اغتيال فلويد وحرب الطبقات

اغتيال فلويد وحرب الطبقات

مشهد من نيويورك (سبنسر بلات/Getty)

منذ الاغتيال المعلن للمواطن الأمريكي جورج فلويد والمشاهد المبثوثة من أرض "الأحلام الكبرى" بالازدهار المالي، ليس الاقتصادي، والعيشة الديمقراطية المكفولة على ورق الدستور، المنتهكة في كامل التفاصيل الباقية، تتدحرج بشكل تراكمي على "تريدميل" إعادة إنتاج مشهد المراوحة السياسية بنسختها الأمريكية المعاصرة. ذات المراوحة القائمة، بنسختها الحالية، على الأقل منذ أيلول/سبتمبر 2011 الذي تعرف العالم فيه على صرخة معيشية/ضميرية لم يكتب لها، بقلمها وقلم البيئة غير الأليفة، أن تكون أكثر من ذكرى "احتلوا وول ستريت".

السؤال عن  اغتيال جورج فلويد، هو ذاته السؤال عن  استعباد أجداده وخطفهم من أفريقيًا أولًا، وهو ليس بالسؤال العرقي الخالص كما يبدو

مرد حديث المراوحة بمعانيها السياسية الوافية لا يعود فقط لما يمكن الإطلاق عليه بالقصور في القراءة كما الممارسة في الحيز السياسي "المتاح" أمريكيًا على جبهة القوى الاجتماعية المضادة للوضع القائم، على إشكالية وتبعات هذا القصور. بل يكمن في ممكنات وإعدادات ضبط مصنع الوضع القائم بنفسها أيضًا. هنا عودة واجبة ومستمرة للفهم الأساسي، أو فهم الأساسات الرأسمالية الناظمة، أي منطلقات هذا النظام القائم بسيطرة الاقتصاد السلطوية على مجمل حياة الناس وتفصيلاتها، رفقة قدسية قانون القيمة ضمن هذا النظام ومسالك مراكمة فائضها، التي لم تعد إنتاجية إلى حد بعيد في النسخة الرأسمالية الحالية في اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية وسوقها، لإبقاء الهيمنة على الاجتماع الإنساني في أقصى مداها.

اقرأ/ي أيضًا: جورج فلويد.. القتل في زمن الكورونا

بالنظر إلى الاشتباك القائم مع قوى صيانة واستدامة الوضع القائم والقوى المتضررة منه وغير الراضية عنه يصير من الممكن الضروري العودة لقصور قراءة الواقع بما لها من أثر خادم للمستفيدين منه على حساب المتضررين بحكم الطبع والضرورة. خاصة وأن التصنيع، منذ القرن 19، وهو العتبة الكبرى للانطلاقة الرأسمالية الأنجلوفونية، بعد قرابة 300 سنة من المركنتيلية التمهيدية، آخذ أشكالًا مموهة بل ومخادعة بنسخ الرأسمالية النيوليبرالية وممكناتها. وهو، أي التصنيع، أمسى في زمن وقف الإنتاج بحراب الحجر الصحي إلى جانب "الحروب التجارية" المدعاة و"الأوتسورسنغ" يمثل جرحًا غائرًا عند أهل الرأسمال المضارباتي المالي. هذا ليس بعيدًا عن وجوب عدم الإقرار تاريخيًا وتأريخيًا بالابتداع الرأسمالي للمركزية الأوروبية، كما "العولمة" نفسها بصفتها أحد الأنشطة وأشكال انتقال المنتوجات ورأس المال والقيم والمعارف. فأن يتم إطلاق تسمية واصطلاح على شيء ما عند النقطة ج لا يعطي مصداقية للتسليم بأن ذات الشيء لم يكن معلومًا أو ممارسًا لدى النقطة أ مثلًا.  

يمكن القول أن ما شهدته ساحة الصراع الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية على مر القرن 20 وحتى اليوم هو حرب على الفقراء لا على الفقر، كما أنها غير عرقية إلا في جانب منها بما هي حرب الطبقات. حرب حاضرة بكل الممكنات والممهدات الخطابية المساندة والمضادة بقوة الغطاء العرقي دائم الحضور في أرض العنصريات المتفاقمة، وغير المفككة إلى حد شاسع. ذات الأرض، أي الولايات المتحدة الأمريكية، التي تشهد في وقت كوفيد19 على هزيمة نكراء يعيشها القطاع الصحي العام وخدمات الجمهور المنتظرة منه، بينما كل شيء متوفر وجميل في المنشآت التي تتلقف دفاتر التأمين الذهبية والفضية، بصرف النظر عن لون بشرة حاملها ولكنته غير المهمة لـ"اليد الخفية" وأسطورة سوقها الحر. كما ذات الأرض التي شهدت في حقبة وباء آخر، الإنفلونزا الإسبانية، على أعتى أشكال تنظيم الثورات المضادة ضد الإضرابات العمالية الشاهقة آنذاك، من خلال التنظيم الشبكي لكاسري الإضراب، الذين للمناسبة حضروا من مختلف الألوان والنحل، للتنكيل بالمضربين على تنوعهم العرقي أيضًا.

لذلك قد يكون من المفيد بمكان أن يحضر الاستفهام  أمريكيًا عن إفقار القطاع الصحي، خاصة في ظل إغناء القطاع البنكي، متعدد الانهيارات، دون أن يقدم راسم سياسات أو مهرب حسابات واحد للمحاسبة والمحاكمة الفعلية، بينما رئيس "القانون والنظام" يوجه إلى الاعتقال بالجملة ضد المحتجين على اغتيال جورج فلويد، بما يحمل هذا الاغتيال من عنصرية، طبقية وعرقية، وسلطوية قمعية واضحة. فماذا يجب أن يعني تجريم فعل تحطيم واجهة متجر تجزئة في حين أن كبار مزودي هذا المتجر وغيره بسلع ليست من إنتاج علاماتهم التجارية إلا اسمًا يمارسون السطو العلني على المصير العام بمجمله. وماذا يفترض أن يصنف كم الاحتيال الضخم والمعلن الذي تمارسه رساميل الرأسمال التواصلي، من فيسبوك وتويتر ومثيلاتها، التي تقدم ذواتها حامية للحقوق والحريات، بل حتى الديمقراطية أيضًا، في الوقت الذي تتربح بتراكم من كم التشويق والإثارة التي تضخها الحسابات التي لدونالد ترامب وأمثاله. مبرأة نفسه، أي الرأسمال الاحتيالي التواصلي، بوسم "لايبل" على التغاريد والتواشيح الترامبية المزعجة الخادشة. لذلك كله أيضًا، وكما يبدو سيبقى المشهد الأمريكي بخصوص الحاصل هذه الأيام، وأحداث شبيهة كثيرة متوقعة، مراوحًا في إطار موجة غضب عارمة ولكن عابرة في أقصى ما يمكن أن تتوصل إليه إذا استمرت بعيدًا عن الغوص، ليس عميقًا جدًا بالضرورة، مع التساؤلات الأولية بشأن ما الذي يجب معرفته؟ ليصبح سؤال ما الذي يجب فعله وكيف؟ من ضمن الممكنات الواقعية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أن تتعرف على جورج فلويد من فلسطين

"علينا أن نكون جميعًا غاضبين".. العالم يصرخ بصوت جورج فلويد