناديق الرصيف ، ثم يتم فرزها وتنظيفها وإعادة معالجتها إلى مواد جديدة مخصصة لتصنيع منتجات جديدة.

وتعد إعادة التدوير مكونًا رئيسيًا في الحد من النفايات الحديثة، وهي المكون الثالث في التسلسل الهرمي "للتقليل وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير"، أو ما اصطلح على تسميته بالإنجليزية "Waste Hierarchy".

قياس إعادة التدوير.. كيف أصبح ممكنًا؟

قليلًا ما يُذكراسم آد لانسينك لادر، صاحب واحدة من أفضل النماذج التوضيحية لإداراة النفايات، وهو نموذج "هرم لانسينك".

ربما لم يُسمع عنه من قبل فهو غير معروف على نطاق واسع خارج هولندا، مع أنه صاحب المقترح المهم على الإطلاق في ترتيب أولويات التخلص من النفايات، منذ عام 1979، حيث يقع التخلص منها في الدرجة الأدنى، بينما تحتل الوقاية أو من إنتاجها الدرجات العُليا، حين تكون محصلة العملية الاستهلاكية من النفايات "صفر". المقترح حظي باهتمام  صانعي القرار من السياسيين، في بلاده وخارجها.

الاقتصاد و التدوير.. الكرة في ملعب مَن؟

الحديث عن العلاقة بين إعادة التدوير والاقتصاد يبدو متفائلًا رغم عوائق التكلفة من ناحية وعوائق التنفيذ من ناحية أخرى.

على سبيل المثال: استخدام الألومنيوم الخام يكلف ضعف تكلفة استخدام الألومنيوم المعاد تدويره، هذا فضلًا عن تكاليف التخلص من هذا النوع من النفايات في مساحات كبيرة (مكبات) ومكلفة للغاية.

في حين أنه يمكن الاستفادة من تلك المواد من خلال إعادة بيعها، مع المحافظة على ما تبقى من مساحة الأرض المستخدمة للتخلص من النفايات، وخاصة في البلدان التي تعاني من شُح المساحات التي يمكن الاستفادة منها. وفي هذه الحالة، فإنه سيتم توفير ما مقداره الضعف من المساحات.

كما تخلق عملية إعادة التدوير المزيد من الوظائف التي تتعدى أكثر من مجرد تفريغ النفايات. تقول الإحصائيات أن إلقاء 10 آلاف طن من النفايات في مكب النفايات، يخلق ست وظائف ، بينما يخلق إعادة تدوير 10 آلاف طن من النفايات، 36 وظيفة.

في ولاية كاليفورنيا ، تحتل إعادة تدوير النفايات وإدارتها مرتبة أعلى على المستوى الاقتصادي وخلق فرص العمل، مقارنة بقطاع الترفيه. ومن خلال إعادة التدوير، تم إنشاء  قطاع مهني رئيسي، يضم 5300 عملية تجارية ويوظف أكثر من 85 ألف عامل في الولاية. هذا القطاع ينتج ما قيمته أربع مليارات دولارات سنويًا ، بالإضافة إلى 10 مليارات دولار من السلع والخدمات.

من ناحية أخرى  تستورد بلدان مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، الورق المعاد تدويره أو نفايات الورق، لتوفير المال من ناحية، ومن ناحية أخرى من أجل الحفاظ على بعض الموارد الطبيعية لبعض الوقت، وتوفير خيارات البحث عن الموارد الطبيعية المكلفة بطبيعة الحال.

إعادة التدوير والكارثة العالمية

منذ بدء مبادرات إزالة النفايات في الضواحي الحضرية، في الولايات المتحدة، تحولت إعادة التدوير إلى صناعة تدر المليارات من الدولارات سنويًا، فكما تذكر فايننشال تايمز، نقلًا عن إحصائيات البنك الدولي، فالعالم يقوم بإعادة تدوير 270 مليون طن من النفايات سنويًا، أي ما يعادل وزن ناطحة سحاب إمباير ستيت 740 مرة.

لكن في 31 كانون الأول/ديسمبر 2017، أغلقت الصين، التي كانت في السابق مركز التجارة العالمي لإعادة التدوير؛ أبوابها فجأة أمام واردات المواد المعاد تدويرها، بسبب أن معظم ما وردها كان قذرًا أو خطرًا، مما يشكل تهديدًا للبيئة.

إعادة تدوير النفايات

 حينئذٍ انهارت أسعار الخردة والبواقي البلاستيكية والورق منخفض الجودة. وفجأة تحولت التجارة المربحة الناشئة على أعناق صناعة إعادة التدوير، إلى اقتصاد مأزوم.

هذه السياسية الصينية، التي عرفت بـ"السيف الوطني"، سياسة صارمة إلى الدرجة التي اعتقد البعض عند إعلانها، أنه لا يمكن أن تنفذ بالفعل، إذ تحولت الصين وهونغ كونغ، بها، من شراء 60% من نفايات البلاستيك التي تصدرها كل من: فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا، خلال النصف الأول من 2017، إلى أقل من 10% خلال نفس الفترة في العام التالي. 

وصف الخبراء ما حدث بـ"الخطير"، معربين عن قلقهم من أنه قد يساهم بشكل كبير في تغيير وجه صناعة إعادة التدوير على مستوى العالم، خاصة وأن سياسة الحظر الصيني هذه قد كلفت شركة واحدة من شركات إعادة التدوير في الولايات المتحدة، خسائر بقيمة 150 مليون دولار.

