استمرار أزمة الدواء في مصر.. خيوط متشابكة تنتهي إلى تقصير الدولة

استمرار أزمة الدواء في مصر.. خيوط متشابكة تنتهي إلى تقصير الدولة

لا تزال أزمة الدواء مستمرة في مصر دون تقديم الدولة أي مبادرات للحل (محمد عبدالغني/ رويترز)

في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي 2016، أعلن البنك المركزي المصري رسميًا تحرير سعر صرف الجنيه وفقًا لآليات العرض والطلب، وكان ذلك التاريخ بمثابة علامة فارقة في تحوّل أسعار العديد من السلع والمنتجات في مصر، لا سيما أسعار الأدوية والعلاجات، والتي تعتمد بشكل أساسي على العملة الصعبة، نظرًا لاستيراد معظمها من الخارج.

300 مليون جنيه هي مخصصات منظومة الدواء من ميزانية وزارة الصحة المصرية، أي 3.1% فقط من الميزانية

وبالرغم من عدم اعتراف وزير الصحة المصري أحمد عماد، بأزمة الدواء في البداية، إلا أن تكرار الشكوى التي لم تنته حتى إعداد هذا التقرير، اضطر الوزير للخروج مُعترفًا بوجود أزمة في الدواء، من جهة نقصه أصلًا، فضلًا عن ارتفاع أسعاره. لكن الوزير اعتبر أن "المشكلة تكمن في السلوكيات غير المشروعة للوسطاء (أي شركات التوزيع) وليس لها علاقة بشركات الإنتاج أو الصيدليات"، ليصبح الجميع في النهاية مهددين في ظل هذه الأزمة الممتدة منذ أكثر منذ ما يقرب من العام، رغم أن تقرير الاستقرار المالي الذي يُصدره البنك المركزي قال إن الاقتصاد المصري شهد تغيرات على كافة الأصعدة، تهدف إلى "تصحيح الاختلالات الهيكلية التي تعرض لها الاقتصاد المصري في الآونة الأخيرة، ولتحسين أوضاع البلاد"، ولا يبدو أن أيًا من هذه الأهداف تتحقق على أرض الواقع.

اقرأ/ي أيضًا: تفاقم كارثة نقص الدواء في مصر.. أي حلول؟

وعلى حد قول وزير المالية، الوزارة المسؤولة عن توزيع الموازنة العامة للدولة، بما فيها موازنة وزارة الصحة، فإن وزارته "حريصة على زيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية لتوفير أكبر قدر من الحماية والرعاية لجميع شرائح المجتمع، وخاصة الطبقات الأقل دخلًا والأولى بالرعاية". لكن يبدو أيضًا أن وزير المالية غير مدرك تمامًا للأوضاع على أرض الواقع، والتي تُشير بوضوح إلى حاجة الصحة لرفع ميزانيتها، تحديدًا المخصصة لمنظومة الدواء، إذ إنّ المعتمد للدواء من ميزانية وزارة الصحة البالغة 54 مليار جنيه، هو 300 مليون جنيه، أي 3.1% فقط من الميزانية، ما اعتبره خبراء "كارثة".

خسارة فادحة للجميع

أُثيرت مجددًا أزمة الدواء، إذ سُلّطت الأضواء على ملف صناعة واستيراد الأدوية في مصر، وشُنت حملة ضد وزير الصحة باعتباره متسببًا في تأجج الأزمة بل ظهورها من البداية، لمساعدته شركات بعينها في احتكار الدواء، وذلك عن طريق تمليكه ما تُسمى بـ"صناديق الدواء" لشركات بعينها احتركت من خلاله الدواء في مصر. 

يبحث يوسف منذ نحو ثلاثة أشهر على مصل خاص بعلاج الأعصاب لوالده المريض. قام "ألترا صوت" بجولة ميدانية رفقة يوسف للتأكد من صحة قوله. وبالفعل، وبعد زيارة العديد من الصيدليات لم نستطع الحصول على المصل، وتأكدنا من تكرر شكاوى نقص الدواء في الصيدليات، خاصة الأدوية التي ليس لها بديل. المثير للاهتمام أن بعض تلك الأدوية لا تتواجد إلا في السوق السوداء للدواء في مصر، وبأثمان باهظة لا فصال فيها.

في المقابل يتعرض الصيادلة لاتهامات صريحة بالسرقة من خلال زيادة أسعار الدوار. تواصل "ألترا صوت" مع عدد منهم، ليؤكدوا أن أسعار الدواء في مصر، في السوق الرسمية، أي الصيدليات، تحدد وفقًا لمنظومة التسعيرة الجبرية من قبل الوزارة، وتجاوز ذلك يضع صاحبه تحت طائلة القانون. لكن ذلك لا ينفي استغلال بعض الصيادلة وأصحاب الصيدليات للأزمة في زيادة أسعار الدواء المطلوب، كما أكد عدد المواطنين الباحثين عن الدواء كان قد تواصل معهم "ألترا صوت".

