استمرار الاستدانة يُسقط خطاب التفاؤل الحكومي بالمغرب
23 مايو 2026
تواصل الحكومة المغربية تسويق خطاب التفاؤل بشأن الاقتصاد الوطني، مدعومًا بمؤشرات تعتبرها "واعدة"، إذ أعلن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، الأسبوع الماضي داخل البرلمان، أن الاقتصاد المغربي مرشح لتحقيق نسبة نمو تصل إلى 5.3% خلال السنة الجارية، مع التحكم في عجز الميزانية في حدود 3%.
لكن، في المقابل، لجأت الحكومة إلى فتح اعتمادات مالية إضافية بمليارات الدراهم خارج البرمجة الزمنية الأصلية لقانون المالية، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مدى صلابة التوازنات المعلنة، وحقيقة الوضعية المالية العمومية.
يأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات أصدرها صندوق النقد الدولي بشأن ما وصفه بـ"الديون المستمرة"، المرتبطة أساسًا بالمؤسسات والمقاولات العمومية التي ستتحمل جزءًا كبيرًا من تمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.
تناقضات الخطاب المالي
يؤكد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، أن هناك تناقضًا واضحًا بين خطاب الحكومة المتفائل وبين القرارات المالية التي اضطرت لاتخاذها خلال السنة الجارية.
لجأت الحكومة إلى فتح اعتمادات مالية إضافية بمليارات الدراهم خارج البرمجة الزمنية الأصلية لقانون المالية، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مدى صلابة التوازنات المعلنة، وحقيقة الوضعية المالية العمومية
ويقول الغنبوري في تصريح لموقع "الترا صوت"، إن "اللجوء إلى فتح اعتمادات إضافية بمليارات الدراهم يبين بالملموس أن هناك ضغوطًا مالية لم تكن محسوبة، وصعوبة في الحفاظ على التوازنات التي أُعلنت في قانون المالية".
وأضاف المتحدث أن الحكومة، إذا كانت تعتبر الوضعية المالية "متحكمًا فيها"، وإذا كانت الموارد الجبائية فعلًا في تحسن، "فماذا تحتاج الدولة إلى اعتمادات إضافية لتغطية النفقات؟".
وأوضح علي الغنبوري أن جزءًا من التحسن الذي تتحدث عنه الحكومة "قائم على فرضيات متفائلة أكثر من كونه مبنيًا على موارد مستقرة ودائمة"، خصوصًا في ظل استمرار ارتباط الاقتصاد المغربي بعوامل ظرفية وخارجية، مثل الموسم الفلاحي، وتحويلات مغاربة العالم، وتقلبات السياق الدولي.
ويلفت إلى أن ارتفاع نسب النمو لا ينعكس بالضرورة على الحياة اليومية للمغاربة، "لأن النمو الاقتصادي لا يعني تلقائيًا تحسن القدرة الشرائية أو توفر مداخيل كافية لتغطية النفقات العمومية المتزايدة".
المونديال واختبار المديونية
في هذا السياق، حذّر صندوق النقد الدولي الحكومة المغربية من المخاطر المالية المحتملة المرتبطة بالبرنامج الاستثماري الضخم الذي أطلقته المملكة لتطوير البنيات التحتية استعدادًا لتنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال.
وأفاد الصندوق، في تقرير حديث بعنوان "الأثر الاقتصادي الكلي لتسريع استثمارات البنية التحتية العامة بالمغرب"، أن المملكة تراهن خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030 على مشاريع ضخمة تشمل السكك الحديدية والمطارات والملاعب، بكلفة إجمالية تصل إلى نحو 11.9% من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2024.
غير أن المؤسسة المالية الدولية نبّهت إلى أن أي انزلاق في تكاليف هذه المشاريع، ولو بنسبة 30% فقط، قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في حجم الدين العمومي مقابل "عائد اقتصادي محدود".
ويضيف التقرير أن نسبة الدين العام قد ترتفع بحوالي 8 نقاط من الناتج المحلي الإجمالي بحلول سنة 2030، إذا لم يتم التحكم الصارم في المخاطر المالية وإعادة المديونية إلى منحاها التنازلي بعد انتهاء الأوراش الكبرى.
ويحذر الصندوق من أن ضعف عائدات الاستغلال المستقبلية، مثل مداخيل القطارات والمطارات، قد يحول هذه الالتزامات إلى عبء مباشر على الميزانية العامة بعد سنة 2030.
تقديرات كلفة المونديال
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الكلفة الإجمالية لتحضير المغرب لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 ستكون ضخمة، خصوصًا على مستوى البنيات الرياضية والسياحية والنقل.
ووفق دراسة سابقة أنجزتها "SOGE CAPITAL GESTION" سنة 2023 حول الآثار الاقتصادية لتنظيم المونديال، فإن المغرب سيحتاج إلى استثمارات تناهز 52 مليار درهم، من أجل تأهيل البنيات التحتية المرتبطة بالحدث الرياضي العالمي.
وأوضحت الدراسة أن ميزانية الدولة ستتحمل نحو 25 مليار درهم مخصصة لبناء وتجهيز ملاعب كأس العالم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، فيما يُنتظر أن تلجأ المؤسسات العمومية إلى القروض البنكية أو سوق الدين الخاص لتعبئة حوالي 17 مليار درهم موجهة لمشاريع النقل والبنية التحتية، على أن تُوفَّر 10 مليارات درهم المتبقية عبر قروض خارجية أو مساعدات دولية.
ليس كل استثمار مربح
تفتح هذه الأرقام لدى المتخصصين نقاشًا واسعًا حول طبيعة العائد المنتظر من هذه الاستثمارات وحدود قدرتها على تحقيق مردودية اقتصادية واجتماعية مستدامة.
ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، عمر الكتاني، أن مفهوم "الاستثمار" الذي يرافق الحديث عن مشاريع المونديال يحتاج إلى كثير من التدقيق، لأن "ليس كل استثمار مربحًا، وليس كل استثمار تكون كلفته أقل من مردوديته، كما أن بعض المشاريع لا تحقق أرباحًا طويلة المدى".
يتابع الكتاني في حديثه لموقع "الترا صوت" أن البنيات الرياضية التي ينجزها المغرب "مكلفة جدًا سواء على مستوى البناء أو الصيانة"، مشيرًا بشكل خاص إلى مشروع الملعب الكبير في بنسليمان قرب الدار البيضاء، الذي يعتبره "غير متناسب مع حجم السكان ولا مع القدرة الشرائية للشباب المغربي لاقتناء تذاكر المباريات".
وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن كلفة صيانة الملاعب الكبرى في مدن مثل الرباط وفاس وطنجة وأكادير ومراكش تطرح بدورها أسئلة مرتبطة بطرق التدبير والتمويل، معتبرًا أن "هذه السياسة لا تبدو مبنية بشكل كافٍ على تقييم دقيق للكلفة والإمكانيات والأولويات ومصادر التمويل".