استشراقُ إدوارد سعيد.. بوصلة فقدت اتجاهاتها

استشراقُ إدوارد سعيد.. بوصلة فقدت اتجاهاتها

رأى إدوارد سعيد أن التقاليد المعرفية تحكم المنتج الغربي عن الشرق (تويتر)

يقول إدوارد سعيد في الاستشراق: "كان ما حققه المستشرقون الأوائل، وما استغله الذين لم يكونوا مستشرقين في الغرب، نموذجًا مصغرًا للشرق ملائمًا للثقافة السائدة والطاغية، وتفسيراتها النظرية".

وقع سعيد نفسه في فخ الاستشراق مرتين، مرة عندما أعاد إنتاجه في تصوره عن الغرب كما لو كان كُلًّا ثقافيًّا متجانسًا، ومرة أخرى عندما اختزل التصورات المنحازة للشرق إلى "العاطفة"

قد ينتفي في البدء أي اختلاف مع قول كهذا، غير أن تمحيصه ضرورة لدحض إغرائه المبدئي، والانفلات من أثره المفاجئ والمدغدغ لمشاعر الهوية التي تؤثر بالضرورة في ذهن قارئها العربي.

اقرأ/ي أيضًا: إدوارد سعيد.. ستة عشر عامًا من الحضور

بتعبير أبسط يقول سعيد إن الشرق في متون المستشرقين، شرق وفق الثقافة الأوروبية السائدة، لا يخرج عنها. في هذه الحالة يلح السؤال: أي ثقافة غربية يتكلم عنها سعيد؟ وكيف يتصورها؟ هل هي ثقافة واحدة متجانسة؟ أم عدة ثقافات لها منطلقات وأسس مشتركة؟ أم عدة ثقافات متباينة ومتصارعة أحيانًا؟

تتكئ دراسة إدوارد سعيد في استشراقه على هوية الذات والموضوع في الدراسات الإنسانية، أي أن الإنسان في هذه الحقول المعرفية يدرس نفسه، ومن ثَم لا يمكن أن تكون الدراسة "موضوعية" أبدًا. كما يبرز استنادها الفج على تصورات ميشيل فوكو القائل إن فعل المعرفة في ذاته ممارسة تطويع الذات لموضوعها في العقل، ليدخل في مجال هيمنتها في الواقع، فقد انتهت تحليلات ميشيل فوكو إلى أن المعرفة مدفوعة أساسًا بالرغبة في تصنيف الموضوعات وتنظيمها في أطر نظرية، تجعل السيطرة عليها ممكنة، وبالتالي فهي "ممارسة سلطوية".

تظهر الثقافة الغربية في نص إدوارد سعيد مغلقة على ذاتها، بطريقة تجعلها مهيمنة على النشاطات الفكرية الفردية الواقعة داخلها، فتحدد هذه الثقافة منطلقات كل نشاط فكري ونتائجه. لا يمكن للفرد المفكر داخل هذه الثقافة إذًا أن يخرج عن إطارها العام، ما يعني أن كل مفكر أوروبي يدرس الشرق هو بالضرورة مستشرق، لأنه خاضع للشروط العامة التي ترسمها هذه الثقافة.

هكذا، حسب إدوارد سعيد، يبقى الغرب غربًا في نظرته للشرق، ومهما يختلف الفكر الغربي في علاقته مع الشرق، يظل محكومًا ببنية ثقافية تجعله استشراقيًّا، حتى إذا انبعثت لنا، بين حين وآخر، من داخل هذه الثقافة، مواقف استثنائية، لن تكون قائمة إلا على "الشراكات اللامتساوية بين الشرق والغرب"، وهي في جوهرها، بعد مزيد من التحليل، استشراقية على مستوى أعمق. وتظهر هذه الرؤية بالذات في تحليل سعيد لموقف كارل ماركس.

