استعادة

استعادة "حكاية أزرق" لمولبوا: عن الشّعر الطّالع من الفظاظة

الشاعر جان ميشال مولبوا

"اللّغة هي الذّاكرة المجبرة على الحب"، منذ البداية يمسكُ جان ميشال مولبوا خصلةً لغويّة يعقدُها ضفيرةً لوجوهه المتشظية في كتاب "حكاية أزرق"، الصادر لدى "غاليمار". وإذا كان الأزرق، بفرعيه اللذين يشي بهما، البحر والسماء، ذريعةً للحديث عن الحبّ والموت والكآبة والغبطة، فمن الجائر وَصْم الكتاب، الذي يضم بين دفّتيه عملين تفصل بينهما ثماني سنوات، "حكاية أزرق" و"غريزة السماء"، بالصنعة الشعرية. لأن عِشرة مولبوا الدؤوبة للّغة في عمله النقديّ، لا تعني خلوّ شعره من الثّورة الأليمة، وإن بهدوء. لأنّ "تحت المرصوف جُملًا، المخمليّ والناعم، ثمّة هذا التمزّق اللّامتناهي والحاجة الإنسانيّة العنيفة إلى السّعادة"، على ما يقول أنطوان إيماز في تقديمه للكتاب.

التعلّق بالكتابة لدى مولبوا هو المصدر الأساسي للكتابة نفسها، وهو الرابط الأول بالطفولة

ولد مولبوا عام 1952 في مونبليار في شمال شرق فرنسا، وبعد طفولة هادئة أمضاها متنقّلًا بين الريف والمدينة، سكن إحدى ضواحي باريس لمتابعة دراسة الآداب. كان له من العمر 16 سنة في 1968، وعرَفَ كالرومنطيقيّين صعوبةَ أن "نولدَ متأخّرين جدًا في عالم جدّ عجوز". ولعلّ مولبوا قام بتحوير ثورته الخاصّة، فكساها بطبقةٍ كثيفة من الرّصانة والدقّة حينَ انكبّ على الشعر الحديث (فاليري، ريلكه، هنري ميشو، رينيه شار) تشريحًا، ليضع مؤلفات نقديّة عدة. مولبوا المعروف بالنّشيط في الأوساط الثقافيّة الفرنسيّة أدار في فترة سابقة مجلّة "لونوفيل روكوي" الفصليّة الأدبية، الصادرة لدى "شان فايون"، ومعروف أيضًا بآرائه النقدية الفظّة وغير المتسامحة.

اقرأ/ي أيضًا: "حبة قمح" نغوغي وا ثيونغو في طبعة عربية جديدة

في لقاء أجريته معه منذ سنوات، أثناء مشاركته في معرض "اقرأ بالفرنسية والموسيقى" هاجم الكتّاب الجدد "الذين يلتقطون أفكارهم كيفما اتفق ومن أيّ مكان"، ووقف مقلّدًا هؤلاء بطريقةٍ حماسيّة: "الأرضُ تدور، الأرضُ تدور، الأرضُ تدور. حسنًا ماذا بعد؟ هذا ليس شعرًا". شخصيًا هو "التقط" أفكاره من أسفاره الكثيرة فأنتج أعمالًا مثل "الحقل العام" (1998)، و"سقوط المطر الخفيف" (2002) وأخرى أيضًا وُسِمَت غالبًا بالغنائيّة النقديّة. 

