"اغتصاب الذكور".. سلاحٌ ممنهج في الحرب الليبية!

علي، أحد الرجال الذين تعرضوا للاغتصاب في ليبيا (الجارديان)

لم تنته جرائم الحرب في ليبيا التي لم تعرف على مدار السنوات الماضية سوى الفوضى والدمار. لكن أبشع تلك الجرائم كان ما كشف عنه فريق من الصحفيين المحققين، وهو اغتصاب الذكور، وبشكل ممنهج، كأداة للحرب يستخدمها المتصارعون في ليبيا منذ 2011. في السطور التالية، ترجمة بتصرف لتقرير أعدته صحيفة الغارديان البريطانية عما كشفته مجموعة الصحفيين المحققين. 


وفقًا لشهاداتٍ مُتعدِّدة جمعها بعض الُمحقِّقين، كُشفَ عن أن اغتصاب الذُكور اُستخدِم بشكلٍ ممنهج في ليبيا، كأداةٍ للحرب والهيمنة السياسية من قِبل الفصائل المُتنافِسة.

وأنتجت سنوات من العمل والتحقيق من قِبل إحدى المجموعات، والتي تتخذ من تونس مقرًا لها، وشهدها صحفي من صحيفة لوموند؛ تقارير مُروّعة عن الضحايا، ومقاطع فيديو تُظهر رِجالًا يتم اغتصابهم بأشياءٍ مُختلِفة، بما في ذلك مقابض الصواريخ والمكانس. وفي العديد من الحالات، يقول الشُهود إن الضحية يُلقى به في غرفةٍ مع سُجناء آخرين، أُمروا باغتصابه وإلا فسيتم قتلهم جميعًا.

كشفت عشرات الشهادات والأدلة، عن استخدام اغتصاب الذكور بشكل ممنهج، كأداة للحرب في ليبيا

وارتُكِبت تلك الفظائع لإهانة المعارضين وتحييدهم في البلد الذي لا يُسيطر عليه القانون، بل تُسيطر عليه مجموعةٌ من المليشيات المسلحة المُختلفة والمُتصارعة. ويُعتبر اغتصاب الذُكُور من المحرَّمات في المجتمعات العربية، فضلًا عن أنه انتهاك صارخ يُعاقب عليه القانون الدولي. لكنه مع ذلك استُخدم في ليبيا للإذلال، وللحول بين الضحية وبين أن يعود للمجال العام.

اقرأ/ي أيضًا: كوارث تحت ركام بنغازي

أحد الرجال، ويدعى أحمد، وقد اعتقل لمدة أربع سنوات في سجن بتومينا على مشارف مدينة مصراتة. تحدث للمحققين، وقال لهم: "إنهم يقومون بعملية إخضاع وقهر للرجال"، وكرر استخدام تعبير "قهر الرجال" كناية عما يتعرضون له من اغتصاب، وكان السجّانين يُصورون هذه الانتهاكات لمزيدٍ من إذلال المعتقل.

يتابع أحمد: "يأخذون مكنسة ويثبتونها على الحائط. ثم يقولون إذا كنت ترغب في تناول الطعام، عليك أن تقلع سراويلك وتجلس على تلك المكنسة، ولا تتحرك حتى يرى السجان الدم يتدفق منك. ولا يستطيع أحدٌ الهروب من ذلك". وفي نفس هذا السجن الذي يروي أحمد عنه هذه الحكايات المُؤلمة، كان ثمة 450 رجلًا محتجزين هناك. من بينهم رجل مُهاجر إلى ليبيا، أُلقي به في إحدى الزنانين بهذا السجن، ثم قالوا للمعتقلين: "اغتصبوا هذا الرجل وإلا فستموتون"!

ويقع مقر تلك المجموعة من الصحفيين المحققين في مكتب صغير بتونس. وجمع المكتب عددًا من الشهود المتعاونين من ليبيا، عملوا مع المحققين لسنوات لجمع الأدلة على حوادث الاغتصاب واستخدامه كسلاح للحرب في ليبيا على مدار السنوات الماضية.

من بين المتعاونين، وهو بمثابة كبيرهم، رجل يُدعى عماد، عمل لمدة ثلاث سنوات في جمع الأدلة. يُظهر عماد مقطع فيديو لشاب يجلس على الرمال ورأسه للأسفل، ثم يحدث أمر مُرعب: يظهر رجل مسلح في زي عسكريّ، يرفع الرجل الأول، ثم يسحب البنطال ثم سرواله الداخلي، ويضع قاذفة صواريخ بين أردافه. ثم تتحول الكاميرا بعيدًا، حيث بدأ الاغتصاب! 

