ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"اغتراب" لمهدي هميلي.. عن الصدأ الذي يأكل روح عمال المصانع

7 ديسمبر 2025
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
مشهد من فيلم "اغتراب" لمهدي هميلي (شبكات تواصل اجتماعي)
زينب محمد عبد الحميدزينب محمد عبد الحميد

يُفتتح فيلم "اغتراب" للمخرج التونسي مهدي هميلي على مشهدٍ مُكثّف يمثل استعارة بصرية لحالة التفكك الاقتصادي والاجتماعي، حيث تتراكم أكوام الخردة المعدنية داخل مصنع الصهر، المُّضاء بضوء شاحب يميل إلى الاصفرار، مما يخلق بيئة بصرية تشير إلى الاهتراء المادي.

يظهر محمد؛ العامل الشاب الذي يؤدي دوره فارس الأنداري، عنصرًا فاعلًا داخل هذه البيئة، حيث تُقدم حياته جزءًا من دورة إنتاجية مُهددة بالانقطاع، حيث يسير الحدث ببطء تحليلي بعد الواقعة الأساسية من موت العامل عادل في انفجار صنّفته الشركة إهمالًا بينما صنّفه الأصدقاء انتحارًا في البداية، إلا أنه انطوى على دوافع أخرى أخفتها الأحداث الأولى لصالح استعراض الواقع اليومي للعمال والتمهيد للكشف عن عملية تحوّل، تفقِد فيها أجسادهم وقيمتهم دورها لتصبح خاضعة لمصالح اقتصادية غير معلنة.

تقنية المشاهد القريبة: تحليل الادراك

اعتمد هميلي على تقنيةٍ بصريةٍ محددة بوصفها أداة سردية وتحليلية. الكاميرا لا تكتفي بتوثيق حركة الأبطال، بل تعتمد على المشاهد القريبة (Close-ups) بهدف تحليل البنية الإدراكية والشخصية للعمال.

هذا التكثيف البصري يضيّق المساحة حول الشخصيات، ويجعل من وجوههم مسطحًا لتسجيل أثر الزمن والعمل المضني. فالخطوط الدقيقة والملامح المتعبة هي وثائق بصرية لعملية "تصدؤ" طويلة الأمد. هذه اللقطات العميقة تُقدم الانفعال بوصفه حالة مادية ناتجة عن الضغط، مؤكدة على أن تجربة العمال، مثلها مثل الحديد حولهم، مُثقلة بطبقاتٍ من التآكل.

تحت هذا التقييد البصري، تتحوّل مهمة محمد بعد موت صديقه عادل في حادث الانفجار إلى دافعٍ لكشف الحقيقة بدلًا من مجرد دافع شخصي للانتقام. حين يكتشف محمد تورط عادل في قضية فسادٍ هدفها إضعاف إمكانات المصنع تمهيدًا لخصخصته، ومن هُنا يتبلوّر الصراع على مستوى أعمق.

الفيلم يطرح العمال هُنا ليسوا كضحايا عاطفيين، بل كأفرادٍ يتعرضون لعملية فُقدان القيمة  (Devaluation)، إذ تتحول حياتهم إلى مواد قابلة لإعادة الصهر والاستبدال في إطار مشروع رأسمالي لا يعترف بقيمتهم الفردية أو الجماعية.

الدلالة السيميائية للألوان: الصدأ بوصفه استعارة بنيوية

يتجسد جزء رئيسي من القوة البنائية للفيلم في لوحته اللونية المميزة. يغلب على بيئة المصنع طيف لوني يتراوح بين الرمادي الباهت والبني المائل إلى الاصفرار. ويعكس هذا الاختيار اللوني عملية التآكل البطيء في نسيج المصنع، ويغدو رمزًا لفساد يستفحل في عمق المنظومة الاقتصادية. وربما نجد الصدأ هُنا دلالة سيميائية لواقع يتعرض فيه كل من الحديد والمؤسسة والإنسان إلى التآكل بسبب ظروف محيطة غير صحية ومصالح خفية.

فالصدأ أصبح جزءًا من تكوين البطل، دلالة على تحول الإنسان إلى معدن فقد صلابته ووظيفته، وأصبح مادة يمكن الاستغناء عنها

في مشاهد انتقالية تالية يُقدم الفيلم تناقضًا بصريًا حادًا عند خروج محمد إلى المدينة في مسعى لكشف الحقيقة. يتحول لون الصورة إلى ألوان زاهية وواجهات لامعة، ما يشير إلى خروج البطل من نطاق "الصدأ المادي" إلى نطاق "الواجهة المبهرة" المتمثل في المدينة. هذا التباين الحاد يشير إلى مفارقة تحليلية، حيث البيئة المتوهجة والملونة هي في الحقيقة واجهة لفساد أعمق وأشد تعقيدًا، وهي امتداد للمنظومة التي تدفع المصنع الحكومي إلى الهلاك. المدينة هنا ليست ملاذًا، إنما مركز قيادة لشبكة من المصالح الخاصة التي تتحكم في مصائر العمال.

