اشتباك.. من مقعد المشاهد

اشتباك.. من مقعد المشاهد

صورة من فيلم اشتباك للمخرج محمد دياب

عندما عُرض فيلم عمارة يعقوبيان، وكان هذا في زمنه حدث جلل، خضنا أنا وزملاء لي نقاش حول سؤال "لماذا لم يكن الفيلم موضوعيًا؟" فقلت حينها أن الفيلم يعبر عن وجهة نظر صناعه وهذه هي طبيعة الفن التي لا يجب أن تتشابه مع طبيعة الصحافة التي تتناول نفس ما يتناوله الفن لكن بعين التقصي والتفنيد.

سيكون أمرًا استثنائيًا إذا قرأت هذا المقال ووجدته يعبر عن رأيك أنت لا عن رأي كاتبه، صحيح أنك تتفق كثيرًا مع ما يذهب إليه الكاتب فلان أو علان، لكن يبقى في النهاية المقال الذي كتبه بيده يعبر عنه أولًا قبل أن يمثلك أو يمثل غيرك ممن يقفون في مساحة مشتركة مع كاتب المقال.

هل من الصعب تناول الفيلم من مقعد المشاهد الذي استمتع أو لم يستمتع بالفيلم؟

لا أعرف بالتحديد ما الذي ذكرني بفيلم the boy with the striped pajamas وأنا أحاول صياغة وجهة نظري عن فيلم "اشتباك"! ربما لأن هناك من قال إنه لا يمكن صناعة فيلم بغرض توصيل رسالة بعينها، هذا الكلام لا ينطبق بالتحديد على الفيلمين، بل وعشرات غيرهما من الأفلام المحلية والعالمية، أو ربما لأنه مهما كان موقفك من "محارق اليهود" سواء كنت تصدق كل روايات اليهود عنها أو تصدق بعضها أو لا تصدقها مطلقًا، أو حتى تصدقها لكنك ترى في الفيلم المذكور ابتزازًا عاطفيًا للضمير العالمي بينما يقوم صهاينة إسرائيل بما هو أفظع من المحارق، إلا أنك في النهاية تتفاعل معه كمشاهد أمام فيلم، وتتورط في أحداثه، بل ويضعك في مفارقة أخلاقية وأنت تتمنى إنقاذ الطفل الألماني الذي دخل المحرقة بالخطأ، لا وقف هذه المحرقة ككل.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "هيبتا".. حكاية الأدب التجاري والسينما

صحيح، هناك الكثير من الجدال يمكن أن ندخل فيه حول تاريخ صانع الفيلم، هل هو ثوري؟ ما هو موقفه من الداخلية؟ من الإخوان؟ الحكم العسكري.. إلخ، يمكن كذلك التحدث عن فنيات الفيلم ومهارات المخرج، لكن هل من الصعب تناول الفيلم من مقعد المشاهد الذي استمتع أو لم يستمتع بالفيلم؟ هل اندمج مع أحداثه ووصلته الفكرة أو طرح على نفسه سؤال في نهايته؟ الإجاب نعم صعب.

خلال خمس سنوات تورط أغلبنا في صراع مشابه للذي يتناوله الفيلم، نرى في هذا الطرف أو ذاك ممثلًا لموقفنا أو عدوًا نكرهه، لذا عند تناول هذه الأطراف في فيلم كهذا وعلى الأغلب بطريقة لا تشبه قناعاتنا فإن هذا سيضع حاجزًا بين الفيلم ومشاهديه، أضف إلى ذلك لو اختلفت رواية الفيلم عن واقع عايشنا جزءًا منه في الماضي القريب عن روايتنا سيكون الحاجز مزدوجًا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "أخوات السرعة".. فلسطينيات سريعات وغاضبات

أستطيع من خلال هذه 'النظرية' أن أفهم وجهة نظر الكثيرين -في محيطي- ممن كرهوا الفيلم، على الرغم من اختلاف خلفياتهم، إذ لم يتمكنوا من قبول تجسيد 'الإخوان/عساكر الداخلية/مؤيدي الجيش.. إلخ كشخصيات طبيعية ليست ذات جانب واحد: طيب أو شرير، وهي الثنائية التي سادت منذ اندلاع الثورة، وحسمت مواقف الكثيرين من قضايا وأحداث زلزلت منظومتنا الفكرية -إن وجدت- خلال أكثر من خمس سنوات.

بالنسبة لي هناك الكثير من النقاط التي يمكن أن أشتبك معها في رواية الواقع التي تبناها صناع الفيلم، كمشارك في الثورة أقرب لدور المراقب، ومجند في الجيش في أحد مراحلها، وكصحفي، لكن هذا لم يمنعني من الاندماج مع أحداث الفيلم، ومن السؤال السينمائي الذي بني عليه السيناريو "ماذا لو جمعنا كل هؤلاء المتنافرين في مكان واحد وظروف ضاغطة واحدة؟".

أنتج هذا السؤال صراعًا جديرًا بالمتابعة، وكشف جوانب إنسانية متباينة في أبطال العمل، وقدم بناءً متماسكًا لرؤية صناع الفيلم التي يمكن أن نتفق أو نختلف معها.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم حكاية الحكايات.. الواقع بعيون أسطورية

"Reservoir Dogs" تارنتينو الذي لا يُبالي