اشتباكات بين أوغندا وجنوب السودان.. هل ينفرط عقد العلاقة بين كمبالا وجوبا؟
30 يوليو 2025
اندلعت اشتباكات حدودية بين قوات جنوب السودان والقوات الأوغندية، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ستة أشخاص. ويبدو أن هذا التصعيد قد يمهّد لمرحلة من التوتر في العلاقات بين الحليفين القديمين، رغم أن النزاع حول الحدود غير المرسّمة بدقة بين جوبا وكمبالا ليس جديدًا، وغالبًا ما كان يفضي إلى مناوشات محدودة. إلا أن ما جرى يوم الإثنين واستمر حتى الأربعاء، لا يُعدّ سابقة، غير أن السياق هذه المرة مختلف، ما يدفع متابعين إلى توقّع تداعيات سياسية أوسع.
وكانت السلطات في مقاطعة "كاجو كيجي" الحدودية بجنوب السودان قد أعلنت في بيان عن مقتل خمسة جنود من "قوات الدفاع الشعبي لجنوب السودان"، في هجوم مفاجئ شنّته القوات الأوغندية، مدعومةً بالدبابات والمدفعية.
من جانبها، برّرت القوات المسلحة الأوغندية الهجوم بكونه ردًّا على دخول قوات جنوب السودان إلى منطقة "غرب النيل" الأوغندية ورفضهم مغادرتها، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات أسفرت عن مقتل جندي أوغندي واحد على الأقل، إلى جانب مقتل خمسة جنود من قوات جنوب السودان.
تجدر الإشارة إلى أن أوغندا دعمت على مدى عقود القوات الموالية لرئيس جنوب السودان، سلفا كير ميارديت، وساعدت جوبا في مساعيها للانفصال عن السودان، وهو ما تحقق عام 2011. كما وقفت كمبالا إلى جانب سلفا كير خلال الحرب الأهلية التي أعقبت الانفصال، على حساب الفصائل المعارضة له.
يُنظَر إلى الدور الأوغندي في جنوب السودان بكثير من الريبة والتوجس داخليًا وإقليميًا
وفي آذار/مارس الماضي، دعا جنوب السودان الجيش الأوغندي إلى المساعدة في تعزيز الأمن في العاصمة جوبا، عقب انهيار العلاقة المتوترة بين الرئيس سلفاكير والنائب الأول للرئيس، رياك مشار.
وقد أثار هذا التدخل جدلًا واسعًا داخل جنوب السودان وخارجه، إذ استغلته المعارضة لتعزيز سرديتها التي تتهم سلفاكير بجعل البلاد رهينة للقوى الخارجية، مقابل ضمان بقائه في السلطة وحماية نظامه.
ويُنظر إلى الدور الأوغندي بكثير من الريبة، داخليًا وإقليميًا، إذ يرى كثيرون أن أهداف كمبالا تتجاوز الحفاظ على السلام أو منع سقوط جوبا في يد المتمردين، إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، خاصة أن جنوب السودان يُعد سوقًا حيويًا للمنتجات الأوغندية التي تهيمن على أسواق جوبا.
وعليه، فإن أوغندا لا تحمي فقط نظام سلفاكير، بل أيضًا مصالحها الاقتصادية المتمثلة في تدفّق الصادرات والعائدات الناتجة عن الاتفاقية الأمنية الموقّعة مع حكومة جنوب السودان. فضلًا عن ذلك، يمنح انتشار القوات الأوغندية داخل جنوب السودان كمبالا دورًا إقليميًا طالما تطلّعت إليه.
لذلك، لم تعد أوغندا مستعدة لمغادرة جنوب السودان حتى لو أرادت جوبا ذلك، وهي ترسل إشارات متكررة بهذا المعنى، يُعتقد أن من بينها الحادثة الأخيرة التي قُتل فيها خمسة جنود من قوات الدفاع الشعبي.
ويرى متابعون أن كمبالا استوعبت الدرس عندما سحبت قواتها التي نشرتها في جنوب السودان عام 2013، عقب اتفاق السلام الذي رعاه الاتحاد الإفريقي. وقد أفضى توقيع اتفاق بريتوريا في 2019 إلى إنهاء الحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل نحو نصف مليون شخص، ونزوح الملايين.
وكان رياك مشار قد صرّح في وقت سابق بأن التدخلات التي يقوم بها الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني تهدف إلى "تدمير جنوب السودان اقتصاديًا، لأنه يرى فيه منافسًا لأوغندا".
العلاقة بين أوغندا وجنوب السودان: من المتانة إلى التوتر
كان العداء لنظام الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير القاسمَ المشترك بين رئيس جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، والرئيس الأوغندي، يويري موسيفيني. فبينما اتُّهِم نظام الخرطوم باستغلال "جيش الرب الأوغندي" ضد كمبالا والحركة الشعبية لتحرير السودان قبل وبعد استقلال الجنوب، دعمت أوغندا الحركة وساهمت في تغذية تطلعاتها نحو الانفصال.
وبعد استقلال جنوب السودان عام 2011، وجدت جوبا في أوغندا حليفًا استراتيجيًا، فعززت العلاقات معها. إلا أن اندلاع الصراع بين سلفاكير ونائبه رياك مشار أعاد خلط الأوراق، إذ انحازت كمبالا كالعادة إلى سلفاكير، في حين بدا أن "جيش الرب" وقف إلى جانب مشار والجماعات المتمردة المتحالفة معه، المعروفة بـ"الجيش الأبيض".
لاحقًا، بدأت الخلافات تدبّ تدريجيًا بين جوبا وكمبالا، مع تجدد النزاعات الحدودية بين البلدين. ورغم أن هذه الخلافات تعود ظاهريًا لأسباب جغرافية، يرى بعض المراقبين أنها تخفي وراءها صراعًا أعمق، يتعلق بتوجه جوبا نحو تقليص اعتمادها على أوغندا، خاصة في ظل ما تعتبره محاولات من موسيفيني لفرض وصاية سياسية واقتصادية على جنوب السودان.
ويُعتقد أن احتمال التوصل إلى تسوية بين سلفاكير ومشار قد يكون من أسباب التوتر مع كمبالا، التي ترى في ذلك تهديدًا لنفوذها في الجنوب.
تجدر الإشارة إلى أن التوترات العسكرية بين جيشي البلدين تعود إلى عام 2007، حين حاولت القوات الأوغندية السيطرة على منطقة زراعية في مدينة كاجو كيجي. وبعد استقلال جنوب السودان، تجددت المواجهات مع محاولات ضم مناطق حدودية محل نزاع.