اغتيال الإسكندرية

اغتيال الإسكندرية

ميدان عرابي في الإسكندرية، مطلع القرن الماضي

عاهدت نفسي ألا أدخل بيتها بعد وفاتها أبدًا، كل توسلات أمي وخالاتي لم تجعلني أغيّر رأيي. كل الرجاء في عيني من تبقى من جيرانها وهم يزوروننا تباعًا لأجل السؤال عني وعن أمي. أهز رأسي رفضًا "لا". لن أبدلها ولو بحنين رائحتها في المكان. لن أزور بيت جدتي. المكان على أي حال تم طمسه. كيف أذهب إلى مكان عشت فيه ويسكن الذاكرة والقلب لأعود له فأجده غير ما عهدته؟

علمونا أن تربة الإسكندرية هشة، فهل تتحمل الأرض كل هذا البنيان؟

المكان هو حارة أبو سلطان. حارة صغيرة متفرعة من شارع "عرفان" الرئيسي في محرم بيك، الواقع وسط الإسكندرية. شارع عرفان لمن لا يعرفه شارع طويل مرتفع، يبدو في أوله كهضبة، مائل للانخفاض في آخره، حيث تقع يمينًا مجموعة من الحارات المتداخلة، هي شوارع متسعة نسبيًا قياسًا لما يمكن تسميته بالحارة. 

الحي مخطط وفق المزاج الإنجليزي. ستمشي في شوارع محرم بيك دون أن تمل من تمادي الترام الأصفر، أو رائحة الخبز الطازج والسمك المشوي. ستقف في كل محطة من محطات القطار تذكر شيئًا. كانت جدتي لا تشتري كل احتياجها من مكان واحد. أيام كانت صحتها وقدماها تسمحان لها بالتنقل بين شوارع الحي. الخبز الطازج من بشير في الرصافة. السمك المشوي من أسماك نعيم البحر في بوالينو، تعرج أحيانًا لتمشي دونما هدف ناحية "محطة مصر".

بيت جدتي أسّس على المزاج الإنجليزي، وهو آخر بيت قديم في المنطقة، كانت شرفته الأرابيسك درعًا صغيرًا يحميني من أن أطل على العالم. فيما بعد، وبعد قراءة "المسافر خانة" لجمال الغيطاني -الذي احترق ولم يأسف عليه أحد- عرفت أن الشرفة الأرابيسك مصممة لأجل الستر. مفهموم عربي جميل أيضًا لم يعد يعني أحدًا، استبدل بالستائر القبيحة في البلكون، في مشهد بائس.

لا أبالغ حين أقول أنني أتجنب المرور بجوار بيتها اليوم. وإن مررت غصبًا، لا أرفع عيني لأرى أي مبنى شاهق قبيح احتل مكان البيت القديم والشرفات العالية والمنافذ الأرابيسك. يا بيت جدتي.. يا بيت عزي القديم.

منذ خمسة عشر عامًا لم تكن ميامي هكذا. لست باحثة في جغرافيا المكان أو ديمغرافيته، لكن كل تلك الأبراج الشاهقة التي قد تطاولت في البنيان، في مساحة قد تقل عن نصف الكيلومتر، لم تكن موجودة من قبل. العمارة التي فيها أربع وعشرون طابقًا كيف يأمن أصحابها عليها؟ لقد علمونا أن تربة الإسكندرية هشة، فهل تتحمل الأرض كل هذا البنيان؟ هل يتحملنا البحر الذي يأكل من أطرافها غضبًا ومللًا؟ 

يخبرني سائق التاكسي أن الفساد في المحليات للركب. وهي جملة معروفة في الإسكندرية، وإلا قولي لي: كيف يغير موظف بسيط في إدارة الحي الفلاني سيارته كل عام؟ إذا كانت العمارة تساوي ستة ملايين جنيه، فما يضير صاحب البناء أن يرشيه بمائة ألف جنيه. أطرق الرجل رأسه في الإشارة وقال وهو يشعل سيجارة: جاري أحدهم، وأنتظر فعل الزمن فيه، فهو يريد أن يهدم عمارتنا لأنها إيجار قديم ويعطينا بضع آلاف زهيدة ليبني برجًا يبيع الشقة فيه بالشيء الفلاني، أين أذهب أنا وأولادي يا مدام؟

صورة التخريب المصغرة في الإسكندرية هي صورة الخراب الكبير التي طالت كل مكان في مصر

تُترك الإسكندرية تغرق في مياه المجاري شتاء، وكذلك تزدحم بمصيفين لم تتحضر جيدًا لاستقبالهم، ولم ترصد القوانين لحماية شواطئها من التلوث، كما لم تعالج مشكلة المجاري الضاربة في البحر. يترك السيد المحافظ سوء التخطيط هذا كله وفساد إدارات الأحياء والمناطق الأثرية التي طالها الإهمال، على سبيل المثال لا الحصر؛ بيت سيد درويش في كوم الدكة الذي تحول إلى مقلب زبالة كبير، في وسط كوم الدكة التي تعاني الاإهمال أصلًا! يترك المحافظ كل هذا ليعتني بالترام، ويؤسس "الترام كافيه" ويجعل تذكرته بخمس جنيهات، وهو المواصلة التي تربط الإسكندرية ببعضها بمبلغ زهيد يتحمله المكتفي والفقير.

ثم يستدير إلى ذكرياتنا في محطة الرمل، فيهدم أشهر أكشاك بيع الكتب والجرائد المرخصة منذ خمسين عامًا يوم كان سيادته ملفوفًا بقماطه، ويهدم معها، من سوء التدبير، كشكين تابعين أصلًا للترام في مشهد شديد البؤس. على أية حال صورة التخريب المصغرة في الإسكندرية هي صورة الخراب الكبير التي طالت كل مكان في مصر.

في النهاية أقتبس قول أستاذنا صلاح الجبيلي: "البيوت كائنات حية تختلط أرواحها بأرواح ساكنيها الراحلين، أو أولئك الذين ما زالوا على قيد الحياة. على جدران البيوت نترك فوق الطلاء آثار أصابعنا الصغيرة المختلطة بطعام الموائد وكعك الجدات. في كل ركن آثار للدموع حين تنكسر لعبة أو تنفجر بالونات العيد في وجوهنا البريئة. على درجات السلم العتيقة آثار أقدام الآباء العائدين من أعمالهم مرهقين يحملون أطعمة لذيذة يجلس الصغار في انتظارها. وراء ستائر النوافذ تنظر المراهقات في شغف وحذر إلى الصبية البالغين في الناحية الأخرى من شرفة الجار البعيدة. فوق الوسادة المبللة بالدموع تغفو الأمهات في انتظار زوج مسافر، أو ابن غاضب بعد مُشادَّة حامية مع الأب بسبب درجات الامتحان. في غرفة جلوس العائلة يجلس حزينًا كرسي الجد الذي ما زال يحمل رائحته رغم مرور السنين على وفاته. بعد كل هذا يأتي شخص غليظ القلب متبلد الإحساس ليقرر هدم هذا المبنى العتيق وإنشاء ناطحة سحاب تسد نوافذ السماء، تأتي الجرَّافات لتحول كل هذه الذكريات إلى ركام يتصاعد مع الأتربة نحو السماء".

اقرأ/ي أيضًا:

مصر.. انقلاب الانقلاب على فلسطين

مذبحة ماسبيرو.. من يحمي الجيش من بطش الأقباط؟