يبدو أنّ طفولةَ الكاتب الهادئة هي التي قرّرت شخصيتهُ الأنيقة في ما بعد، وشكلَ كتاباته، فهو "يدسّ" البوح في عسلِ الأبيات الكتومة، وإلى تلك الطفولة ينسبُ السّعادة التي لا يمكنُ بلوغها أبدًا: "كلّ ما أحببته/ كلّ ما فقدته/ كان له طعم طفولتي/ حدثت منذ قليل/ لا أذكرها جيدًا/ وحياتي كلها ستصبحُ ذاكرتها السيئة". وإذا ابتعد الشّكلُ الشعري عن السّيرة الذاتيّة الأفقيّة، أو اختير عن قصد، فهذا يعود تحديدًا إلى هذه الذاكرة السيئة. لكن التعلّق بالكتابة لدى مولبوا هو المصدر الأساسي للكتابة نفسها، وهو الرابط الأول بالطفولة، كأن يقول: "منذ عقود، والصوت نفسه يهجّي الأبجديّة نفسها/ في دماغ الطفل نفسه/ يتلعثمُ بكلمات تطير بسرعة/ تعلق بعشب الشطآن/ بجلد المستجمّين المسمر/ كلمات عبثيّة/ لأجل لا شيء وأي كان". إذًا، لا يمكن الشاعر إعادة بناء الطفولة في التاريخ، بل تبدو هذه الطفولة كاستعارات ألفبائية للسعادة، في عالم حيث العزاء أو الحماية غير ممكنين.

حضور الأم، المرتبطة باللّغة أيضًا، يمكنُ اختصاره في أبيات كهذه: "كلماتٌ للطفل الّذي كنّا ولأمّه المقيمة أبداً فينا/ ذراعاها عيناها/ صوتُها السّحيق/ كلماتُها الخاصّة، ملجأها وانتباهها/ هذا العطرُ حيثُ يجفّف الطفلُ دموعه".



الأزرق لدى مولبوا هو "بلوز" الروح، "كل ما لا نستطيع أبدًا لمسه بأيدينا"، المطلق، اللامتناهي. وكلّ المحاولات الإنسانيّة إن هي إلا تمويهات للون الأم الذي لا يمكن حصره في اللّغة. "الجمل التي تنقصكَ لقول الأزرق الذي فيك"، أو قوله: "نريد أن نجعل من الأزرق حديقة/ ثم نقطفه في مريول من قماش". إذًا، هو الحلم الذي يعيد الخلق على طريقته: "بلّل الحالم أصابعه في الأزرق/ من الآن فصاعدًا جسده من رمل". وهو اللون الذي يتماهى مع الكاتب من حيث الكتمان: "الأزرق لا يثيرُ ضجيجًا/ لونٌ خجولٌ لا أحكام مسبقة لديه"، وهو الموت غير الصوتي: "رأسك هلاميّ وأزرق أكثر من الماء/ مغمورًا بالصّخب/ تقبّل موتك غير الصوتي". وإذا كان لا يمكن قول الأزرق، "هذا الذي يلصق شفتيّ"، أو سجنه في نظرة امرأة عابرة، فإن مولبوا يخدع القارئ طوال الوقت باستخدام كل ما يذكّر به: الماء، المطر، مصبّات الأنهار... حتى أنه يحقّر الألوان الأخرى باستخدامها عرضيًا: الأحمر، الأبيض، الرمادي... أو يهجوها صراحة: "الأزرق لا ينقضّ على النظر كالأصفر والأحمر". هكذا يصبح جزءا الكتاب صدى لسؤالهما عن الأزرق المتّسع بحرًا وسماء. 

هذا لا يعني أنّ مولبوا ينسى الأرض تمامًا، لكنّه يعاينها انطلاقًا من مدّ الأزرق: "لا أمواج، خصوصًا لا أمواج تعيدُ تلك الّتي حضنتها/ يجبُ البقاء حتى الربيع/ لكن الربيع لن يأتي اليوم/ إنّه الشتاء/ الثلج هو المنتظر"، أو من خلال سخطه: "على طول الشواطئ الصخريّة والرمليّة/ يعتني البحر ببقايانا/ يحملُ الشعورُ الحزينُ نفسه تجاه أطفال الجيران/ الذي ينتابُ النساء العاقرات العجائز". 