إن مفهوم كارل ماركس عن "النظام الاقتصادي الآسيوي"، والاغتراب الذي أحدثه النظام الاقتصادي الرأسمالي المنقول عبر الاستعمار البريطاني لهذه البلدان، يُظهر فيه تعاطفًا ماركسيًّا مع الشرق المستعمَر، لكنه في المقابل يرى في الرأسمالية الاستعمارية قدرة على إنضاج الشروط الطبقية للثورة الاجتماعية في الشرق، أي أن الاستعمار مرحلة ضرورية لتحديث الشرق وتجهيزه للثورة. يعني هذا، بحسب سعيد، أن كارل ماركس نفسه دافع عن الاستعمار الغربي للشرق.

هكذا، وببساطة، يخلص إدوارد إلى أنه "ليس في وسع أي باحث (...) أن يقاوم ضغوط أمته، ضغوط التقليد البحثي الذي يعمل في سياقه"، وينتهي بنا تحليله إذًا إلى ثقافة غربية هائلة الوطأة، مستشرقة بالضرورة، ويستحيل على أي مفكر مفرد أن ينخلع عنها أو يتجاوزها.

التبسيط مكمن طرح الاستشراق، وما يعيبه المفكر اللبناني مهدي عامل على إدوارد سعيد، نفيه صفة الطبقية والتعدد عن الفكر الغربي. إذ يقول عامل، في كتابه "هل القلب للشرق والعقل للغرب؟"، إن نص سعيد لا يحدد طابع هذه الثقافة "الطبقي التاريخي، بل يكتفي بالقول عنها إنها ثقافة الغرب، أو الثقافة الأوروبية الغربية"، هكذا كما لو كانت كُلًّا متجانسًا.

 فمن ذلك يتحدد خلل ذلك الطرح، أي "بانتفاء طابعها الثقافي التاريخي في تحديدها السعيدي هذا، تنتفي إمكانية وجود نقيض لها، فتكتسب، بهذا الانتفاء طابعًا شموليًّا تحتل به كامل الفضاء الثقافي". يؤدي نقد سعيد للاستشراق، بطريقة طريفة، إلى تجميد الثقافة الغربية وإغلاقها على ذاتها، بالضبط كما يفعل الاستشراق نفسه مع الشرق عندما يتخيله كُلًّا متجانسًا لا مساحة فيه للتنوع أو الصراع.

ومن حيث هو، أي سعيد، ينكب على ثقافة هذه البرجوازية بالتحليل، ثم يقدمها باعتبارها مجمل الثقافة الغربية، لا مجرد جزء منها، يطمس وجود ثقافة غربية مناهضة ترتكز على أساسات طبقية مناوئة. هذا التحليل يهب إلى البرجوازية الأوروبية شرعيتها التي تتمناها، عندما تقدم نفسها ممثلًا للغرب في كليته. وعلى هذا الأساس يتضح التبسيط الذي قارب به إدوارد سعيد الثقافة الغربية، من منطلق أنها ثقافة كلية واحدة، متجاهلًا واقعها المادي التاريخي والاجتماعي المتنوع، الذي يجعلها بالضرورة حقلًا مليئًا بالتناقضات المعقدة، لا كتلة واحدة كما يراها سعيد، تشمل ماركس كما تشمل بلفور، كما لو كانا متفقَيْن في العمق رغم اختلافهما الظاهر.

نظرة سعيد إلى الثقافة الغربية على أنها ثقافة واحدة سائدة، وضعه في التباس أمام قراءة ماركس. فمن ناحية يرى عنده تعاطفًا مع الشرق في كلامه عن الاغتراب الرأسمالي الناتج عن الاستعمار في مجتمعات شرق آسيا، ومن جهة أخرى يتهمه بالمركزية الثقافية الغربية بسبب إقراره بضرورة هذه الرأسمالية لإنضاج الشروط الموضوعية للثورة الشعبية.

يعني هذا أن سعيد يضع النص الماركسي بين ثنائية القلب المتعاطف مع الشرق والعقل المنحاز للغرب، ما يؤدي إلى فكرة غريبة، مفادها أن كل ما يكتبه أي مفكر أوروبي من قلبه موافق للشرق، بينما المعادي هو كل ما كتبه من العقل، وكأن سعيد يعيد إنتاج ثنائية الاستشراق نفسها، إذ يرى في الشرق بؤرة للروحانيات والعاطفة، يختلف عن المادية الغربية الباردة، وهذا أساسًا هو التصور الأساسي الذي يعتمده المستشرقون.

بينما الأمر في المتن الماركسي أكثر وضوحًا، أو كما يشير إليه ليون تروتسكي في "الأدب والثورة"، أن: الماركسية لا تزعم البتة أن للسمات الاثنوغرافية طابعًا مستقلا.

ويضيف: بل على النقيض من ذلك، فهي تنوه بالأهمية الفاصلة للشروط الطبيعية والاقتصادية في تكوين الفولكلور. فالتشابه في شروط تطور الشعوب الراعية والمزارعة، حيث الهيمنة للطبقة الفلاحية، والتشابه في التأثيرات التي يمارسها بعضها على بعض، لا يمكن إلا أن يؤديا إلى فولكلور متشابه. ثم إنه لا أهمية، من وجهة نظر المسألة التي تعنينا هنا (مسألة الثقافة والإنتاج الثقافي)، أن نعرف هل ولدت الموضوعات المتشابهة مستقلة لدى مختلف الشعوب كانعكاس، يحرف أشعته موشور الخيال الفلاحي الواحد، لتجربة متماثلة في معالمها الرئيسية، أم على العكس، هل تولت ريح موائمة نقلت بذور الحكايا الشعبية من مكان إلى مكان، لتضرب جذورها حيثما أبدت التربة استعدادًا لذلك.

اقرأ/ي أيضًا: رسائل إدوارد سعيد إلى صادق جلال العظم

وبالتالي فالتاريخ كما رآه ماركس، وعينه منظروا المادية التاريخية، تراكم غير متقطع متحرك بتناقضاته الداخلية الطبقية والمادية، والثقافة كنتاج فوقي رهينة لهذه التناقضات الداخلية للتاريخ وعلى ضوئها تفسر، وتفسر المشترك الموضوعي بين "الشرق والغرب"، أي الواقع المادي بما ينفي وجود تلك الثنائية أساسًا. من هكذا منهج يعود تروتسكي للقول: ما من طبقة تعاود إبداع الثقافة برمتها من البداية، بل تضع يدها على الماضي، تغربله، ترممه، تعيد تنظيمه، وتتابع البناء بدءًا منه. ولولا هذا الاستخدام لـ "خزانة ملابس" الماضي المستعملة، لما وجدت بوجه العموم حركة إلى الأمام في السيرورة التاريخية. ولئن وصلت إلى أوستروفسكي موضوعة الدراما من المصريين عن طريق اليونان، فإن الورق الذي عالج عليه تلك الموضوعة يدين به للبردي المصري، ثم للرق الإغريقي.

مهملًا أو معارضًا لكل هذا، إذًا، وقع سعيد نفسه في فخ الاستشراق مرتين، مرة عندما أعاد إنتاجه في تصوره عن الغرب كما لو كان كُلًّا ثقافيًّا متجانسًا، لا مساحة فيه للتنوع أو الاختلاف، ومرة أخرى عندما اختزل التصورات المنحازة للشرق إلى "العاطفة"، بدلًا من أن يفهمها باعتبارها منطلقة من تعدد داخل الثقافة الغربية نفسها، وهو يؤكد بذلك ارتباط هذه العاطفة بالشرق، عكس العقل، الذي ينتج دومًا مواقف منحازة للغرب، كما لو كان العقل غربيًّا والقلب شرقيًّا، وهذا موقف استشراقي في رأي سعيد نفسه.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

بين إدوارد سعيد والمسيري.. تأملات في فقد الحرية

الاستشراق المعكوس