اعتقالات الأمراء في السعودية.. كل شيء مباح لوصول

اعتقالات الأمراء في السعودية.. كل شيء مباح لوصول "السفاح" للعرش

ابن سلمان يتكئ على مزاعم مكافحة الفساد لتمهيد الطريق أمام وصوله للعرش (أ.ف.ب)

في سبيل تأمين الطّريق نحو العرش، يبدو أنّ وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان، مستعدّ لفعل ما لم يجرؤ أحد على فعله سابقًا من الأسرة الحاكمة، حيث، وتشبهًا بسلاطين وملوك القرون الوسطى في تصفية الإخوة والأعمام لضمان كرسي العرش؛ أقدم الأمير الثلاثيني على عملية اعتقالات واسعة ومفاجئة، ليلة الأحد الماضي، شملت 11 أميرًا وعشرات الوزراء ورجال الأعمال، وتجميد أموالهم. وبلغت المجزرة درجة إسقاط طائرة منصور بن مقرن نائب أمير منطقة العسير، منعًا لهروبه، وفق ما كشفه موقع "ميدل ايست آي" البريطاني.

تشبهًا بملوك القرون الوسطى في تصفية الإخوة والأعمام لضمان العرش، أقدم ابن سلمان على اعتقال عشرات الأمراء والوزراء ورجال الأعمال

وبذلك، يُشهر الأمير بدرجة سفاح، سيفه في وجه خصومه من أبناء عمومته وكل نفس معارض له، في الوقت الذي يعزّز فيه تحالفاته مع الإماراتيين والإسرائيليين، مع التّعويل الدائم على دعم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أن قدم له نذور الطاعة متمثلة في مئات مليارات الدولارات.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: السياسات السعودية.. تعزيز فرص انتقال السلطة وإعادة تشكيل المنطقة؟

وكشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، عن أن جاريد كوشنر صهر ترامب وكبير مستشاريه، أجرى زيارة خاصّة وسرية، إلى الرياض، الشهر الماضي، وقضى مع ابن سلمان ليال وهما يحددان خططهما المشتركة، والتي لعلّها تضمّنت إعدادًا لليلة الاعتقالات التي ستظلّ علامة فارقة في تاريخ السعودية.

ففي الأثناء، لعل ابن سلمان يُعيد تأسيس المملكة التي قد تدخل بصعوده مرحلة جديدة في تاريخها، هي الدولة السعودية الرابعة، عنوانها الأكبر في الدّاخل سطوة ذريّة سلمان بن عبد العزيز على السلطة، وعنوانها الأبرز في الخارج تطبيع كامل للعلاقات مع الصهاينة.

"مكافحة الفساد".. البحث عن شرعية زائفة

بعد شعار مكافحة الإرهاب الذي اتخذته أنظمة عربية لتبرير جرائمها وقمعها ضد مواطنيها، يبدو أن مكافحة الفساد هو الثيمة الجديدة الذي بدأت تروّج لها حكومات، للبحث عن شرعية زائفة بحرب وهمية وانتقائية على الفساد. وإن كانت هذه الحرب المزعومة التي تتسابق حكومات عربية للحديث عن خوضها تأتي كذلك في إطار تصفية مراكز مال متحكمة في السلطة، لأخرى منافسة لها؛ فإن الحرب التي قيل أن محمد ابن سلمان يخوضها، تهدف كذلك بالأساس، لضرب مراكز النفوذ المالي وكذلك الاعلامي المناوئة لتصعيده على العرش، وذلك مهما كان ثقلها، وذلك في سبيل صعود آمن للعرش.

لم يجد ابن سلمان بدّا إلا الاستجداء بشعار مكافحة الفساد لتبرير انقلابه على أبناء العمّ وأباطرة المال الحليف للسّلطة. ولعلّه لا يختلف سعوديان على أن "حملة يوم الأحد"، تأتي في إطار سلسلة خطوات ابن سلمان لإزالة العوائق أمام طريقه نحو قصر اليمامة، وأن ادّعاء مكافحة الفساد ما هو إلا حجة واهية.