الولايات المتحدة تُغرق العالم بقمامتها

وفقًا لدراسة حديثة أعدتها بها مجلة "Sciences Advances"، فإن نصف كمية البلاسيتك المخصص لإعادة التدوير عالميًا، أصبحت موجهة للخارج. لكن الكارثة الحقيقية، تكمن في تتبع هذا الخيط نفسه حتى النهاية، حيث النتائج مذهلة ومؤلمة!

توصل تحقيق أجرته الغارديان البريطانية هذا العام، إلى أن مئات الآلاف من أطنان البلاستيك الأمريكي، يتم شحنها كل عام إلى البلدان النامية في جميع أنحاء العالم، لإجراء عملية إعادة التدوير غير النظامية، بآثار جانبية قاسية على الإنسان والبيئة، كونها عمليات إعادة تدوير غير خاضعة لأي معايير صحية أو بيئية.

التحقيق الذي أجرته الغارديان في 11 دولة، توصل إلى أنه في العام الماضي 2018، تم تصدير 86 ألف حاوية شحن محملة بالبلاستيك الأمريكي لإعادة تدويره، إلى دول نامية تدير بنفسها 70% من نفاياتها الخاصة. هذه الدول، هي من بين أفقر دول العالم، منها: بنغلاديش ولاوس والسنغال وإثيوبيا. وفي هذه الدول تتوفر الأيدي العاملة الرخيصة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه في أيار/مايو الماضي، وقعت 187 دولة، معاهدة تمنح الدول القدرة على منع استيراد النفايات البلاستيكية الملوثة أو التي يصعب إعادة تدويرها. لكن الولايات المتحدة امتنعت عن التوقيع على هذه المعاهدة التي كان أجد أهدافها الرئيسة منع استخدام البلاستيك صعب التدوير وبالتالي تقليل استهلاكه عالميًا.

كما يُذكر أنه في عام 2015، صدر للصين وهونغ كونغ نحو 1.6 مليون طن من البلاستيك الأمريكي المعاد تدويره، غير أن كثيرًا منه كان ملوثًا ولا تزال بقايا الأوساخ عالقة فيه، وما كان في جعبة الصين إلا طمره، في أراضيها. لذا، وفي ظل المخاوف المتزايدة بيئيًا وصحيًا من هذا النوع من إعادة التدوير، طبقت الصين سياسة المنع في هذا المجال، وتبعتها دول مثل فيتنام وماليزيا وتايلاند.

لكن الولايات المتحدة وجدت البديل فورًا، ففي 2018، ووفقًا لتحقيق الغارديان، توجهت سفن حاويات محملة بـ260 طنًا من البواقي البلاستيكية الأمريكية، نحو إحدى أكثر الأماكن المغطاة بالبلاستيك على الإطلاق، إنها مدينة سيهانوكفيل الساحلية الكمبودية.

اقتصاد التدوير عربيًا.. أي مستقبل؟

في دراسة نُشرت حول واقع اقتصاد إعادة التدوير في المنطقة العربية، وصف باحثون في جامعة روستوك الأمريكية، الدول العربية، بأنها تفتقر إلى وجود تشريعات مناسبة بشأن النفايات، أو معايير قانونية واضحة وإستراتيجيات طويلة الأجل في هذا المضمار. 

كما أشارت الدراسة إلى افتقار الدول العربية لهياكل تنظيمية فاعلة قادرة على تسهيل عمليات إعادة التدوير، علاوة على وجود عجز في الموظفين المدربين، وعدم وجود مساواة في الخدمة بين المناطق الريفية والحضرية، والافتقار إلى قاعدة بيانات موثوقة.

والحكومات في المنطقة العربية إما أنها تمول جمع النفايات الصلبة والتخلص منها، كما يحدث في تونس ولبنان، وفقًا للدراسة، أو أنها تقوم بتعويض التباين بين تكاليف وإيرادات التخلص من النفايات، كما يحدث في الجزائر ومصر وسوريا والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، وفقًا للدراسة أيضًا.

التلوث

وتذكر نفس الدراسة أنه في عام 2014، تم التخلص من ما يتراوح ما بين 60 إلى 65% من النفايات في الجزائر بواسطة الحرق، وما بين 30% إلى 35% بواسطة الدفن، و1% استخدم كسماد عضوي، فيما تم إعادة تدوير 7% فقط.

تكشف هذه الأرقام عن ضعف كبير في الوعي البيئي المؤسسي والشعبي في المنطقة العربية، فعلى سبيل المثال، أجري استطلاع رأي عام 2017 في سلطنة عمان، لرصد مستوى الوعي بإدارة النفايات، فتكشف أن 20% فقط من المشاركين في الاستطلاع كانوا على دراسة بوجود برنامج محلي لإعادة التدوير، وشهدت قطر كذلك أرقامًا مشابهة.

النفايات الأمريكية تغرق العالم، إذ تصدّر الولايات المتحدة ملايين الأطنان سنويًا من النفايات لإعادة تدويرها في أفقر دول العالم!

إذًا، ربما يكون العالم بحاجة إلى مبادرات أكثر وعيًا لمواجهة طوفان النفايات الذي يحتل العالم، وكيفية الاستفادة من هذه النفايات حفاظًا على الصحة والبيئة، وتنمية الاقتصاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

القاتل المتسلل.. النفايات البلاستيكية تلتهم العالم

تقرير بحثي أسترالي: نهاية العالم في 2050!