جزء هام من أزمة الدواء في مصر، هو الاعتماد بشكل أساسي على الاستيراد، إذ إن صناعة الدواء في مصر قاصرة على التعبئة فقط

للأزمة بعد هام، وهو ضآلة صناعة الدواء المصرية. "حتى المحلول المصنوع من مياه وملح، لا يُصنع في مصر"، يقول طبيب بشري من داخل إحدى المستشفيات الحكومية، مُوضحًا أن معظم صناعة الدواء في مصر، قائمة على التعبئة فقط، في المقابل يزعم وزير الصحة أن مصر "تُصدّر أدوية ومستلزمات طبية إلى الخارج بقرابة 500 مليون دولار سنويًا"، ولو صدق هذا الادعاء لكان الأولى كفاية الداخل المصري أولًا.

اقرأ/ي أيضًا: بعد الدولار.. سوق سوداء لـ"علب الدواء" في مصر

ويقول محمد عبدالغفار، عضو نقابة الصيادلة، لـ"ألترا صوت": "منذ سنوات عديدة لم تتغير أسعار الدواء إلا فيما ندر، وكانت إذا زادت لا تتخطى 20%"، لكن الحال تغير بعد 2013 بحسب عبدالغفار، إذ بدأت الأسعار في الزيادة بصورة تدريجية، قبل الزيادة الرسمية التي أقرتها وزارة الصحة في الأول من أيار/مايو 2016، حيث رفعت الأسعار إلى 30%، ثم تكررت الزيادة في كانون الثاني/يناير 2017 بنسبة 50%. 

وكان لتحرير سعر صرف الجنيه، وعدم استقراره لشهور، تأثير مباشر على المستثمرين، في ترددهم في استيراد المواد الخام. وكانت تلك من مسببات الأزمة.

وكما يقول رئيس لجنة صناعة الدواء في نقابة الصيادلة، صبري الطويلة، في تصريحات صحفية، فإن "سوق تجارة الأدوية في مصر يبلغ تقريبًا 36 مليار جنيه سنويًا، ونحن نستورد حوالي 30% من هذا المبلغ، أي ما يساوي 12 مليار جنيه تقريبًا من المواد الخام ومواد أخرى تدخل في تصنيع الدواء، بالتالي المشكلة في المادة الخام في ظل زيادة سعر الدولار".

ويوضّح محمد عبدالغفار أنّ "توقّع ذلك الخلل مع التعويم، جعل بعض الصيادلة غير معنيين -بخلاف السابق- بنقص بعض الأدوية، لكثرة تكرار ذلك الأمر، فالشركات لا تملك سوى وقف الاستيراد" خصوصًا أنها أمام خيارين إما الاستيراد والبيع بخسارة، أو أن تقلل من الاستيراد أو توقفه تمامًا.

جزء آخر من المشكلة يُوضحه صيدلي فضل عدم ذكر اسمه، ويكمن في التفريق بين كلمتي "مثيل" و"بديل" في عالم الدواء. فمثيل تعني أنه دواء يحمل نفس التركيب الكيميائي للمادة الفعالة للدواء، بينما بديل تعني الدواء الذي يحمل نفس التأثير باختلاف التركيب الكيميائي.

أين المشكلة إذن؟ يُوضح الصيدلي أنه لكل دواء 12 مثليًا له، باختلاف الاسم التجاري، وعليه يمكن حل جزءٍ من المشكلة بكتابة روشتة علاجية باسم المادة الفعالة وليس بالاسم التجاري للدواء. لكن لماذا لا يحدث ذلك؟ يُجيب الصيدلي بأن الأمر موقوف على علاقة المنفعة المتبادلة بين شركات الدواء وبين الأطباء، فغالبًا ما تتعاقد شركات الدواء مع الأطباء لكتابة اسم دواء شركتهم حصرًا، وليس اسم المادة الفعالة نفسه، لزيادة مبيعات الشركات. وأيضَا لأن الكثير من الصيادلة في مصر الآن "غير دارسين" بتعبيره، فإنهم لا يستطيعون التعرف على المادة الفعالة للدواء لإعطاء مثيله للمريض في حالة عدم وجوده.

تعقد الشركات صفقات مع الأطباء لكتابة أدويتها في الروشتات وليس المادة الفعالة نفسها، فلكل دواء 12 مثيلًا بنفس المادة الفعالة

إذن فكما هو واضح، تتعدد أسباب الأزمة، وتجتمع في النهاية في يد الدولة غير القادرة على ضبط منظومة الدواء في مصر، والتنسيق فيما يخص الناحية الاقتصادية وأثرها على سلعة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لن يحل تعويم الجنيه الأزمة في مصر؟

المرض المنتشر الآن في مصر: فيروس مجهول يقتل الأطفال!