"استثمار على الرمال".. تحقيق جديد يفضح "فردوس دبي" الزائف

تنكشف الصورة الحقيقية لدبي في تحقيق "استثمار على الرمال" (أ.ب)

تستنفر الإمارات العربية المتّحدة، ومنذ سنواتٍ خلت، قدراتها كافّة لبثّ صورة إيجابية زائفة ومضلّلة لها عالميًا، بدت خلال السنوات الأخيرة أقلّ تماسكًا، مع فضائح مستمرة، وكشوفات عديدة عكفت وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية على نشرها. ففي موازاة الصفعة التي وجّهها عدد من المشاركين في مهرجان "هاي أبوظبي" للسلطات الإماراتية حينما اعتبروا الحفل مجرّد وسيلة لتغطية انتهاكاتها، بالإضافة إلى إعادة فتح ملفّات جرائم محمد بن راشد آل مكتوم في بريطانيا عقب حادثة ترهيبه لزوجته السابقة هيا بنت الحسين، والتحقيق مجددًا بملف اختطاف ابنته شمسة، خرجت قناة الجزيرة ليلة الإثنين بتحقيق صحفيّ كشف الوجه الآخر لجنّة الاستثمار المزعومة، أي إمارة دبي.

على مدار 50 دقيقة تقريبًا، تكشف حلقة برنامج "ما خفي أعظم" حقيقة مدينة دبي، وتضع المشاهد أمام سيرة موجزة لسياسات كان ضحيتها مستثمرون عرب وأجانب

على مدار 50 دقيقة تقريبًا، تكشف حلقة برنامج "ما خفي أعظم" حقيقة مدينة دبي، وتضع المشاهد أمام سيرة موجزة لسياسات كان ضحيتها مستثمرون عرب وأجانب، لعلّ أبرزهم رجل الأعمال الكندي من أصول فلسطينية عمر عايش الذي يروي تفاصيل تأسيسه لشركة "تعمير" في دبي وصعودها في مجال البناء والإعمار، قبل أن تحلّ الكارثة.

اقرأ/ي أيضًا: جرائم ابن راشد تفتح الجدل مجددًا في بريطانيا

ففي خطوةٍ بدت مفاجئة له، عرض أحمد وعبد الله الراجحي عليه شراء نصف حصّته في شركة تعمير، وبعد شدّ وجذب ومفاوضات اتّسمت بالترهيب قبل الترغيب، كما يوضح التحقيق المصور، قبل عايش عرض الشقيقين اللذين عادا من جديد بعرض آخر يتمثّل في شراء نصف حصته، بحيث ترتفع نسبة حصتهما من النصف إلى 75% من الشركة. مرّة أخرى، سوف يتنازل عمر عايش عن نصف حصّته بعد تلقّيه وعود عديدة بتطوير الشركة، غير أنّ ما حدث كان على العكس تمامًا ممّا وُعِدَ به رجل الأعمال الكندي، فبدلًا من أن تكبر الشركة، سُرقت.

تحدّث عمر عايش عن مخطط وصفه بالرهيب للاستيلاء على شركته، بدأ بسحب أحمد وعبد الله الراجحي كلّ السيولة المتوفّرة في الشركة، ثمّ تحويل أصولها إلى شركات بأسماء أشقائهما عبر عمليات بيع وهمية بثمنٍ بخس. وعلى الرغم من لجوء عايش إلى المحاكم الإمارتية، إلّا أن قضيته ظلّت حبيسة أدراجها لسنواتٍ طويلة، دون حسمها، رغم تقديمه لأدّلة تثبت صحّة ادعائه، منها رسالة مُرسلة من المدير الجديد لشركة "تعمير" فريدريكو توبير إلى الأخوين الراجحي يخبرهما فيها أنّه لم تجر أي عملية بيع حقيقية لأصول الشركة وإنّما تم نقل ملكيتها فقط بعد موافقة السلطات في دبي بهدف حمايتهما من عايش وبقية المستثمرين، بعد إفلاس الشركة وتوقّف مشاريعها.