والفساد هو حالة عضوية في السعودية، والفروق بين المال العامّ والمال الخاصّ للحاكمين، هي فروق شكلية تتنافى وطبيعة النظام القائم من أصله على إدارة غنائمية للبلاد في ظل اقتصاد ريعي، إذ لا يمكن أن يدّعي ابن سلمان مكافحة الفساد مثلًا بدون طرق ملف مخصّصات الدولة للأسرة المالكة، كما لا يمكن لمن اشترى يختًا بقيمة 550 مليون دولار في خضم صعوبات الموازنة العامّة لبلاده، أن يدّعي حماية المال العامّ، حيث لا يمكن خوض حرب حقيقية لمكافحة الفساد دون توفير شروطها وأولها الشفافية والشرعية، فلا معنى لأي حرب كهذه بعيدا عن الأجهزة القضائية. فتشكيل لجنة استثنائية واسعة الصلاحيات والقيام بايقافات في جنح الظلام، هو عمل أقرب منه لعمل العصابات أكثر منه لعمل أجهزة دولة.

يريد ابن سلمان بهذه الحملة تحقيق عدّة أهداف مترابطة، أولها تحييد مراكز النفوذ المالي والإعلامي التي تقف عقبة في طريقه نحو العرش، وذلك مهما كانت درجة المخاطرة. ثم وبعد تجميد أموال الموقوفين والإعلان عن إدخالها في الموازنة العامة، حقق ابن سلمان هدفًا اقتصاديًا محضًا، وهو تمويل الموازنة المتهالكة، ومنها تمويل خطته الاقتصادية "رؤية 2030" من الأموال المصادرة، وبهذا المعنى فتجميد الأموال هي بمثابة عملية سطو، خاصة وأن ابن سلمان توعّد في وقت سابق بأنه سيصبح أول تريليونير في العالم، على ذمة ما أفاد به حساب "مجتهد" الشهير على تويتر، والذي سبق وأن توافقت بعض نبوءاته مع أحداث جرت لاحقًا.

كما يبدو أنّ من بين أهداف هذه الحملة هو ردع ابن سلمان لمعارضيه سواء من الأسرة الحاكمة أو خارجها، واعلامهم بأنه لا تنفع حصانة عائلية أو غيرها للإفلات من سيفه.

كل شيء مباح من أجل العرش!

حينما يأتي الحديث عن أغنى رجل عربي، أي الوليد بن طلال، وقطب المال صالح الكامل، ويُضاف إليهما ثالثًا الوليد إبراهيم، صاحب قنوات "إم بي سي"، فيتأكد أن ابن سلمان قرر خوض حربٍ عنيفة لا هوادة فيها، ولا خطوط حمراء. وربّما قبل إعطائه الضوء الأخضر لعملية الايقافات للمضي في خطوة لا مثيل لها في تاريخ المملكة، قد نصحه أحد مستشاريه بمثل "تغدّى بهم قبل أن يتعشّوا بك"، أول لعلّه حدّث ابن سلمان نفسه كذلك بالمثل الحجازي الشهير: "اللّي يبي الدح ما يقول أح"، والذي يُقال في لزوم خوض العقبات قبل الوصول للهدف المنشود!

إلا أنّه بقدر ما كان استهداف أباطرة المال مفاجئًا على الأقل من حيث الأسماء المستهدفة، بقدر ما كانت الإطاحة بمتعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني وابن العاهل السابق، متوقعة، وهو الذي مثّل على الأرض الخصم المباشر أمام طموحات ابن سلمان الذي استحوذ على وزارة الدفاع ثم ألحق وزارة الداخلية إلى صفّه بعد إطاحته بوليّ العهد السابق محمد بن نايف، والذي لازال تحت الإقامة الجبرية.