تبدو الأنا قوية في شعر مولبوا، لكننا نخطئ إذا اعتقدنا بنرجسيّة هذا الشّعر: الأنا حاضرة إلا أنّها منعكسة من خلال صيغ أخرى: أنت، هو، نحن

تبدو الأنا قوية في شعر مولبوا، لكننا نخطئ إذا اعتقدنا بنرجسيّة هذا الشّعر: الأنا حاضرة إلا أنّها منعكسة من خلال صيغ أخرى: أنت، هو، نحن... لكن الأنا مجلودة بعنف، حتّى نفاجأ بهذا التّنكيل بالنفس، أو لعبة المجزرة الذاتيّة لجهة أن الحياة لا تتحمّل ضيقها. "أنا إذاً شِعرُ جوعي/ كآبة استهلاكي/ أنا شبيهٌ لشاعر/ شبيهٌ لمثقف/ شبيهٌ لزوج/ شبيهٌ لأب/ شبيهٌ لحبيب/ ربّما أنا شبيهٌ لإنسان/ لا أكثر من ظلّ يحمله الاختفاء/ لستُ مخفقًا ولا ملعونًا/ أنا فقط رجل خائب لا يعيش ساعته". هذه الأنا ليست كثيفة ومتمركزة حول نفسها، بل منفجرة وجوهًا وحالات لا يمكن أبدًا جمعها. لأن الكاتب يتفلّت من الناس قدر ما يمتزج بإنسانيّتهم البعيدة الرّاغبة في الجمال، من طريق الاعتراف بهزائم الروح، كما مقاومتها الفطريّة للزوال.

اقرأ/ي أيضًا: محمد المرابط.. الكاتب الأمي؟

لا بدّ أيضًا من ملاحظة الكآبة التي تغلّف هذه الأنا، الكآبة التي تتولّد من الرغبة والإقتناع بالوجود الحادّ للحدود. يقول مولبوا: "حياةُ المرء تعني أن يحضن طويلًا بيضة الكآبة الرمادية وبيضة الرغبة الحمراء". هكذا لا تعود الكتابة طريقةً للحداء، أو لتهدئة الألم، بل تنفجرُ لتقود غضبها ضدّ الكاتب نفسه، وضدّ نهمه وسقطاته. 

نادرة هي اعترافات المحبّ السّعيد في هذا الكتاب، رغم أنّ الحبّ حاضرٌ بطريقة حسيّة وغير مستقرّة من خلالِ الجسد والرغبة: الشّعر، اليد، الثوب، الشرائط الحريريّة... لكن هذه الحسيّة المستيقظة لا تثبت على امرأة واحدة، بل تحلمُ بحب مثالي. "دائمًا أنفصلُ عمّا أحبّ". لكنّ الكاتب يقيمُ مرّة أخرى توازيًا بين أن يحبّ وأن يكتب: "من الحبّ ومن اللّغة أختار الجناحين". بعد ذلك يتساءل هل اللّغة تعوّضه عن الحبّ وعن الأمّ أيضًا: "هل اللّغة ثديٌ؟"، لكنّ الجواب يكون بالنّفي، لأنها فقط وسيلةٌ لصوغِ كلماتِ التعزية. هكذا يصبحُ الشّعر ابنًا مجهولًا لحبّ مجهول: "الكلمات التي أكتبها الآن هي ذرّيتنا/ أطفالُ الحبّ الذي مارسناه من دون أن يعرف واحدنا الآخر/ الأطفال المجهولون". 

الوجهُ الآخرُ للحبّ هو الموت، الموت العميق والهادئ، الشّديد الزرقة. وفي وصفه للموت يبدو مولبوا متأثرًا ببودلير: "تحفرُ الأسماك أعشاشها في جماجم الغرقى/ بعد أن تفرغها من اللّحم". يتّخذ هذا الموت ملامحَ فنيّة في النهاية: "حتى الموت ينام في البحر/ هناك في الأعماق الشديدة الزّرقة/ يتفتّح كوردة ضخمة". وهنا لا أجد مفرًا من التّعليق على تشابه بين وصف مولبوا للموت في قوله: "نسمّيها شرطة الجمع/ هذه الشرطة الأفقية التي تصل الولادة بالاختفاء/ ميلّمتران من أجل حياة إنسان"، وبين وصف الشاعرة الأمريكية دوريان لوكس لهذا الموت: "تاريخا الولادة والموت محفوران، تفصل بينهما شرطة: شقّ وجيز وعميق كاستعارة للحياة". 

