"استراتيجية الأمن القومي الأميركية" 2026: تحوّل في رؤية واشنطن للعالم
6 ديسمبر 2025
نشر البيت الأبيض وثيقة "استراتيجية الأمن القومي الأميركية" 2026، التي تحدد رسميًا كيف ترى إدارة ترامب دور الولايات المتحدة في العالم، وما أولوياتها في السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد والهجرة وحماية الحدود.
وتمثّل الوثيقة إعلانًا صريحًا عن تحوّل جذري في تصور واشنطن لدورها العالمي، من قوة تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي إلى لاعب يركّز أولًا على حماية مصالحه الأساسية، ويعيد تعريف الشراكات والتحالفات وفق منطق "الواقعية المرنة".
أولويات الأمن القومي الجديدة: من العالم إلى الجوار
تعيد الوثيقة تصنيف أولويات السياسة الأميركية بوضوح: تأتي حماية الحدود، مكافحة الهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود على رأس أولويات الأمن القومي الأميركي. ويسلط الضوء على نصف الكرة الغربي — أميركا اللاتينية والكاريبي — كمسرح محوري لسياستها في السنوات المقبلة. هذا يعكس محاولة لإحياء ما يُعرف بـ"مبدأ مونرو" بشكل معاصر، وسعي واشنطن لإحكام السيطرة على الفضاء خلفيها الجغرافي بعيدًا عن الدور التوسّعي التقليدي.
الأمن الاقتصادي وإعادة التصنيع وسلاسل الإمداد
جزء من الاستراتيجية يهتم بإعادة بناء القدرات التصنيعية الأميركية، وتعزيز استقلالية الاقتصاد من الاعتماد على سلاسل إمداد خارجية — خصوصًا في ضوء الصدمات العالمية التي شهدتها الأسواق. إعلان واشنطن أن الاقتصاد هو "رهانها النهائي" يعكس الإقرار بأن الاستقرار الاقتصادي الداخلي أهم من المشاركة في صراعات نفوذ بعيدة.
تمثّل الوثيقة إعلانًا صريحًا عن تحوّل جذري في تصور واشنطن لدورها العالمي، من قوة تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي إلى لاعب يركّز أولًا على حماية مصالحه الأساسية، ويعيد تعريف الشراكات والتحالفات وفق منطق "الواقعية المرنة"
واشنطن تتبنّى استراتيجية واقعية للتعامل مع الصين:
بخلاف الوثائق السابقة، تصف استراتيجية الأمن القومي الأميركية 2026 الصين كمنافس اقتصادي واستراتيجي، لا كعدو أيديولوجي أو طرف في "حرب حضارية". الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو إدارة هذه المنافسة بواقعية ومرونة، مع التركيز على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية دون الانخراط في إعادة تشكيل النظام السياسي أو القيمي للدول الأخرى.
المنافسة الاقتصادية أولًا
الوثيقة تجعل من الصين منافسًا اقتصاديًا رئيسيًا، مركّزة على السيطرة على سلاسل الإمداد والتقنيات الحيوية، بعد أن فشل نهج الرسوم الجمركية الذي بدأ عام 2017. وتدعو الاستراتيجية إلى بناء تحالفات اقتصادية دولية لمواجهة تحديات الصين، بدل الاعتماد على القوة الأميركية وحدها.
الجانب العسكري: الردع وليس المواجهة
تشير الوثيقة إلى أن الجيش الأميركي سيواصل الحفاظ على تفوقه العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع الاعتراف بأن هذا التفوق غير مضمون بالكامل. كما تحدد الاستراتيجية "ردع النزاع المحتمل حول تايوان" كأولوية، لكن بطريقة تحافظ على التوازن وتجنب التصعيد المباشر، مع التأكيد على ضرورة تحمل الحلفاء في آسيا مسؤوليات أكبر لضمان الدفاع المشترك.
التكنولوجيا محور المنافسة
تركز الاستراتيجية على التكنولوجيا والتقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا والكمّ كأدوات أساسية للمنافسة مع الصين. وتؤكد الوثيقة أن أي شراكات مع دول ثالثة يجب أن تضمن توحيد المعايير الأميركية للحفاظ على التفوق التكنولوجي واستغلاله كأداة ضغط اقتصادي واستراتيجي.
نهاية الصراع الأيديولوجي
الاستراتيجية الأميركية تتخلى عن لغة الصراع الحضاري أو القيمي تجاه الصين، مع غياب أي إشارات إلى "الديمقراطية مقابل الاستبداد" أو "معركة قيم". وتعكس هذه المقاربة تحوّل السياسة الأميركية من النهج التبشيري الليبرالي إلى منطق واقعي يركّز على حماية المصالح الأميركية والتوازن الاستراتيجي على الأرض.
إدارة المنافسة بواقعية
الوثيقة تؤكد أن الصين ليست حليفًا تقليديًا، لكنها جزء أساسي من الاقتصاد العالمي، مما يفرض على واشنطن موازنة الضغط والمصلحة. وتبرز الاستراتيجية تحوّلًا استراتيجيًا واضحًا: من مواجهة شاملة إلى إدارة المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بطريقة واقعية ومرنة، بالاعتماد على التعاون مع الحلفاء وبناء تحالفات دولية فعّالة.