قاد أحمد وعبد الله الراجحي مدعومين من رجال العائلة المالكة، أبرزهم صقر بن محمد آل نهيان، عملية احتيال وابتزاز للمستثمرين الذين طالبوهم بتسديد ما يترتّب عليهم من أقساط للشركة رغم توقّف مشاريعها. وبالرغم من لجوء عدد من هؤلاء المستثمرين إلى محاكم إمارة دبي، إلّا أنّ الأخيرة لم تستطع أن تفرض على آل الراجحي تسديد مستحقّات وتعويضات المستثمرين، بل إنّ عددًا منهم، كما هو حال عمر عايش، وجدوا أنفسهم متّهمين بقضايا جنائية كوسيلةٍ للضغط عليهم وإجبارهم على سحب الدعوات المرفوعة ضدّهم.

لم يكن الأمر ليحدث بطبيعة الحال دون غطاءٍ من سلطات دبي التي شاركت في عمليات الاحتيال وترهيب المستثمرين قبل الاستيلاء على أموالهم، كصقر بن محمد آل نهيان، ونائب قائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان، وغيرهما من الشخصيات التي استُخدمت لسرقة أموال المستثمرين ونقل أصول بشكل مخالف للقانون، ممّا يعكس طبيعة الفساد المتفشّي في البلاد بشكلٍ يتناقض تمامًا مع المبادئ التي يروج لها محمد بن راشد آل مكتوم لحكم دبي، وأههمّا العدل ومحاربة الفساد.

توفّر السلطات الإماراتية إذًا غطاءً قانونيًا لعملية سرقة المستثمرين بحسب رضا ستيرلينغ مديرة منظمّة "معتقل في دبي" التي أكّدت ضلوع السلطات في عمليات الاحتيال التي تحدث دون رادع، حيث تبقى ملفّاتها حبيسة أدراج المحاكم الإمارتية التي لا تخرج عن تعليمات أفراد العائلة المالكة، أكبر المستفيدين من هذه العمليات بطبيعة الحال، كونها تدرّ مالًا وفيرًا بأقلّ الجهود والتكاليف الممكنة.

اقرأ/ي أيضًا: مهرجان "هاي أبوظبي".. عندما ينقلب السحر على الديكتاتور

نجاح هذا النموذج من عمليات النصب والاحتيال داخل الإمارات دفع بالمسؤولين عنه إلى محاولة تطبيقه خارج الحدود. يقدّم التحقيق قضية شراء فريق ليدز يونايتد الإنجليزي مثالًا حيًّا على ذلك، باعتبار أنّ الفريق الذي استحوذت عليه مجموعة "GFH" المملوكة لأحد أفراد العائلة الحاكمة، كان ضحية عملية احتيال من نوعٍ آخر، إذ اكتشف رئيس النادي بعد بيعه لتلك المجموعة عدم امتلاكها المال المطلوب الذي سوف تسدّده فيما بعد من أموال مجمّدة لأحد زبائنها، في الوقت الذي سيعيش فيه النادي أزمة حادّة وضعته على شفير الانهيار بحسب رئيس مجلس إدارته السابق ديفيد هيج، الذي استدرجته الشركة إلى دبي ليعتقل هناك ويتعرّض لمختلف أنواع التعذيب والترهيب، شأنه شأن مستثمرين كثر.

توفّر السلطات الإماراتية إذًا غطاءً قانونيًا لعملية سرقة المستثمرين بحسب رضا ستيرلينغ مديرة منظمّة "معتقل في دبي" التي أكّدت ضلوع السلطات في عمليات الاحتيال التي تحدث دون رادع

يومًا بعد يوم، يتبيّن للعالم أنّ الأبراج الشاهقة التي بنتها دبي، بالإضافة إلى أدواتها الإعلامية التي تسعى لتكريس صورة مضلّلة عنها عالميًا، لم تعد قادرة على تغطية الحقيقة المرّة، ذلك أنّ الإمارات ليست كما يسوّق لها إعلاميًا. فبعد إثبات انتهاكاتها الحقوقية لمعتقلي الرأي من مختلف الجنسيات، بالإضافة إلى الاتّهامات التي تلاحق أفراد العائلة الحاكمة المتورّطة في حرب اليمن والصراع في ليبيا ودعم معسكر الثورات المضادة، تنكشف صورة جديدة قديمة، تثبت أن "إمارات أبناء زايد" ليست المكان الأنسب للاستثمار، أو العدالة، وإنّما مستعمرة عقاب ضخمة ومسرح واسع لجرائم مالية تغطيها منظومة فاسدة يتولّى إدارتها أمراء الحروب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 دبي.. جنّة "حريات" مزعومة لمن يلتزم الصمت فقط!

فردوس غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.. دبي ملاذًا للإجرام الدولي