بحملة الاعتقالات الأخيرة، قرر ابن سلمان خوض حرب عنيفة بلا هوادة، عنوانها الرئيسي: الوصول للعرش

فلم تكن تنقص ترسانته لضمان ولاء الأجهزة المسلّحة له إلا جهاز الحرس الوطني، وهو جهاز عتيد ضمن القوات السعودية، ولا أدلّ على ذلك إلا إفراده بوزارة خاصّة منذ زمن الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، وهو المؤسّس الفعلي لهذا الجهاز الذي قاده لنحو نصف قرن منذ بداية الستينيات حتى سنة 2010 قبل تسليم القيادة إلى نجله متعب.

اقرأ/ي أيضًا: تأسيس مملكة محمد بن سلمان "المتهوّرة".. الحكاية من أولها

وإن قام ابن سلمان في وزارة الداخلية بالإطاحة بغريمه ابن نايف، فإنه عيّن ابن شقيقه وزيرًا بدلًا منه، فلم تخرج الوزارة بذلك عن ذريّة ولي العهد الرّاحل نايف بن عبدالعزيز، إلا أنه حينما تمّت الإطاحة بمتعب من وزارة الحرس الوطني، لم يُعين عليها وزيرًا من ذريّة عبدالله بن عبدالعزيز، وإنما أتى ابن سلمان بخالد بن عياف آل مقرن، وهو قائد رفيع المستوى في الجهاز، وتنقل المواقع السعودية أنّ والده هو أحد مؤسسي جهاز الحرس الوطني، وذلك في سعي لإكساب شرعية لهذا التعيين.

لماذا لم يقم ابن سلمان بتعيين أمير آخر من ذرية عبدالله لعدم قطع الوصل معهم كما فعل مع ذريّة عمّه نايف؟ تحدثت مصادر عديدة، أن ابن سلمان قدم عرضًا في وقت سابق لمتعب بالاستقالة الطوعية، وتعيين أحد أبنائه بدلًا منه، وهو ما رفضه متعب. ويبدو في النهاية أن ابن سلمان فشل في إيجاد شخص محلّ ثقة من ذرية عمّه لمنحه وزارة تضمّ نحو 100 ألف مسلّح، أو ربّما أراد الأمير "السفّاح"، قطع دابر أبناء عمومته من وزارتهم التاريخية بتسليمها لشخصية من خارج الأسرة الحاكمة لأول مرة في التاريخ، وذلك كمقدّمة لتهميشها وإضعافها لحساب وزارة الدفاع التي يقودها.

هل هي الدولة السعودية الرابعة؟   

ربمّا بصعود ابن سلمان لقصر اليمامة قريبًا، وهو الذي نجح إلى حدّ الآن في تعبيد الطريق نحوه، ستدخل الدولة السعودية مرحلة جديدة في تاريخها، لعلّها بداية الدولة السعودية الرّابعة، وذلك ليس لمجرّد وصول حفيد للملك المؤسس لكرسي العرش لأوّل مرّة، بل لأن الأمير الصّغير الموصوف بـ"المتهور"، يعيد التأسيس للدولة برمّتها. فهو يقود تغييرًا مجتمعيا بعنوان الإصلاح الديني، تمظهره الإعلان الصريح عن "عودة السعودية للإسلام الوسطي المعتدل" في بداية لقطع الرباط بين آل سعود وآل عبد الوهاب، وهو عنوان كاذب، وتكذيبه اعتقال قادة التيار المعتدل أو ما يُسمى بالتيار الإصلاحي، وعلى رأسهم الداعية سلمان العودة وآخرين اعتقلوا قبل أقل من شهرين.

كما أنّ ابن سلمان يقود تحولًا اقتصاديًا عبر خطة "رؤية 2030"، للانتقال من اقتصاد ريعي يقوم على النفط إلى اقتصاد ما بعد النفط، وهي خطة مغمورة الأهداف وغير محسوبة العواقب، ومشكوك في فرضياتها، وهو ما قدّ سرّع في قرار تجميد أموال أباطرة المال وتحويلهم للموازنة العامّة لتحقيق هذه الخطّة.