واشنطن في الشرق الأوسط: من الهيمنة العسكرية إلى إدارة النفوذ:
تضع استراتيجية الأمن القومي الأميركية 2026 الشرق الأوسط ضمن أولوياتها الحيوية، لكنها تعكس تحوّلاً كبيرًا في مقاربة واشنطن مقارنة بالوثائق السابقة. فبدلًا من التركيز على "فرض النظام" أو الانخراط في حروب طويلة لحماية مصالح أميركية، تعتمد الوثيقة الآن على إدارة النفوذ ومنع أي قوة معادية من الهيمنة على المنطقة ومواردها الحيوية وممراتها الاستراتيجية.
منع الهيمنة الإقليمية
توضح الوثيقة أن الهدف الأساسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو منع أي دولة أو تحالف من فرض سيطرة مطلقة على المنطقة، بما في ذلك النفوذ العسكري والسيطرة على الموارد، مثل النفط والغاز والمياه. ويأتي هذا النهج بعد عقود من الانخراط العسكري الأميركي المباشر، التي أثبتت محدودية القدرة على تحقيق نتائج مستدامة بدون حلفاء محليين وإقليميين موثوقين.
التركيز على الاستقرار الإقليمي والحد من النزاعات
تركز الاستراتيجية على منع نشوب "الحروب الأبدية"، أي الانخراط في صراعات طويلة الأمد، وتعيد تأكيد الدور الأميركي كوسيط استراتيجي يضمن استقرار خطوط الإمداد والممرات البحرية والبرية، ويحافظ على توازن القوى بين اللاعبين الإقليميين. وتشدد الوثيقة على أهمية العمل مع الحلفاء الإقليميين لاحتواء أي توترات، بدل التدخل المباشر الذي يرهق الميزانية العسكرية الأميركية ويستنزف القاعدة الصناعية.
إدارة إيران والتهديدات غير التقليدية
تعتبر الاستراتيجية أن إيران تشكل تهديدًا محتملًا لأمن المنطقة، خصوصًا فيما يتعلق بالقدرات الصاروخية والنووية، لكنها لا تصفها كعدو أساسي يجب القضاء عليه. بدلًا من ذلك، تهدف واشنطن إلى ردع الأنشطة العدائية عبر أدوات متعددة، تشمل الضغط الدبلوماسي، العقوبات الاقتصادية، والشراكة مع حلفاء المنطقة.
كما تولي الوثيقة اهتمامًا متزايدًا للتهديدات غير التقليدية، مثل الميليشيات المسلحة، الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، وتهريب الأسلحة، مع التركيز على التعاون الاستخباراتي والأمني مع الحلفاء.
إسرائيل: الحليف المركزي في الشرق الأوسط
تعترف الاستراتيجية بإسرائيل كحليف محوري في الشرق الأوسط، وتؤكد دورها في حماية المصالح الأميركية الإقليمية. وتربط الوثيقة دعم تل أبيب بالحفاظ على تفوّقها العسكري النوعي عبر تزويدها بأحدث أنظمة الدفاع الصاروخي والتقنيات السيبرانية، بما يضمن الردع دون تدخل مباشر. كما تقدّم إسرائيل كركيزة أساسية لمنع أي قوة إقليمية—خصوصًا إيران—من تغيير موازين القوى، مع توسيع التعاون الاستخباراتي والأمني في إطار شبكة التحالفات الإقليمية، بما في ذلك اتفاقيات أبراهام. وتشدّد الاستراتيجية على دمج الدعم العسكري بالتعاون الاقتصادي والتكنولوجي لتعزيز النفوذ الأميركي في المنطقة دون الانخراط في حروب طويلة.
صفقات الأسلحة والتوازن الاستراتيجي
تشدد الوثيقة على تزويد الحلفاء بالقدرات العسكرية اللازمة للحفاظ على التوازن الإقليمي، مع تعزيز الردع دون الدخول في مواجهات مباشرة. ويأتي ذلك ضمن رؤية شاملة لإبقاء الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، لكنه يحدّ من الانخراط العسكري المكلف ويحافظ على الموارد الأميركية للأولويات الاستراتيجية الأخرى.
التركيز على الاقتصاد والطاقة
تضع الوثيقة على رأس أولوياتها في الشرق الأوسط تأمين مصادر الطاقة، وحماية خطوط الإمداد الحيوية، وضمان حرية الملاحة. وتبرز واشنطن اهتمامها بالشراكات الاقتصادية مع دول المنطقة لتعزيز الاستقرار وتقليص الاعتماد على التدخل العسكري. وتوضح الوثيقة أن إدارة النفوذ الاقتصادي هي أداة أساسية للضغط الاستراتيجي، بالتوازي مع الردع العسكري المحدود.