مشهد تذوق الصدأ: التجسيد المادي للاغتراب

يُعد مشهد تذوق الصدأ من أبرز اللحظات التحليلية في الفيلم؛ حين يتناول محمد قطعة خردة ويتذوق حموضتها المعدنية. لا يُعبِّر هذا الفعل عن مجرد تفاعل حسّي، بل يُعد تجسيدًا ماديًا لفكرة الاغتراب.

هذا المشهد يرمز إلى الأُلفة التي تكونت بين العامل وعنصر التآكل؛ فالصدأ أصبح جزءًا من تكوين البطل، دلالة على تحول الإنسان إلى معدن فقد صلابته ووظيفته، وأصبح مادة يمكن الاستغناء عنها. هذا التحول يشير إلى أن العالم الذي يعمل فيه سلب قدرته على إدراك قيمته الإنسانية والذاتية.

يواصل الفيلم رسم علاقة تحليلية بين الاغتراب والبحث عن العدالة. فبحث محمد عن العدالة يضعه في مواجهة بنية كاملة من النفوذ تتحكم في خصخصة المصانع القومية. هذه البنية الرأسمالية تنظر إلى العمال باعتبارهم "خردة صدأة" تنتظر إعادة الإصهار في معادلة اقتصادية جديدة تصنف "اغتراب" في هذا السياق بوصفه حالة وجودية تصنعها البيئة الاقتصادية الخانقة.

يستمر الفيلم في الكشف عن أن المشكلة أكبر من جريمة واحدة؛ فالأمر يصل إلى تصدع عميق في نظام الدولة يهدد كل العمال.

سعي محمد لمعرفة الحقيقة يضعه في مواجهة شبكة واسعة من القوة. يتضح أن الفساد ليس شيئًا حدث بالصدفة، بل خطة منظمة هدفها تمكين القطاع الخاص من السيطرة على المصانع الحكومية.

تظهر الرأسمالية التي تحكم المصنع كآلة ضخمة تعيد تشكيل كل شيء. ونتيجة لذلك، يخسر العمال قيمتهم ودورهم فلم يعودوا جزءًا من قوة العمل، وقد تحولوا إلى بقايا في معادلة اقتصادية لا تراهم إلا بوصفهم أدوات يُمكن رميها أو استبدالها. هذا التحول يعني أن الغربة التي يعيشونها واقعية وتفرضها بيئة اقتصادية وسياسية تسعى لإلغاء هوية العامل لصالح مصالح خاصة.

بهذا الفهم العميق، ينهي هميلي الفيلم بتقديم صورة رمزية لا تُنسى. في المشهد الأخير، يتحول محمد جسديًا إلى ما يشبه "الخردة المتجولة" بين زملائه في المصنع. وفي هذه الهيئة، يكتشف محمد ظهور علامات من التآكل (الصدأ) على أجساد بقية العاملين، ما يكشف أن مصيرهم المشترك هو التحول إلى خردة أيضًا. ويطرح هذا المشهد الرمزي سؤالاً يمكن أن نصيغه كالآتي: هل يستطيع الفرد مقاومة نظام ولّد من المعدن صدأه، ومن العمال أشباحهم؟ الفيلم لا يقدم جوابًا، بل يجعل السؤال جزءًا من المأساة المستمرة. يظل النظام المتحكم ساعيًا إلى الاستمرار، بينما العمال يسعون فقط إلى النجاة وإيجاد معنى. وفي نظرة أعمق، يُعد "اغتراب" مرآة تكشف أزمة القيمة في مجتمعاتنا، مؤكدًا أن التآكل الاقتصادي يصيب الروح البشرية عندما تفقد القدرة على رؤية أثرها في هذا العالم.

كلمات مفتاحية
فيلم "الخطأة"

"الخطأة": العنصرية كخطيئة أميركية أولى

طل فيلم "الخطأة" (Sinners) على عالمنا، من العالم الوحشي للعنصرية

صراط

"صراط": جغرافيا الضياع في وطن من تيه

لا يُدخلك فيلم صراط (Sirāt) إلى عالمه بسهولة، إذ يبدو منذ البداية كفقاعة زمنٍ وجغرافيا منسحبة من خرائط هذا الكون، مرسومة الحدود جغرافيًا ومعرفيًا وقانونيًا

غولدن غلوب Hamnet

جوائز الغولدن غلوب: هيمنة "One Battle After Another" و"Hamnet" يصنع المفاجأة

بدت جوائز الغولدن غلوب هذا العام وكأنها مرآة لمرحلة انتقالية تعيشها هوليوود

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية