"اسم الطائر" لأحلام بشارات.. شاحنة مسرعة دون كوابح

الشاعرة والكاتبة أحلام بشارات

ديوان "اسم الطائر" (دار الرقمية في القدس 2021) لكاتبته أحلام بشارات، يقع في 166 صفحة موزعة على 64 قصيدة تعالج مواضيع عديدة يغلب عليها طابع التأمل الذاتي والربط المفصل بين الداخل والخارج والاشتباك مع كل شيء، الذات والشعر والعائلة والحب والطريق.

يقدم ديوان "اسم الطائر" عصارة للحكمة والتجربة للمرأة والطفلة والابنة والشاعرة، هذه الحكمة التي تشك بها الكاتبة وتتساءل عن جدواها أصلًا

يحمل الديوان أسئلة وتساؤلات عدة كما هي العادة مع كتابات سابقة لأحلام بشارات مثل شجرة البونسيانا واسمي الحركي فراشة، إلا أنه أيضًا يقدم عصارة للحكمة والتجربة للمرأة والطفلة والابنة والشاعرة، هذه الحكمة التي تشك بها الكاتبة وتتساءل عن جدواها أصلًا، معيدة القارئ من جديد لدوامة البحث والسؤال، تقول الكاتبة:

"لقد علمني جدي الحكم كي لا أستعملها

وعلمني كيف يعيش الإنسان حزينًا بحكم كثيرة

تفوح بالنصر".

اقرأ/ي أيضًا: المُقَلِّدون يبيعوننا ماء زمزم

تخص أحلام في هذا الديوان الطريق بالكثير من التأمل، حيث تشكل الطريق بين عوالمها المتداخلة، القرية والمدينة، الماضي والحاضر، هي وهم، مصدر قلق دائم لها، حيث سارت مرارا في هذه الطريق وتشعباتها وتداخلاتها في محاولة منها لتفكيك وتأمل كل ما ومن يمر في هذه الطرق، خصوصًا الطريق الواصل بين الذات والقرية وهنا وهناك. وقد حيّرت هذه الطريق الكاتبة فاشتبكت معها، فهي تبحث عن طريق لها وحدها، طريق تخصها، بينما تحاول الطريق أن تفرض ذاتها عليها:

"لم أرد في هذه الحياة

سوى أن أكون نفسي

وقد أعيتني الطريق إلى ذلك،

لكن الطريق لم ترد في هذه الحياة

سوى أن تكون نفسها"

مما لا شك فيه أن الطريق هنا جاءت مليئة بالتجارب والعلاقات الشائكة والمربكة، كان أولها العلاقة مع الأم والتي خطت شكل حياة الكاتبة ومسيرتها المتأرجحة، حيث بدأت لحظة "الإقلاع من تحت أمي"، ثم تبعها الاسم الذي أطلقته أمها عليها فصار قيدا لها "فقيدوا اسمي في سجلات القيد". في الديوان جاءت قصيدة "ناديني يا أمي" والتي تسلط الضوء على تفكيك الشاعرة لاسمها وارتباطه بالاختيار الذي قامت به الأم وفرضته عليها، قبل قصيدة "الإقلاع من تحت أمي" والتي كانت آخر قصيدة فيه، فما الذي يجعل الكاتبة تختار نهاية الديوان موقعا لقصيدة من المفترض أن تبدأ بها الحياة؟

يقدم الديوان تجليات عدة لهذه العلاقة بين الابنة والأم انعكست في العلاقة مع العائلة والقرية والذات الرحبة المحلقة، فهناك الحب الصادق النقي المتجلي في قصيدة "مرور أمي عن الصراط":

"ما زالت أمي منذ سنوات بعيدة

كأنها رسمة محفورة على جدار كهف قديم

مكتوب فوقه اسمها

وتحته نواياها الصادقة

لم تفعل فعلًا في حياتها

دون أن تفكر جيدًا

بمشيتها فوق الصراط المستقيم

في دعائها لا تنسانا نحن أولادها

أن نمر بسرعة

دون أن يمسنا ضرر"

وفي المقابل، هناك تجسيد في غير قصيدة للانعكاسات الإشكالية والمؤلمة أحيانا لهذه العلاقة في الروابط مع العائلة:

"استعملتني العائلة لشرب الماء

لقد ظنوا أني كأس معدن

كان السبب أني كورت كفي ذات يوم ودعوت

كان السبب أني سقطت أكثر من مرة

ولم أنكسر"

ثم تنطلق الكاتبة من هذين التجليين إلى محاولة فهم العلاقة مع الأم ارتباطا بها كابنة وكفرد من العائلة المقيمة في القرية بكل تحدياتها الاجتماعية، وتحاول هنا أن تضع يدها على تأزم هذه الانعكاسات كلها في ذاتها:

"في الأعياد ظن أهل الحي أني خروف

فذبحوني على مرأى من أمي

لقد ظنت أمي، حين مدت يدها لتلمسني، فعبرت يدها من

صدري،

أني وهم، فسامحتهم"

وتعتبر هذه الثيمة، العلاقة الإشكالية الجدلية بين الابنة غير التقليدية المبدعة وأمها وانعكاساتها، ثيمة حداثية تظهر في الأدب العالمي الذي تنتجه النساء، فمثلًا في قصيدتها بورتريه تتناول الشاعرة الأمريكية لويز غلوك هذه الثيمة والعلاقة الجدلية بينها وبين أمها التي تجسد في مرحلة ما أداة المجتمع في تنفيذ أحكامه والحفاظ على نهجه في مضغ وابتلاع الاختلاف، حيث تقول:

"ترسم طفلة إطار الجسد.

ترسم ما تجيده، الإطار الخارجي فحسب،

تدرك أمها: داخل خطوط الإطار الهشة

ليس من حياة؛

قد فصلت بين الاثنين،

وكطفلة تتلفت الآن إلى أمها.

وها أنت ترسمين القلب

في الفراغ الذي صنعته".

وبالرغم من أن قصائد "اسم الطائر" تتمثل في مواقع مختلفة في الحقل والسوق، بين الصخور، قرب النبع، وعلى ضفاف الحب، وتتحدث عن الأجداد والنساء والنباتات والأشجار والطيور والأباريق والحشرات والخيوط والكثير من الموجودات في عالم الريف وتفاصيله، إلا أن نفس الأم حاضر بقوة هنا وهناك، في زوايا القصائد، خصوصًا عند تفكيك العلاقة مع نساء القرية ومع الصديقة ومع الشاعرة ذاتها كامرأة بكل تفاصيلها.

"اسم الطائر" هو العمل الشعري المنشور الأول لأحلام بشارات، الذي قررت أن يبصر القارئ بعضها في هذا الديوان

كما يتميز هذا الديوان بتناوله الشعر كثيمة، حيث لم يسلم الشعر نفسه من الاشتباك مع الكاتبة التي تحاول تفكيكه، وسبر غوره وتبحر في تفاصيله ومفهومه ووظيفته وعلاقته بها، فهما كغرباء، يلتقيان في هذا الديوان للمرة الأولى، في قصيدة "اسم الطائر"، في محاولة لتنقية كل الشوائب التي لطخت ثوبيهما في الطريق بينها وبينه:

"ولدت من عين الإبرة

والشعر ولد من عين الحزن

والتقينا على ضفاف الوادي

كان الشعر يغسل ثوبه

وكنت أغسل ثوبي"

اقرأ/ي أيضًا: كتاب #ستّي_ الفلسطينية.. فْريدا كاهلو في مِرْآة فريدة معلوف

تتعارك أحلام والشعر كطائرين، يرحل كل منهما في مساره، "حملت عفشي اللغوي ومضيت" لكن الكاتبة لا تستغني عن الشعر، تعود لتحاول أن تطوعه لتفكك المفاهيم المعقدة من حولها، الجمال، الحزن، الحب، الفقد، العائلة، "إلا أن الشعر ليس مكانا مناسبا للتعريفات". تخفي أحلام في شعرها كل ما يعصى على الفهم، وتستعمله كستارة تواري بها ما لا تريد له أن يتكشف، وهي من خلاله تتأمل أدواتها في التعامل مع الحياة، النثر والشعر، وتقارن بينهما:

"النثر موقف للبشر وللحيوانات والأحداث

أما الشعر فشاحنة مسرعة

محملة بشوالات العواطف

لم يستطع الإنسان

مذ عرف اللغة أن يركنها على جنب

وما زالت تنحدر في روحه

دون كوابح تردعها"

ولعل الكاتبة تفضل أداة على أخرى، وربما أتعبها الشعر ومحاولتها لفهمه فقررت أن تتصالح معه فالتقيا في مهمة واحدة، هي إطعام الحزن الذي قطّرته التجربة في الحياة.

"اسم الطائر" هو العمل الشعري المنشور الأول لأحلام بشارات الذي قررت، بعد اشتباكات مع الشعر امتدت سنين عدة، أن يبصر القارئ بعضها في هذا الديوان الذي من الممكن النظر له على أنه مرآة ممتدة عبر السماء، تعكس ذات الشاعرة ومحاولاتها لفهم العالم من حولها، وضعتها في قالب لغوي بديع كفيل بأن يبعث على التأمل والانعتاق والارتحال للذات. نتأمل أن تتيح لنا أحلام الفرصة لنتلصص على مزيد من هذه الاشتباكات وتجلّياتها في دواوين قادمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

استثمار إمكانات النثر في مجموعة "حي السماوات السبع"

أدب على الحافة.. قرّاء في الوحل