واقع جديد: الواقعية بدل الهيمنة
بإجمال، تكشف الوثيقة عن تحول واضح في مقاربة واشنطن للشرق الأوسط: من الهيمنة المباشرة والصراعات الطويلة إلى إدارة النفوذ، بناء التحالفات، وضمان الاستقرار الإقليمي. هذا التحول يعكس اعتراف الإدارة بأن الانخراط العسكري المكثف وحده لم يعد مستدامًا، وأن السياسة الأميركية يجب أن توازن بين الضغط العسكري، النفوذ الاقتصادي، والتعاون مع الحلفاء لضمان مصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل.
أوروبا: من حليف إلى محور نقد وتشكك:
تذهب الوثيقة في صيغتها الأحدث إلى تبنّي رؤية أكثر حدّة تجاه القارة الأوروبية، إذ تحذّر من ما تسميه "محوًا حضاريًا" ناجمًا عن تدفّق الهجرة غير النظامية وتراجع معدلات الخصوبة في الدول الأوروبية، معتبرة أن هذه التحولات الديموغرافية تهدد الهوية الثقافية والسياسية لأوروبا الغربية. وتدعو واشنطن إلى دعم ما تصفه الوثيقة بـ "حركات المقاومة الداخلية" داخل القارة، في إشارة إلى الأحزاب اليمينية والقومية التي تطالب بوقف الهجرة وتشديد حماية الحدود، وهو ما يعكس تزايد تأثير التيارات الشعبوية داخل دوائر صنع القرار الأميركي.
وفي سياق متصل، تؤكد الوثيقة أن الحلفاء الأوروبيين مطالبون بتحمّل نصيب أكبر من أعباء الدفاع، خاصة في ضوء استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر مع روسيا. وتشدد على أن الولايات المتحدة لن تبقى "المموّل الأمني الوحيد" للقارة، بل ستتجه نحو إعادة توزيع الأدوار بما يخفف العبء عن واشنطن ويُلزم أوروبا برفع إنفاقها الدفاعي إلى مستويات تتجاوز الحد الأدنى الذي يفرضه الناتو.
هذه المقاربة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأوروبية والأميركية على حدّ سواء، إذ يرى منتقدوها أنها تعبّر عن تراجع الالتزام الأميركي التقليدي بالأمن الجماعي عبر الأطلسي، وتحويل مزيد من المسؤولية إلى الشركاء في لحظة سياسية حساسة. كما اعتُبرت مؤشراً على استمرار صعود النزعات الانعزالية داخل السياسة الأميركية، وربط السياسات الخارجية بخطاب قومي يتقاطع مع أجندات اليمين الأوروبي المتشدد.
تبدو الساحة الأميركية منقسمة بدورها: فالمؤيدون يؤكدون أن الوثيقة تعبّر عن واقعية دفاعية تضع أمن الداخل أولًا وتقلص الالتزامات الخارجية المكلفة، بينما يحذّر معارضون من أن تراجع واشنطن عن التزاماتها التقليدية تجاه الحلفاء سيضعف قدرتها على قيادة النظام الدولي
ردود الفعل والتحفظات: هل تغلب المصالح على القيم؟
أثارت الاستراتيجية الجديدة موجة واسعة من التعليقات الدولية؛ إذ اعتبر عدد من المراقبين أنها تمثل محاولة لإعادة بناء الإمبراطورية الأميركية عبر تعزيز أدوات الهيمنة الاقتصادية والأمنية على حساب القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي طالما تباهت بها واشنطن. وفي أوروبا، لقي الخطاب المتعلق بـ"حماية الهوية الغربية" من تهديدات الهجرة صدى مثيرًا للجدل، وسط تحذيرات من أن هذا التوجه يستعيد مفردات أيديولوجيات الهوية المتطرفة وقد يفاقم الانقسامات داخل القارة ويغذي التيارات الشعبوية الصاعدة.
داخليًا، تبدو الساحة الأميركية منقسمة بدورها: فالمؤيدون يؤكدون أن الوثيقة تعبّر عن واقعية دفاعية تضع أمن الداخل أولًا وتقلص الالتزامات الخارجية المكلفة، بينما يحذّر معارضون من أن تراجع واشنطن عن التزاماتها التقليدية تجاه الحلفاء سيضعف قدرتها على قيادة النظام الدولي ويفتح المجال لقوى منافسة—مثل الصين وروسيا—لملء الفراغ الاستراتيجي في المناطق التي تنسحب منها الولايات المتحدة.
من الهيمنة الشاملة إلى الواقعية الاستراتيجية
تمثل "استراتيجية الأمن القومي الأميركية" 2026 تحوّلاً واضحًا في مقاربة واشنطن لدورها الدولي. الوثيقة تؤكد صراحة أن الأولوية الآن هي حماية المصالح الأميركية، مع الاعتماد على أدوات سياسية واقتصادية، وبناء شراكات وتحالفات قائمة على مصالح محددة، بعيدًا عن الانخراط في هيمنة شاملة أو صراعات طويلة لا تخدم أهداف الأمن القومي المباشرة.
لكن هذا التحول ليس مجرد صقل للسياسة الأميركية — بل إعادة تشكيل للمعادلات العالمية. ما يتبقى الآن هو كيف ستتعامل الدول الأخرى مع هذا الواقع الجديد: هل ستتكيف معه، أم ستقاومه، أم تحاول إعادة بناء توازن دولي جديد؟