وصحيح أنّه لا يُمكن تحديد انتماء الرجل المسلح لأي مليشيا مُسلحة في ليبيا، لكنه يظل دليلًا على أن الاغتصاب استخدم هناك كأداة حرب.

أغلب حالات الاغتصاب كانت تتم عبر مقابض المكانس وحتى الصواريخ، وفي بعضها كان يُجبر المعتقلون على اغتصاب بعضهم البعض

وفي إحدى الرحلات الاستقصائية، سافر عماد صحبة أحد الصحفيين المحققين، إلى ليبيا لجمع مزيد من الشهادات. وفي جنوب العاصمة طرابلس، التقى بزميله "مونا" الذي وثّق بدوره عشرات الحالات. من بين تلك الحالات، ثمة جندي سابق من الموالين للقذافي، قال إنه تعرض للاغتصاب مرارًا وتكرارًا. سأله عماد: "باستخدام مقبضة مكنسة مُثبّت على الحائط؟"، فأجاب مونا: ""لقد اُغْتُصِبوا جميعًا بهذه الطريقة".

اقرأ/ي أيضًا: طرابلس.. حلبة لصراع لم ينته بعد

وظهرت أدلة أخرى قُدِّمت من مجموعة من المساعدين يعملون في مبنى صغير بالقرب من طرابلس، وقد سلّموا 650 ملفًا مُرتَّبة حسب الترتيب الأبجدي. واحتوت العديد من هذه الملفات على اتهامات بالاغتصابات قام بها أشخاص من قبيلة تاورغاء، وهي قبيلة إفريقية أبناؤها من ذوي البشرة السمراء، اتهمت بدعم القذافي واغتصاب المناوئين له خلال فترة الثورة.

في المقابل، واجه أفراد القبيلة انتقامًا رهيبًا، فقد دمرت مدينتهم تاورغاء بالكامل، وهُجّر أهلها البالغ عددهم 35 ألف نسمة، وشردوا بين عدة مخيمات للنازحين داخل بنغازي وطرابلس. بالتحدث مع بعض أفراد القبيلة في إحدى المخيمات جنوب طرابلس، قال أحدهم ويُدعى عليّ: "حُبس بعضنا عرايا  داخل غُرفة مُغلِقة طوال الليل مع مجموعة من المهاجرين"، مُضيفًا: "لم يطلق الحُرّاس سراحهم حتى اغتصب بعضهم البعض، لحُسن الحظ، لم يحدث ذلك لي، فقط عذبت بالعصا والعجلة"، يقصد أنه تم اغتصابه بالعصا والعجلة فقط!

و"العجلة" في هذه الطريقة، هي أن يتم وضع الشخص عاريًا ومطويًا من وسطه خلال إحد الإطارات المُعلَّقة من السقف، مما يجعل من السهل على المعتدين اختراقه من الدُبُر بالأسلحة. وقال عليّ إنه يواجه الآن مشاكل جسدية، أو "تسرّبات" كما وصفها.

وفي مُخيم آخر في جنوب طرابلس، قالت امرأة تدعى فتحية، إن المرأة لم تكن في مأمنٍ من ذلك أيضًا، مُوضحةً أن أفراد عائلتها بأكملها انتُهكت من قبل مليشيات مُسلحة، مع تعمد لاستهداف الذكور. تقول فتحية إنه جرى اغتصابها أمام ابنها الأكبر، وأن ذلك كان أسوأ ما حدث معها.

في آب/أغسطس الماضي، أصدرت الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق محمود الورفلي أحد القادة العسكريين الموالين لحفتر لارتكابه جرائم حرب

وفي العام الماضي، طلبت مُدّعية المحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، من مجلس الأمن الدولي، الحصول على مزيد من الأموال لتعزيز وتوسيع تحقيقاتها في جرائم الحرب الليبية. وفي 15 آب/أغسطس الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مُذكرة توقيف واعتقال دولية للرائد محمود الورفلي، قائد العمليات الخاصة، المتهم بارتكاب جرائم حرب، مُتحالِفًا مع خليفة حفتر. ولأول مرة، اعتمدت المحكمة الجنائية الدولية مقاطع الفيديو المنشورة على شبكة الإنترنت، كأدلة تُبيِّن عمليات الإعدام التي يُتهم الورفلي بارتكابها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السطو والخطف.. لهو بمصائر الليبيين

هل الربيع العربي من جلب الخراب؟