إسطنبول.. الترحيب لا يكفي

إسطنبول.. الترحيب لا يكفي

واجهة مطعم كباب في الجزء الأسيوي من إسطنبول (Getty)

تعلّمت العبارات الترحيبية، لكنها لا تكفي لأقول لجارتي أن رائحة الكباب مزعجة في الثامنة صباحًا. ما زلت حتى الآن، لا أعرف ما الذي أقوله للولد الذي يفترش الرصيف وأمامه ميزان. كيف أقول له بتركيةٍ صحيحة أنني أملك ليرة، لكنني لا أريد أن أعرف كم أزن اليوم. اللغة منفى. معظم الأتراك لا يجيد غير لغته الأم. اللغة خليط من جذور عدة، فيها كلمات كثيرة مألوفة بالعربية وإن كانت بلفظ مختلف، لغة صوتية تذكّر سامعها كل يوم بأنه خارج الدائرة. بطبيعة الحال، المدينة مليئة بالمساجد الساحرة في عمارتها، ألوان قبابها ومآذنها تتكلم لغة بصرية لا تضل طريقها إلى القلب. ثمة صوت يصدح عاليًا، صوت بلغتي العربية: "الله أكبر". هذا هو الصوت العربي الوحيد تقريباً في اسطنبول.

المدن الجديدة تمرين على التقاط التفاصيل، إغراء بمتعة الاكتشاف

يتمسك الإسطنبوليون بمدينتهم بحرص. بين ليلة وضحاها كان عليهم أن يتخلوا عن لغتهم العثمانية واعتماد لغة اخرى. أنا مجرد مقيمة، أعيش في مدينة لا أعرف من لغتها إلا أساسيات تبقيني حية في التفاصيل. يشبّهون المدن بالنساء، كلّ بنكهة ورائحة خاصة. إذاً أنا أعيش في بطن امرأة جميلة. مدينة طافحة بكل التفاصيل، بتركيبة خاصة. الكثير من الهدوء والمساحات الخضراء في إسطنبول، والكثير أيضًا من الحياة. من نافذتي الخشبية القديمة أرى البحر وسطوحا قرميدية. أجمل ما في إسطنبول قرميدها المنثور كالنمش على الكتفين. المدن البحرية لها ميزة فريدة: البحر بداية الحياة. والحياة قديمة هنا، بيزنطة وقبلها القسطنطينية. من هنا، كان الباب العالي يصدر فرماناته علينا نحن اللبنانيين الذين ألّفنا أغان عن "العسكر العصملي". ما زالت إسطنبول اليوم أهم المدن رغم أنها ليست العاصمة. فيها ماض وحاضر، عراقة وحداثة، مدينة عالقة بين آسيا وأوروبا، بين الإرث العثماني والأتاتوركية، فالحزب الحاكم إسلامي، لكنه معتدل.

إسطنبول امرأة مغرية، ببحر البوسفور وناقلاته، بريحها الباردة وطرقاتها الطويلة، بزحمة السير وأربعة عشر مليون نسمة يتنقلون في أرجائها، بمهاجريها ومأساتهم التي تطفو في العين، بالمتاحف الكثيرة وصور أتاتورك المغروسة حتى في الملاهي الليلية والبارات. مصطفى كمال أتاتورك، الرجل الذي صنع الجمهورية التركية، صاحب الظل الكثيف ما زال يخيّم في سماء إسطنبول. في هذه المدينة تجد كل شيء: قصور، أكواخ، حارات قديمة وأبراج، سكك حديدية تئن من التعب وعبّارات تنقلك من القسم الأوروبي إلى الأسيوي. هنا أيضًا، السور البيزنطي الذي تعرف صورته من كتاب التاريخ والحلويات المشبّعة بالقطْر، والموسيقى الشرقية التي تكتشف أن معظم الألحان اللبنانية مسروقة منها. وطبعًا، اللحم المشوي المشبّع بالدهون. في إسطنبول تسرح كلاب الشوارع الأليفة والقطط المغرورة بجمالها.

اسطنبول مدينة جاهزة لأن تقع في غرامها كل لحظة

المدن الجديدة تمرين على التقاط التفاصيل، إغراء بمتعة الاكتشاف. محطات المترو عالم بحد ذاته، كائنات في حركة دائمة، حياة على عجل. ومحال تجد فيها الفطائر التركية، عصير الرمان و"الكبة" الخالية من اللحمة. أحب وجه العجوز التي تخبز عند محطة المترو قرب بيتي، تذكرني بوجه جدتي وقمطتها البيضاء. أعرف حراس المحطة وعامل النظافة الذي يجرّ رجله ومكنسته الطويلة، أعرف بائعي الثياب المستعملة والكعك والمحارم الورقية، والفتاة التي أسمعها تردد "خمس ليرات" مقابل باقة ورد. أجري حديثًا بالفرنسية مع الشاب السنغالي الذي جاء إلى "استنبول" ليفترش بقعة صغيرة عند جسر المحطة ويبيع الأحذية التركية، وغالبًا ما أصادفه هاربًا من دورية الشرطة، فالبسطات ممنوعة عند الجسر.

إسطنبول مدينة جاهزة لأن تقع في غرامها كل لحظة. 

إسطنبول تشبه ثوبا يناسب جميع المقاسات، سائحوها يحبّون الجزء الأوروبي الصاخب وإيقاعه السريع، وأكثر الشوارع المقصودة "شارع الاستقلال". فيه كل المحال التجارية والمطاعم، فيه عازفون متنقلون يذهلونك بألحانهم وعربات كثيرة حيث الرجال يشوون الكستناء كأنهم يحرقون ذاكراتهم. إسطنبول مدينة جاهزة لأن تقع في غرامها كل لحظة. أعيش في مدينة يأتي فيها طائر ليحط على نافذتي، فأخبره أنني بعيدة ولا قطار يحملني إلى حيث أريد. أخبره أنني طليت جدران المنزل بفراشات وصور ومرايا، وأنني ما زلت أعيش وحدي، وأحاول كثيراً ألا أخون بيروت.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أجمل 7 أغانٍ تصف مدينة إسطنبول

أورهان باموق.. تراجيديا إسطنبول