بيد أن التحوّل الأكثر جذرية، يتعلّق بإعادة التأسيس لنواة الحكم الملكي داخليًا، مع المعاضدة الخارجية. فداخل أسرة آل سعود، أقصى ابن سلمان كليّا ذريّة الملك الراحل عبدالله والملك الراحل فهد، ووليّ العهد الرّاحل سلطان، وأطاح بأكبر أبناء عمّه نايف، ويعمل على بناء تحالفات مع أمراء الجيل الثالث من مختلف الفروع، في معادلة تصعيد لنفوذهم مقابل ضمان ولائهم. ويعمل ابن سلمان كذلك على تعزيز التحالفات القبلية مع أخواله آل حثلين وكذلك مع آل مقرن، الذين ولّى أحد أبنائهم وزارة الحرس الوطني.

وتتوازى هذه المتغيرات الداخلية مع التحالف الوثيق مع آل نهيان في الإمارات، تحديدًا ولي العهد والحكام الفعلي محمد بن زايد، وذلك في حظوة اليمين المتطرّف الصهيوني في الولايات المتحدة، حيث لم تكن التسريبات الأخيرة للسفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، إلا تأكيدًا للانخراط الإماراتي في المخططات الصهيونية، وقد انكشف مؤخرًا أن ابن سلمان زار تل أبيب سرّا قبل شهرين. ويمثّل، في الأثناء، رجال الأمن والاستخبارات الذين لفظتهم أنظمتهم أدوات التنفيذ وعلى رأسهم محمد دحلان القلب النابض للمؤامرات في المنطقة، كما طفى مؤخرًا اسم وزير الداخلية المصري الأسبق حبيب العادلي، الذي يُقال إنه هارب الآن في الرياض، ولا تأكيد على ذلك.

ويعوّل ابن سلمان كثيرًا على ابن زايد، والذي يبدو أنه أقنعه بسرعة بأن تطبيعًا كاملًا مع إسرائيل، كفيل بضمان حماية إدارة ترامب وعدم عرقلتها لخطته للتصفية الداخلية لمعارضيه. وربّما يعلم ترامب وبعد الصفقات التاريخية التي فاز بها في الرياض والتي تبجّح بها كثيرًا أمام خصومه في واشنطن؛ أن المكاسب ستستمرّ، وهو الذي أعلن قبل بضع أيام "تمنيّه" طرح أسهم شركة أرامكو السعودية في بورصة نيويورك. يبدو أن جولة ابتزاز جديدة، ما دام أن "البقرة السعودية حلوب"، بتعبير ترامب بنفسه في تغريدة له قبل دخوله للبيت الأبيض.

في النهاية، لم يبلغ ابن سلمان مراده بعد، ما دام لم يصعد للعرش، ولعله يعلم أن الحملة الأخيرة المفاجئة من حيث نوعيتها ومراكز استهدافها هي زلزال له ارتداداته، ويعوّل بالأساس على أثرها الرّدعي لإسكات أي أصوات معارضة، إلا أن المعركة لم تُحسم بعد.

ما كان متوقعًا قبل سنوات، أصبح حقيقة الآن، فآل سعود يصفون بعضهم البعض، تأكيدًا لمنطق الغنيمة والدم وغلبته على منطق الدولة

وعمومًا باتت حاليًا المواجهة مباشرة داخل أسرة آل سعود، وما كان توقعات قبل بضع سنوات، بات حقائق مكشوفة اليوم. آل سعود يصفّون بعضهم البعض، وذلك حينما يؤكد منطق الغنيمة والغلبة والدّم علويته على منطق الدّولة، وأما الحديث عن الإصلاحات وآخرها تيمة مكافحة الفساد فهي حجّة تصلح للتسويق الإعلامي فقط.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد انقلابه على ابن عمه.. ابن سلمان يغسل وجهه بإنشاء جهاز أمني تجاوزه التاريخ!

"التدخل السافر".. سياسة بن سلمان لجر السعودية نحو الهاوية