من المؤكد أنّه لا يمكننا نعتُ شعر مولبوا بالشّعر الأخلاقي، لكنّه يحملُ سمةً أخلاقيّة من خلال صيغ التساؤل والنقد الذاتي على طريقة أخلاقيي القرن السّابع عشر. لعلّ علاقة هذا الشّعر مع الأخلاق تتشابهُ وعلاقته مع الدّين، فالأخير حاضرٌ من خلال قصيدة كاملة تحمل عنوان "كنيسة غير مؤكّدة" لكنّه حاضرٌ بهشاشة ووفق اجتهاد مولبوا الخاصّ الّذي ابتدع مذهب "أرثوذكسية الأزرق".

لا يمكننا نعتُ شعر مولبوا بالشّعر الأخلاقي، لكنّه يحملُ سمةً أخلاقيّة من خلال صيغ التساؤل والنقد الذاتي على طريقة أخلاقيي القرن السّابع عشر

هكذا يمشي الشعرُ حافيًا من أجل كهنوت البحر الكبير، مقيمًا الطقوس والشعائر في بازيليك المرجان حيث يعلِّق الآلهة أثوابهم البيضاء. يقول الشّاعر: "في بازيليك المرجان/ يطوي اللّامتناهي ركبتيه أحيانًا/ هنا مسكنُ الآلهة غير المؤكّد/ مقصورة رياحهم/ مشانقهم الحديديّة حيث يعلّقون غسيل أثوابهم البيضاء". وأيضًا البحر أو "الأزرق" هو الدّين في استرخائه: "البحر عطلة الآلهة". لكن مولبوا يعود في الجزء الثّاني من الكتاب ليعترف بالسّبب الذي دفعهُ إلى ابتداع كهنوته الخاص: "لم يقدّمني أحد إلى الله/ لا أعرف إلا اسمه الفارغ/ الغياب المتطرّف لوجهه/ والنّواح على صليب الإبن المتروك". ليعلن بعد ذلك أنه ليس منشغلًا بالبحث عنه في أيّ مكان، ولا يطمح إلى الإيمان به، لأن لديه ما يكفيه ليهجس به: الموت. 

اقرأ/ي أيضًا: ذكريات ميغيل دي أونامونو.. حوار مع الذات

تبدو الكتابة بالنسبة إلى مولبوا المركز الّذي تدورُ حوله حياة بأكملها، لأنّه "لا يبقى من الإيمان إلا ذكرى اللّون/ إشارة عديمة تشبه ترتيلة"، ووحدها اللّغة في إمكانها أن تبقى: "أحيانا تدوم الكلمات". لذا تحضر الحواس الخمس، لكن بشرود، لأنّ المحسوس كلّه قصير الأمد، مباشر، وبسيط حتّى لو أُعيدَ صوغُه على شكلِ صورة، أو عبر استعادته من الذاكرة. لذلك يفي الكاتب بالتعهّد الذي قطعه على نفسه في حواشي العملين من خلال جملة لريلكه، "نستطيع التصوّر أن أحدهم كتب حكاية الأزرق"، وأخرى للقديس أغسطينوس، "النّاس سوف يتأمّلون قمم الجبال، أمواج البحر، مجاري الأنهار الواسعة، تيّارات المحيط وحركة النجوم، وسينسون أنفسهم". لذلك، وكي لا ينسى الناس أنفسهم، يقتلع مولبوا اللغة "من عيونهم المنتفخة بالجُمل".

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتّاب يقتفون آثار كتّاب آخرين

رحيل كارلوس زافون... مقبرة الكتب المنسية ليس الوجهة هذه المرة